عين الفنان وعين الكمبيوتر

عين الفنان وعين الكمبيوتر

في كتابه "عين الفنان وعين الكمبيوتر"، هو مجموعة مقالات مترجمة ،تتناول كما يشير مترجمها ومحررها مصطفى محمود ، لما يشير بدخول الحاسب الآلي إلى عالم الإبداع الفني، والدور الذي يمكن أن يسهم به الحاسب الآلي في مساعدة الفنان على الانطلاق من خلاله إلى عوالم رحبة من الإبداع والتصوير والخيال.

ويشير الكتاب إلى أنه يوجد عند الفنانين ما يسمى بفوبيا الحاسب الآلي، ويرجع السبب في ذلك إلى تخوفهم من أن يقتحم الحاسب الآلي تلقائية إبداعهم وطبيعته الإنسانية، أو أن يضفي الحاسب الآلي على الإبداع البشري صبغة ميكانيكية تقلل من اللمسة الإنسانية على الإبداع البشري.

ويصف المؤلف كتابه بأنه دليل سهل للكمبيوتر والفن والرابطة التاريخية التي ربطت بين الحاسب الآلي والفن والفنانين، ولذلك فإن المؤلف حرص على أن يتضمن كتابه العديد من النماذج التطبيقية السهلة مع أمثلة من أشكال الفن التقليدي، بما يجعل هذا الكتاب مدخلا يسهل استخدامه مع أي كمبيوتر يشمل الرسم والرسوم المتحركة والنحت والمؤثرات الخاصة والفيلم والفيديو، والطرق التي يمكن بها للكمبيوتر أن يحقق فهمنا وتقديرنا للأعمال الفنية الكبرى.

كما يمكن اعتبار الكتاب الذي بين أيدينا مدخلا لاكتشاف المدى الكامل لإمكانيات الحاسب الآلي في تجسيد إبداعنا، وتحديد ما لا يستطيع الحاسب الآلي الإقدام عليه، وأيضا تحديد ما لا يقدر الفنان البشري الإقدام عليه، مع مقاربة من المؤلف لأن يكون كتابه جزءا من محاولة علمية لتنمية الفنان من داخلنا.

ويتناول الكتاب التأصيل التاريخي للعلاقة بين الحاسب الآلي والفن، مع محاولة لوضع دوائر حول المدى الذي يمكن أن يذهب له الكمبيوتر في إقحام نفسه في أشكال الفن، وحاول المؤلف الإجابة على سؤال مفاده: هل يمكن أن يصير الحاسب الآلي من خلال تطوير الذكاء الاصطناعي هو المبدع للعمل الفني بعيدا عن الفنان؟.

ويشير إلى أن الحاسب الآلي يتعامل مع الفن من خلال برامج جاهزة تستخدم في التلوين والرسم والصور المتحركة، وأن هذه الصور تظهر على شاشة الجهاز على شكل أيقونات، وتكون أيقونة الحاسب الآلي على شكل فرشاة صغيرة أو قلم رصاص أو ممحاة، أو شكل من أشكال العمليات التي يتم تنفيذها.

كما يشير إلى أن الأيقونات الأساسية تتفرع عنها أيقونات فرعية أكثر تخصصا فيما يتعلق بتطبيقات هذه الأيقونات، بحيث يبدأ المستخدم باستخدام الأيقونة الأساسية ثم يتفرع منها لأيقونات فرعية.

ونجح الكتاب في اعتبار الحاسب الآلي وسيطا يمكن أن يعمل الفنان من خلاله مثل الفرشاة ولوحة الرسم والألوان، ويقول المؤلف في هذا الصدد إن الفنان يدرس كل وسيط أو أداة يعمل من خلالها حتى يأنس لها ويصبح متمرسا على العمل بها، وهو ما يدفع المؤلف للقول بأنه من الممكن أن يتم تدريب الفنان على توظيف إمكانيات الحاسب الآلي، والتطبيقات المتصلة به من خلال عمليات مخطط لها للتدريب على التحكم في الأشكال والظلال والألوان والمنظور من خلال تطبيقات الحاسب الآلي، وبالتدريج يستوعب الفنان مجموعة من الحقائق والأفكار والمهارات التي يمكن أن تتعلق بإمكانيات عمله من خلال الحاسب الآلي، وهو ما يمكن الفنان من استخدام الحاسب الآلي تدريجيا بنفس الطريقة والكيفية التي يستخدم بها الفنان الفرشاة ولوحة الرسم والألوان في عمله الفني التقليدي، وهو ما يعتبره المؤلف وسيلة ممكنة يتمكن خلالها الفنان من اتخاذ ما يصفه المؤلف بـ(القرار إبداعي أو تقني).

ومن هنا ينطلق الكتاب إلى أنه كما يكون داخل الفنان البشري قاعدة معلومة تتكون في الأساس من الخبرات الفنية للرسام ممزوجة بموهبته عن كيفية استخدام الألوان، وخلطها ببعضها البعض، وتشكيل المؤثرات الفنية من خلال قواعد اللوحة والمنظور، بالإضافة إلى معارف الفنان حول تاريخ الفن وقواعد الإدراك الحسي والهندسي، فإنه بنفس الكيفية ومع التطبيقات الحديثة لبرامج الحاسب الآلي فيما يتعلق بالفن، يمكن أن تساعد قواعد البيانات الفنية المتعلقة بعمليات الإنتاج الفني الدافع الإبداعي لدى الفنان، حيث يمكن أن يتم بقليل من مبادئ الذكاء الاصطناعي تغذية الحاسب الآلي بمثل هذه الخبرات الفنية والمعارف التي تساعد في عملية الإبداع، مع وجود إمكانية في نفس الوقت لتحويل الحاسب الآلي من خلال مثل هذه التطبيقات لوسيلة إبداعية، لأنه سوف يكون الحاسب الآلي في هذه الحالة معينا لا ينضب من الفراشات والألوان والقماشات والظلال وقواعد المنظور وهندسة الأبعاد الثلاثية، كما يمكن استخدام الحاسب الآلي في تصميم أو عمل فني أو التحكم في تكوين حركي، كما يمكن استخدام الكمبيوتر أيضا في نسخ لوحة شهيرة من عصر النهضة وحفظ هذه الصورة.

وفي هذا الإطار يطرح مترجم الكتاب مصطفى محمود تساؤلات مفادها: ما مدى التفاصيل التي يجب أن تشملها معرفة الفنان بالحاسب الآلي كوسيط يمكن توظيفه في عمليات الإبداع الفني؟.

ويجيب على هذا التساؤل بأنه يجب على الفنان أن يعرف في البداية ماذا يستطيع أن يفعله حاسب آلي بعينه، وما الذي لا يقدر نفس الحاسب الآلي على فعله؟ ويحاول المؤلف توضيح أهمية معرفة الإجابة على هذا التساؤل بقوله: يبرز الانقسام المحبط بين المعرفة العلمية والمعرفة الفنية حينما يحتاج الفنان إلى أن يدفع الكمبيوتر إلى تحقيق شيء ما هو بمقدوره لو عرفه فقط مجموعة التعليمات التي تخبر الكمبيوتر كيفية تشغيل هذه المهمة.

اقرأ/ي أيضًا | الطائفية والتقسيم ... مغامرة غير محسوبة العواقب

وعلى ذلك، فإن الكتاب يخلص إلى أن الكمبيوتر يمكن أن يعتبر جزءا من التطور الطبيعي لأدوات الفنان، فبمقدور الكمبيوتر أن يقلل من الجهد الشاق التقليدي بالطريقة المماثلة لأساتذة عصر النهضة الذين كانوا يعضون رسوماتهم الورقية على اللوحات الجدارية، كما يخلص المؤلف أيضا إلى أن الكمبيوتر يساعد على تطوير عين الفنان التي يمر من خلالها فعل الإبداع إلى أن يتحول هذا الفعل لعمل فني قائم بذاته.

جدير بالاشارة أن كتاب “عين الفنان وعين الكمبيوتر” ترجمة وتحرير مصطفى محمود ، صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ، ويقع في نحو304 صفحة  من القطع المتوسط .