جديد دار "المتوسط"... "لا أملك إلَّا المسافات التي تُبعِدُني"

جديد دار "المتوسط"... "لا أملك إلَّا المسافات التي تُبعِدُني"

أصدرت دار المتوسّط مؤخّرًا كتابًا فلسفيًّا جديدًا، بعنوان "لا أملك إلَّا المسافات التي تُبعِدُني"، للكاتب والمترجم المغربي عبد السلام بنعبد العالي، تناول قضيّة الاقتباس الفلسفيّ والأدبيّ ونهل الخطاب من المراجع الفلسفيّة والفكريّة في ضفر النّصوص الجديدة، في محاورة معارضي هذه الظاهرة.

ويتحدّث الكاتب في مستهلّ كتابه عن نصيحة تُقَدّم غالبًا للكتّاب بالإقلاع عن استنساخ غيرهم، وإثبات كفاءتهم وقدرتهم على الإبداع بأن ينطلقوا من "درجة صفر الكتابة"؛ ويقول إنّه "رغم براءة النصيحة وحسن نِيِّتها وغَيْرتها على فكر‘نا‘ وإبداعـ‘نا‘، فهي تنطوي على مفهوم معيَّن عن الكتابة، ونظرة بعينها إلى الفكر، بل ربَّما تفترض فَهْمًا معيَّنًا للهوية، وموقفًا بعينه من التراث الفكري".

ويعتبر الكاتب أن الكتابة توليد للفكر واللغة، ومَنْ يقول اللغة يقتحمُ اللَّاوعي، ويدخل غياهب التاريخ. لذا نجد من المفكِّرين مَن ذهب إلى القول بأن اللغة هي التي تُفكِّر وتكتب، وأن يد الكاتب هي، دومًا، "يد ثانية"؛ إلّا أنّ الكاتب يوضح أنّ هذه النظرة تفترض أن الاقتباس أمر يتمُّ، دومًا، بوَعي وسَبق إصرار. والحال أن الكاتب غالبًا ما يقتبس حتَّى إن ظنَّ أنه صاحب الفكرة وأنه السَّبَّاق إليها.

ويرى بنعبد العالي أنّ هذا الاقتحام لغياهب التاريخ يطرح مسألة التراث الفكري وكيفية تملُّكه وتجاوُزه. وهي، مسألة معقَّدة، يتوقَّف النظر فيها على فَهْم الإنسان للفكر وللقطائع والانفصالات؛ وهذا الفَهْم يتدرَّج من مجرَّد الموقف الوضعي الذي يَعتبر القطيعة انفصالًا مطلقًا، يَجُبُّ فيه الحاضرُ ما قبله، إلى الموقف الجينيالوجي الذي ينظر إلى التراث الفكري على أنه ينطوي على ما يحجبه ويغلِّفه، فيَعتبر تجاوُزه تراجعًا لا ينفكُّ إلى الوراء، كما يَعتبر التَّملُّك الفكري انفصالًا دَؤُوْبًا، تتعيَّن فيه الهوية بالمسافات التي تبعدها، أكثر ممَّا تتحدَّد بانصهارها وتوحُّدها مع ما تزعم تملُّكه.

ويأتي الكتاب في 400 صفحة من القطع الوسط، وهو إضافة نوعية لمُنجز الكاتب عبد السلام بنعبد العالي من مؤلفات وترجمات، ليتأكَّد في سياقه الجديد أنَّ الحوار مع التراث الفكري يهدف إلى بلوغ الشيء ذاته الذي قيل بأنحاء مختلفة.

وعبد السلام بنعبد العالي كاتب ومترجم وأستاذ بكلية الآداب في جامعة الرباط، المغرب. من مؤلفاته: الفلسفة السياسية عند الفارابي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، "حوار مع الفكر الفرنسي"، و"في الترجمة"، و"ضيافة الغريب"، و"جرح الكائن"، القراءة رافعة رأسها. ومن ترجماته: "الكتابة والتناسخ" لعبد الفتاح كيليطو، "أتكلم جميع اللغات" لعبد الفتاح كيليطو، "درس السيميولوجيا" لرولان بارت.


من الكتاب:

المُسَوَّدَة مجال الكتابة "المائلة". إنها فضاء متعدِّد الأبعاد، طرس شفَّاف، كتابة فوق كتابة، إنها كائن جيولوجي.

وهي، أيضًا، كائن جينيالوجي. فهي لا تخضع لكرونولوجيا الزمان. المُسَوَّدَة هي الورقة التي تشهد على البدايات المتكرِّرة للنَّصِّ. إنها ما تفتأ تكتب، وهي تحمل (تحبل) النَّصَّ منذُ ميلاده حتَّى يُصاغ صيغته «النِّهائيَّةً» ليُدفَن بين دفَّتَي كتاب. وهي تشهد على حياة النَّصِّ وتطوُّره، لكنْ، أيضًا، على تراجُعه وعودته إلى الوراء. تشهد على الزيادة والإضافة، لكنْ، أيضًا، على الخَدْش والحَذْف. إنها فضاء المحو، فضاء الحضور والغياب، الفضاء الذي يعمل فيه النسيانُ عملَهُ.

المُسَوَّدَة مجال الظهور والتَّستُّر، مجال الإفصاح والإضمار، إنها «تعبير» عن لغة الجسد في تدفُّقه وتلقائيَّته. لكنها، كذلك، فضاء التَّحفُّظات والحصر، إنها مجال الشعور واللَّاشعور، مجال العقل واللَّاعقل. إنها النَّصُّ وهو يرعاه صاحبه. النَّصُّ وهو ما زال في "ملك" الكاتب، النَّصُّ وهو جزء من صاحبه، النَّصُّ قبل أن يتحوَّل إلى «موضوع». المُسَوَّدَة، إذنْ، مجال حُرِّيَّة المبدع وتَرَدُّداته، مجال تأكُّده وارتيابه، إنها تسويدٌ وتسجيلٌ لعمل الفكر، لِسَيْل تساؤلاته وانعكاساته على ذاته، رجوعه وتراجعه.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"