أين المثقفون المصريون من حراك التغيير؟

أين المثقفون المصريون من حراك التغيير؟

فتح الحراك السياسي والاجتماعي المطالب بالإصلاح والتغيير في مصر، والذي تشهده منذ فترة غير قصيرة، باب التساؤل حول دور المثقفين.

فباستثناء خروجهم وإصداراتهم البيانات تلو الأخرى الداعمة والمؤيدة لفاروق حسني وزير الثقافة وسياسته التي أودت بدور الثقافة المصرية في الخارج والداخل، لم يسجل لهم موقف حقيقي حي ضد ما يرتكب بحق الشعب المصري، وحدث ما حدث أخيرا من اعتصامات عمالية مفتوحة وإضرابات هنا وهناك، ثم جاءت المظاهرات التي تطالب بإلغاء قانون الطوارئ وتعديل الدستور، وتعرض المتظاهرون للضرب والسحل والسب والقذف، ولم يسمع أحد لهم صوتا بينما الشارع المصري يغلي.

بالطبع هناك استثناءات تتمثل في نخبة متميزة معروفة، لكن ماذا عن الأغلبية؟ إنها تنضوي تحت لواء النظام سمعاً وطاعة أو خوفاً ورهبة أو استسلاماً وتسليماً أو عمى وجهلاً وتجاهلاً.

ووجهنا إلى البعض منهم سؤال: هل ترى أن دور المثقفين المصريين والثقافة المصرية الآن يتسق مع الحراك السياسي والاجتماعي؟

في قلب الصورة

عزت القمحاوي: مصطلح "مثقف" و"مثقفون" واسع وفضفاض، إذا احتكمنا إليه سنقول: نعم، المثقف المصري هو قائد هذا الحراك، لأن شباب 6 أبريل مثقفون، وحركة كفاية قائمة على المثقفين وكذلك الجمعية الوطنية للتغيير ورأس حربتها د.محمد البرادعي.

لكن لو تحدثنا عن الأدباء أو وسعنا القوس أكثر وتحدثنا عن المبدعين من روائيين وشعراء وتشكيليين ومخرجين ستكون النتيجة بالسلب بالتأكيد وسنرى أن الحركة الأدبية أقل من مستوى ما يجري حالياً من حراك سياسي.

ربما يكون السبب في الخيبات المتتالية التي خاضها المبدعون، وأسبابها تكمن في نوع الخصم مثلما تكمن في المحاربين أنفسهم.

الخصم السياسي عنيد، في وقفات المبدعين ضد خيارات النظام لم يتزحزح عن خياراته، وكانت السجون مفتوحة لابتلاع حريات من يطالب بالحرية للآخرين، وعندما بدا أن للطرفين مصلحة في محاربة الإرهاب استخدم النظام المثقفين والمبدعين من بينهم لخوض هذه الحرب، وعندما خفت حدة الإرهاب ألقى بهم كعبيد عبس، لم يدعهم للمنادمة مثلما دعاهم للقتال.

هذه الخصال في الخصم أصابت المبدعين بالإحباط، بينما توجد عيوب ذاتية، أو لنقل سمات ذاتية للمبدع؛ فهو فردي، أناني، لا يأتلف كثيرا مع المجاميع والتنظيمات. إن رأى كاتباً متقدماً في مشهد سياسي يتصور أن هذا التقدم يعني تقديرا خاصا لإبداع ذلك المتقدم فتحدث الغيرة، هكذا يبدو المبدعون الآن في طرف الكادر، وليسوا في قلب الصورة.

الاصطفاف وراء البرادعي

الشاعر جمال القصاص: أتصور أنه باصطفاف أغلبية المثقفين وراء الدكتور محمد البرادعي ودعم حملته لخوض معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة في مصر، وأيضا دعوتهم لمقاطعة مؤتمر المثقفين التبريري المشبوه الذي دعا إليه وزير الثقافة فاروق حسني عقب خسارته معركة اليونسكو، وكذلك انخراطهم في حركات الاحتجاج التي يقودها النشطاء السياسيون في المجتمع لمناهضة الفساد بشتى صوره ، وأنشطتهم المتنوعة لإيجاد ثقافة بديلة عن ثقافة المؤسسة.. أتصور أنه من خلال كل هذه التبديلات أن المثقفين أصبحوا لاعبا مهما في تحولات الحراك السياسي والاجتماعي في مصر ، وأنه لم تعد تنطلي عليهم حيل وألاعيب السلطة لتدجينهم في خندقها، واللعبة بورقتهم ، كيفما تشاء، وفي أوقات محددة ، من أجل الإيهام بتوازن هش ، وتجميل فاترينة الديمقراطية والتعددية المريضة، بخاصة أمام القوى المناوئة لها في الداخل، أو كسب تعاطف وثقة مجروحين من الخارج .

وفي تصوري أيضا أن هذا الدور سوف يزداد في الفتؤة المقبلة، خصوصاً في ظل تنامي قوى المعارضة في الشارع، وعلى الفضاء الافتراضي بمواقع الإنترنت، وتجرؤها على كسر معادلة العنف الأمني، واختراق أسواره على ارض الواقع ببدائل كثيرة وصلت إلى حد التلاحم والاشتباك بالأيدي بين والمتظاهرين وبين قوات الأمن، مثلما شاهدنا في تظاهرة لتأييد شباب 6 إبريل بقلب القاهرة الأسبوع الماضي ، وهو ما يعني أن ثقافة الخوف والترهيب لم تعد سلاحاً ذا جدوى في يد النظام.

لكن فعالية هذا الدور للمثقفين ستظل منقوصة - برأيي- طالما لم يتحرر المثقفون أنفسهم من براثن المؤسسة، ومن سطوة أجهزتها ومكاتبها الرسمية العقيمة. ليتبوأوا دورهم كصناع ومنتجين حقيقيين للإبداع والثقافة وليس الأجهزة الثقافية والمكاتب البيروقراطية.

مرحلة عزل المثقف

ويرصد د.السيد نجم دور المثقف منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ويرى أن المثقف تولى مهمة التنوير للأمة بلا افتعال أو ادعاء، بل كنتيجة طبيعية للاتصال بالعالم الغربي أو أوروبا تحديدا، هذا المثقف الذي أفرزته معطيات سياسية بدأت ببعثات "محمد على"، مروراً بطموحات الخديوي إسماعيل، ثم إلحاح الواقع السياسي المعيش تحت وطأت الهيمنة العثمانية، ثم الجيوش الأوروبية الاستعمارية، لذا تمحور دور المثقف على محورين: الأول دور سياسي بدأه "عبدالرحمن الكواكبي"، والثاني إصلاحي تولاه "الشيخ محمد عبده".

ثم بزت الأصوات التنويرية الثقافية على نهجهما: أحمد لطفي السيد، المفلوطي، طه حسين، عباس العقاد، سلامة موسى، على ومصطفى عبد الرازق، ولا ننسى دور المتنورين من أفراد البرجوازية الوسطى المصرية متمثلة فى رجال الثورة العرابية وثورة 1919.

ويقول: أفرزت تلك الجهود الفردية ثورة 1952م، ومع كل منجزات ثورة يوليو، يمكن القول بأنها عزلت الجهود والطموحات الفردية للمثقف، والدعوة إلى الانخراط في جهد عام مجتمعي يخطط له ويهيمن عليه رجال الثورة أنفسهم، وبدأت مرحلة عزل المثقف، وقل الدور الفردي التويري على أمل تحقيق منجز مجتمعي يعوضه.

والآن أصبحت المؤسسات أكبر من قدرات المثقف الفرد، واصبح صوت الإعلام أعلى من كل صوت، ما يمكن أن يؤخذ على الفضائيات الخاصة والحكومية اليوم في هذه النقطة تحديدا، تجعلنا نتساءل: هل دور وسائل الإعلام من أجل وضع المثقف في مكانه الطبيعي في المقدمة؟ أم أن يحل محله "موظف" يعمل كوسيلة لربط التقنية الإعلامية بالقارئ أو المشاهد أو المستمع؟

أما وقد أصبح المذيع والصحفي في المقدمة، أليس من المجدي أن نبحث عن تعريف للمثقف اليوم، قبل أن نبحث عن دوره؟.

منحنيات الهبوط

ورأى د. عمار علي حسن الروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي، أن الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب رسمت جزءاً كبيراً من الخط البياني لعلاقة السلطة بالمثقفين في مصر، على مستوى الشكل والمضمون معاً، وقال "بينت كيف تسير هذه العلاقة إلى الخلف دوماً، فيصغر المثقفون في عين السلطة، وتتضخم السلطة في قلوب المثقفين، فيزدادون خوفاً وانسحاباً وارتياباً، ورضا بالقليل، واكتفاء بمجرد الجلوس في مواجهة رئيس الجمهورية، وسماع صوته، وهز الرؤوس لتعليقاته وإيماءاته وابتساماته".

وأضاف: "في المعرض الذي تلا اعتلاء الرئيس حسني مبارك سدة الرئاسة مباشرة، كان المثقفون يتكلمون والرئيس ينصت إليهم بإمعان، ويصغي إلى ما يجودون به من رؤى وتصورات لوضع مصر ومستقبلها، وقال الناس أيامها، أخيراً جاد علينا الزمان بحاكم يسمع إلى عليّة الناس من أصحاب العقول المتفتحة والبصائر النيرة، ليقف على أفضل ما يمكن فعله من أجل بلده، خصوصاً أن الرئيس مبارك كان يقول في تلك الآونة إنه لن يحكم أكثر من فترة واحدة، وسيترك هذه "المسؤولية الثقيلة" لغيره، واستمر هذه الوضع ثلاث دورات على ما أذكر لمعرض الكتاب، بعدها، بات على المثقفين أن يرفعوا أيديهم طلباً للكلام ويختار الرئيس من بينهم من يتحدث. وبالطبع، كان من يفوزون بالفرص دوماً هم من يراهم "النظام الحاكم" أهلاً لثقته، أو بمعنى أدق، هم المسبحون بحمده، المدافعون عنه، المبررون له مسلكه، مهما كان فيه من خلل أو زلل".

في مرات لاحقة تغير الوضع إلى أن يقوم الراغبون في التحدث بإرسال أسمائهم إلى المنصة، ويختار الرئيس من بينهم، من يتحدث، بعد ذلك مباشرة، تضاءل الحديث لحساب طرح الأسئلة على الرئيس، فتحول المثقفون إلى مستمعين والرئيس إلى محاضر، ليصبح اللقاء كأنه بيان أو خطاب يلقيه رئيس الجمهورية أمام برلمان يكتسحه "الحزب الوطني" الذي يقوده، فتكون النتيجة تصفيقاً حاداً، وتهليلاً وهتافات، وشعارات وشعراً، ومدحاً وإطراء مستفيضاً.

ويرى د.عمار أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، "بل بات وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف هو من يختار طارحي الأسئلة، فيقدم للرئيس ما يحب أن يجيب عنه، ويمنع عنه ما قد يغضبه أو لا يتوافق مع رؤيته، وانزلق المنحنى إلى أن يقوم الوزير بتحديد من يتكلم، وبعد أن كان اللقاء يبث على الهواء مباشرة، بات التلفزيون يقدم تسجيلاً له، بعد "المونتاج"، وذلك منذ واقعة "الترمس" الشهيرة، أو بمعنى أدق قضية قانون الصحافة رقم 93 لسنة 1995، الذي رد الرئيس وقتها بشأنه على الأستاذ جلال عيسى وكيل نقابة الصحافيين، رحمه الله، بقوله "إحنا مش بنبيع ترمس"، حين طالبه عيسى، في مؤتمر للإعلاميين وقتها حضره أهل الفكر أيضا، بإلغاء هذا القانون المشبوه، الذي سن بليل، لتحويل الصحافة من "صاحبة الجلالة" إلى "الآنسة الرقيقة المهذبة".

على رؤوسهم الطير

تراجع الوضع مرة أخرى؛ فبعد أن كان الرئيس يذهب إلى المثقفين في بيتهم وهو معرض الكتاب، ليمثل حضوره افتتاحاً رسمياً لهذه التظاهرة الثقافية التي ينتظرها أهل الفكر والعلم كل حول، بات المثقفون يذهبون إلى بيت الرئيس، وقبل المعرض بأيام، لينصتوا إليه، وفي المرات الأخيرة، كان صفوت الشريف يحدد أصلاً من يحضر اللقاء الفكري بين الرئيس والمثقفين، وكان الرجل أميناً في اختيار عيّنة، غير عشوائية، لا تعبر أبداً عن مثقفي مصر، فيجلس "الرجال" في القاعة الوثيرة، مشدوهين، وكأن على رؤوسهم الطير، حتى يطل عليهم الرئيس، فيلقي عليهم محاضرة عصماء، عن أحوال البلاد والعباد، وما إن يلملم أوراقه استعداداً للمغادرة، حتى تضج القاعة بتصفيق حاد.

وهكذا تحول اللقاء من فرصة سنوية مهمة ليقف الرئيس على رأي النخبة المثقفة في مجريات الأمور، إلى جلسة يطلع فيها الرئيس هؤلاء على أمور يستفهمون عنها، من قبيل: "هل رد عليكم صدام حين طلبتم منه قبيل الغزو أن ..." أو "هل تعتقدون أن الرئيس بوش يفكر في اجتياح سورية أو إيران...؟"، ثم تتراجع الأسئلة والمطالب إلى رجاء من أحدهم للرئيس أن يأمر ببناء قنطرة تربط بين نجع وقرية عزلاء في أقاصي صعيد مصر المنسي.

ويؤكد د.عمار إلى هبوط المنحنى في هذه السنة إلى ما هو دون كل ذلك، حيث أناب الرئيس مبارك عنه في افتتاح المعرض رئيس الوزراء د.أحمد نظيف، الذي لم يخوله أحد بالجلوس إلى المثقفين، وكل ما فعله هو أن قام "بقص الشريط، ثم تجول في أجنحة العرض الخاصة بدور النشر المصرية والدولية المشاركة في المعرض هذا العام، بالإضافة إلى أجنحة العرض الخاصة بالوزارات والهيئات المختلفة".

أضف إلى ذلك أن هذه الدورة شهدت توسعاً في استبعاد الكتاب والأدباء والمفكرين الذين يعارضون السلطة من المشاركة في الندوات التي تعقد على هامش المعرض، حيث اختفت أسماء مهمة، ارتفعت أصواتها في الآونة الأخيرة اعتراضا على أداء الدبلوماسية المصرية في مشكلة غزة، وقبلها الاعتراض على ترتيب الحكم وانتقال السلطة.

ويخلص د.عمار إلى أن هذا المنحنى الهابط جعل كثيرون من أرباب القلم يتخوفون من أن يعتقد الرئيس أن من كانوا يجلسون أمامه مع افتتاح كل معرض هم كل مثقفي مصر، أو أنهم يعبرون فعلاً عن مثقفي هذا البلد العظيم المعطاء الغني بناسه وتاريخه وعقول أبنائه، أو أنهم، حسب التعريف العلمي للمثقف، لا يزالون مخلصين لهذا المصطلح ومعبرين عنه بكل معانيه ومبانيه، "لكن الخوف الأكبر هو أن يتصور المثقفون أن دورهم ينتهي عند الجلوس مع الرئيس، أو أي مسؤول كبير، والاستماع إليه، وأن هذا هو غاية المراد من رب العباد، فينصرفون من عنده مستريحي الضمير، مع أن كل واحد منهم يصرخ في الغرف المغلقة، ويهمس في أركان قصية على المقاهي المحتشدة بسحب الدخان وروائح المشروبات الساخنة والباردة، باحتجاج على ما يجري، ورفض ظاهر له لا يحتاج إلى لبس أو تورية، فإذا جلسوا إلى الرئيس كانوا ينسون كل هذا، ويكتفون بترويض الوقت، حتى تمر الساعتان، اللتان يستغرقهما اللقاء، لينصرفوا إلى ممارسة الاحتجاجات الداخلية، التي لا تنتج لهم سوى مزيد من أمراض ضغط الدم والسكر، ولا تنتج لمصر سوى مزيد من الحسرات على الفرص الضائعة، ولا تبقي للبسطاء من العوام اللاهثين وراء تحصيل أرزاقهم الضيقة، سوى مزيد من الكفر بمثل هؤلاء المثقفين ودورهم المشبوه".