محمد عجاج: الزّخرفة النّاطقة سمة كلّ الفنون الإسلاميّة

محمد عجاج: الزّخرفة النّاطقة سمة كلّ الفنون الإسلاميّة

البحث عن صياغات تشكيلية جديدة تستلهم جمالياتها من التراث المصري العربي بلا تكرار أو تقليد بدأ عجاج رحلته الفنية منذ عام 1976 حينما أعد رسالة الماجستير في التربية الفنية حول “الكتابات على الخزف في مصر والإفادة منها في التربية الفنية بالتعليم الإعدادي” مما جعله يترك مجال الرسم ويحترف التشكيل في الخزف.

وقال إنه من خلال بحثه في التسلسل التاريخي للكتابات في العصور المختلفة على الآنية الفخارية وتطور الخط العربي من نبطي وكوفي في بداية الأمر، ثم استخدامات تلك الكتابات على الأواني التي تشكلت في العصر الحديث وطرقها المختلفة، استطاع أن يصل الى نتائج أدت الى تطوير مناهج التربية الفنية في المرحلة الإعدادية وتدريب الطلبة عليها.

وقال إنه ليس هناك فن استخدم الخط في زخرفة المباني الدينية والدنيوية بقدر ما استخدمه الفن الإسلامي في جميع تحفه، إذ زينوا المباني بعبارات مختلفة تناسب المقام، وأطلقوا على هذه الزخارف الكتابية اسم “جفتكاري” أي الزخرفة الناطقة، ومن العبارات التي كانت محببة الى نفوس العثمانيين “ما شاء الله” التي شاعت بينهم يرددونها في مناسبات شتى، وبهذه العبارة خمسة أحرف قائمة “ 3 أ و2 ل “ وهذا الرقم يرمز الى معانٍ كثيرة منها الكف ذات الأصابع الخمسة التي تستعمل ضد الحسد.

وأكد أن مجيء أحمد بن طولون الى مصر كان من أسباب ازدهار فن الخزف، كما ازدهرت فنون العمارة والفنون الفرعية، وكان العصر الفاطمي عصر ازدهار عظيم للمنتجات الفنية بجميع أنواعها وكانت صناعة الخزف والفخار من أعظم الصناعات ازدهاراً، وكان لروح الحضارة الفاطمية المتحررة أثر كبير في إقبال الفنانين على تحسين وسائلهم في الإنتاج والإقبال على استعمال عناصر زخرفية جديدة، وكان الخزف ذو البريق المعدني فخر صناعة الخزف في مصر، وكانت الأواني الفخارية الفاطمية تدهن بطلاء أبيض أو أبيض مائل الى الزرقة أوالاخضرار، وفوق هذا الدهان توجد الرسوم ذات البريق المعدني التي كانت في الأغلب ذهبية اللون، وكانت أغلب العناصر الزخرفية المستعملة من الحيوانات والطيور والنباتات والكتابات الكوفية.

العصر الفاطمي

وأشار الى أن العصر الفاطمي شهد قيام مدارس فنية في الخزف تتميز كل مدرسة منها بخصائص معينة وكان من أبرز العاملين في هذا الفن الخزافان مسلم وسعد، وكانت لكل منهما مدرسة فنية سارت في الطريق الذي انتهجه.

وأكد أن رحلته في بعثة لدراسة التقنيات المختلفة للخزف إلى الولايات المتحدة أدت الى إضافة الكثير من الخبرة التقنية لديه، وتطور أسلوبه الفني آنذاك بعد أن نال درجة “B” في مادة الخزف، وعلل مشرف المادة ذلك بأن ما يكتبه على الآنية الخزفية من حروف عربية أو غيرها موجود في التاريخ ويمكن مشاهدته في العروض المتحفية، وما يريده منه هو إنتاج أعمال فنية توضح إبداعه الخاص بلا إعادة للتراث.

وأكد الفنان محمد عجاج اهتمام الأميركيين بأعماله الخزفية التي تقوم على أساس مستمد من التراث الإسلامي كنوع من التطوير وليس الاستدعاء المباشر، حتى تلك الآنية التي كانت تأتي بعض جمالياتها مصادفة حينما تزداد درجة حرارة الفرن أثناء عملية الحرق، وتُسيل تلك الكتابات بطريقة شبه عشوائية. وفي تجربة عملية لاستكشاف اهتمام الطلاب بالحضارات الشرقية أقام عجاج معرضاً لأعماله في مدرسة ثانوية تبعد عن الجامعة بنحو 20 كم، وتضمنت الأعمال كافة الخصائص الفنية للكتابات في العصور التاريخية المختلفة في مصر، ولاحظ أن 50 في المئة من الطلاب يهتمون بالحضارة المصرية القديمة، وحوالي 25 في المئة منهم يهتمون بالحضارة الإسلامية، أما الفن الحديث فلم تزد نسبة المهتمين به منهم على 3 في المئة.

التقنيات الفنية

وأوضح أن استخداماته وأبحاثه في التقنيات الفنية للخزف عبر العصور المختلفة أعطته قدرة في التنفيذ ودقة في الأداء، خاصة أنه لا يعتمد على الرسوم التحضيرية لأعماله الخزفية طوال 45 عاماً، حيث يرى أن الفكرة تنتهي بانتهاء الرسم ولا يجب تنفيذها آنذاك كقطعة خزفية، وأنه يمارس فنه على الطين مباشرة ثم يسأل القطعة الفخارية عما تريد من الألوان أو الكتابات لتظهر تأثيرا معينا.

وأكد وجود فجوة تاريخية بين ما أنتجه الفنان خلال العصور الإسلامية المتعاقبة وما يتم إنتاجه الآن، وأن الأمر يتطلب مثابرة من الفنان المعاصر ودراسة التقنيات المختلفة السابقة والاستفادة من التقنيات الحديثة، ووقتها سوف ينطلق الفنان المعاصر كما انطلق الفنان المسلم، وأعطى قوة جمالية للخزف الإسلامي لم يفقدها رغم استخدامه في الحياة اليومية ورغم مرور الزمن، واستطاع أن ينال التقدير في أنحاء العالم، بالرغم من أن إنتاج الخزف الإسلامي، خاصة في العصر الفاطمي كان يحمل الكثير من الصفات والأشكال المختلفة التي أتت من خلال الفنانين الوافدين من العراق وإيران وسوريا الى منطقة مصر القديمة، وكان العمل يمر بمراحل مختلفة في إطار مشروع جماعي من المعلم أو صانع قطعة الفخار والخطاط والمزخرف وصانع الفرن ورغم ذلك لا تجد قطعة تشابه الأخرى، وأكثر الخطوط على القطع الخزفية في العصر الإسلامي هو الخط الكوفي لبساطته وسهولته التي تجعل الخزاف يخدم المساحة ككل ويحدث تنوعاً في محيط الإناء الواحد.

أهمية التكنولوجيا

 

من أشكال التطوير التي أضافها عجاج على أعماله تلك التي يمزج فيها بين الكتابات العربية والمصرية القديمة وبعض الأشكال الأخرى مثل الأشخاص أو الحيوانات أوالطيور فيما يشبه الحكي القصصي في تشكيل خزفي يتناسب مع الشكل الجديد. وأوضح أهمية التكنولوجيا في تطوير إنتاج القطع الفنية الخزفية، ومنها بناء الأفران التي تتناسب مع الأعمال الفنية والتي تصل الى المترين ارتفاعاً وتتجاوز ذلك، وتستخدم الغاز الطبيعي في إشعالها، وضبط درجات الحرارة عن طريق التحكم الإلكتروني بنظام البرمجة، وتلك الأفران تعمل على درجات الحرارة العالية التي تتجاوز 1400 درجة مئوية