عزمي بشارة: تأصيل السلفية وتحوّلاتها المعاصرة

عزمي بشارة: تأصيل السلفية وتحوّلاتها المعاصرة

يُقدّم المفكر العربي، عزمي بشارة، في كتابه "في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟"، الصادر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة، قراءة معمّقة ومفصّلة تنطلق من تأصيل مفهوم السلفية وتفنيد مقولات المستشرقين حوله، ودراسة مصطلح التكفير وتطوّره في التاريخ العربي، وصولاً إلى نقد وتحليل أبرز ظواهر السلفية المعاصرة.

تُشير مقدّمة الكتاب إلى أن "السلفية قد لحقها مقدار كبير من التعريفات والشروح والاستعمالات المتباينة، فما برح الدراسون والباحثون يتداولون هذا المصطلح إما بالتبسيط الذي يُخلُّ بالمعنى، أو بالنقول المتواترة التي لا تضيف أيّ جديد على ما قاله الأسلاف"، بيما نأى المؤلّف تماماً عن إعادة تدوير كتابات السلف، كما درجت العادة عند الكُتّاب التقليديين، ليقتفي أثر العلم والبحث التاريخي التحليلي والتفكير النقدي.

لا يدرس صاحب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" (2018) السلفية بوصفها مفهوماً مجرّداً ذا معانٍ اختزالية، بل بوصفها مصطلحاً له تاريخ، وله منشأ تاريخي، وخضع في سياقه التاريخي لتعديلات مهمّة في معناه ودلالاته معاً؛ إذ أن مفهوم السلفية لم يبقَ واحداً، بل صار متعدّداً، وصارت لدينا سلفيات لا سلفية واحدة، كالسلفية الإصلاحية والسلفية الدعوية والسلفية العلمية والسلفية الجهادية... إلخ.

يحفر بشارة في التاريخ الإسلامي، في محاولة لتأسيس مدخل علمي نقدي تحليلي يُمكِننا من خلاله فهم السلفيات في تطورّها التاريخي والدلالي بما في ذلك العلاقة بين السلفية والوهابية، بوصف الوهابية إحدى السلفيات المحدثة وليست السلفية، وإشكالية العلاقة بين سلفية "أهل الأثر" القدامى وسلفية ابن تيمية، مروراً بالسلفية (الوهابية) المحدثة، ومحاولة تجذير نفسها في الماضي "السلفي"، مماهيةً بين الحنبلية والسلفية، ثم ينتقل إلى تحليل السلفية الإصلاحية الحديثة وإشكالية علاقتها بالحداثة ومسائل استيعاب التقدّم العلمي والحضاري، والجمع بين الدعوة الوطنية والدعوات التحديثية العصرية مثل سلفيات علال الفاسي ومحمد عبده ورشيد رضا الإصلاحية.

يتألّف الكتاب من أربعة فصول متكاملة؛ الأول "عن السلفية"، ويبحث في معناها الذي يكاد ينحصر في ثلاث: العودة إلى الكتاب والسنّة، ونبذ البدع، وإنكار المحدثات، كما يناقش بعض نظرات الاستشراق إلى هذه المسألة، ومساءلة مفهوم آخر مرتبط بالسلفية هو مفهوم الأصولية كما يُستخدم في أدبيات دراسات الشرق الأوسط المعاصرة، مبيّناً التعارض بينه وبين المفهوم الكلاسيكي الإسلامي للأصولية، وانتشاره كأنه "كليشيه" مفهومية قارّة من دون تمحيص وتبصّر نقدي، بهدف فهم الدلالات التاريخية لمفهوم السلفية خارج تلك "الكليشيهات" السائدة والمهيمنة على آلية إنتاج الأفكار.

يعود الفصل الثاني، "عن التكفير"، إلى التاريخ الفكري للجماعات الإسلامية المبكرة؛ كالخوارج والمرجئة، ثم موقع التكفير في منظومة ابن تيمية وفتاواه في الإسماعيلية النزارية والإثني عشرية، وتمييزاته بين تكفير المطلق وتكفير المعيّن، صعوداً نحو الحركات الجهادية الإسلامية التي اعتنقت التكفير، وظهرت في مصر في ستينيات القرن العشرين وسبعيناته.

في الفصل الثالث، "السلفية والحركات الإسلامية"، يناقش بشارة كيف تحولت الوهابية من دعوة إلى مؤسسة مع تبنّي ابن سعود وأبنائه من بعده تلك الدعوة وقولبتها في مؤسسة دُعيت "هيئة كبار العلماء"، كما يقدّم بحثاً وافياً عن "الإصلاح" الوهابي وعن ظهوره في بوادي نجد، وعن الحركات "الإصلاحية" الأخرى كجماعة "الإخوان المسلمين" التي أنشأت بنيتها التنظيمية على منوال الأحزاب اللينينية صاحبة مبدأ المركزية الديمقراطية الذي بات على يدَي حسن البنا مركزية شوروية مُعلِمة لا مُلزمة.

خلص المؤلّف في هذا الفصل إلى أن الحركات السلفية إنما هي حركات حديثة نشأت في العالم الحديث بآليات التنظيم الحديثة ونتيجة لضغوط العالم الحديث، وأن من غير الممكن أن نفهم نصوص سيد قطب مثلاً من دون فهم اغتراب المثقّف الشرقي عن الحضارة الغربية وفي الدولة الحديثة وفي مواجهة الأيديولوجيات القومية والطبقية والعلمانية والتحديثية الجذرية.

يرى بشارة في الفصل الرابع، "الوهابية في هذا السياق"، أن حركة محمد بن عبد الوهاب بدت أشبه بتأسيس دين جديد عبر تخيّل المطابقة مع الإسلام في ظهوره الأول من حيث المنهج ونشر الدعوة، ومن خلال مقارنة الجاهلية التي سبقت دعوة النبي محمد بالأوضاع في نجد في عصر محمد بن عبد الوهاب. وفي هذا المجال، ألّف محمد بن عبد الوهاب كتاب "مسائل الجاهلية"، وتبعه محمد قطب في كتابه "جاهلية القرن العشرين"، وتبحّر سيد قطب في تأصيل عبارة الجاهلية في كتابيه "في ظلال القرآن" و"معالم في الطريق".

لا يتّفق صاحب "أن تكون عربياً في أيامنا" (2016)، مع مماثلة الوهابية والبروتستانتية حتى مع وجود بعض التشابه بين مارتن لوثر ومحمد بن عبد الوهاب، خصوصاً في سرعة التكفير والقسوة في فرض مظاهر الدين على العامة، ثم التمرد على الكنيسة الرسمية التي ستوازيها مشيخة دار الإسلام العثمانية.
يلفت بشارة إلى أن الوهابية هي، في الأصل، تيار صغير ذو توجه طهراني تقشّفي، ولم يخرج من الجزيرة العربية إلا إلى قبائل التخوم في مواسم غزوات البدو الموسمية على أرياف الشام والعراق، لكنها صارت حركة دعوية وتبشيرية من جرّاء مأسسة العلاقة بين الدعوة والسلطة، وبزوغ ريعية الدولة والمجتمع نتيجة عوائد الثروة النفطية السعودية، وفي سياق الصراع بين المحور المصري والمحور السعودي في ستينيات القرن المنصرم، والاستغلال الاستعماري الغربي للوهابية في محاربة المحور الراديكالي العربي بزعامة جمال عبد الناصر ومحاربة اليسار والشيوعية باسم الإسلام.