في الذكرى الثانية لرحيل حسين البرغوثي/ زياد خداش

في الذكرى الثانية لرحيل حسين البرغوثي/ زياد خداش

كائن غريب رقصت الريح على كتفه


 كمسافر تغيب وكنائم تنهض

1


قارعة الوهم


زياد خداش


رام الله


صديقي حسين :


كيف ابدأ احتفالي ؟ الليلة سارقص معك ، ياامير الكلمات الراقصة ، فغدا تمر عشبتان على سفرك –نومك ، عشبتان رطبتان تمران على الطريق المعبد بجانب قبرك ، يا الله ! ما اجمل موقع قبرك ! بجانب طريق القرية المعبد ، ما عليك سوى ان تنهض ، وترفع قدمك ، لتكون بعد برهة في المقعد الاول من سيارة الاجرة قادما الى - كان باتا - ، وحين تعود لن تتعب للوصول الى البيت ، ما عليك سوى ان تهبط بقدمك هبطة قصيرة ، تجد نفسك بعدها في فراشك ، عشبتان غنوجتان غامضتان ، عفويتان ، طفلتان ، يا حسين ،


انسلتا بهدوء من شقوق نص ، كان يجب ان تكتبه لولا------- ، ستقفان منتصف هذه الليلة على الطريق الساكت ، امام قبرك ، تغنيان لك همسا او موتا ، ظلا او نورا ، عقلا ا وجنونا ،


ستوقظاك من نومك ، تبلغاك ، اننا سنأتي اليك في صباح الغد ، فانهض يا حسين، اغسل عينيك ، انفض عن كتفك كسل التراب ، تعطر ، وانتظرنا على قارعة الوهم ،


 




2


يوم للكلام و للفرح


حسين : لن نحزن غدا ولن نطرق ، سنملأ قبرك شغبا واصوات ، لماذا نحزن ؟ لماذا نطرق ؟ و قد تركت لنا ما نؤثث به كهوف روحنا من نوافذ للتلال والطيور والريح ، لماذا لا نفرح ، وقد زرعت في ثيابنا اجهزة تنصت على نصوصنا وهواجسنا ، واحزاننا الصغيرة ، قال كفاح : سأقرا لحسين قصائد من شعري الجديد ، قال صالح : سأسأل حسين عن مفهوم الصوفية الجسدية، قال مهيب : سأرقص لحسين رقصة زوربا ، حتى يموت من الضحك ، قلت انا : سأقرا لحسين رسالتي لليهودية المتطرفة امونة الون جارتي في مستوطنة بيت ايل ، قال اخرون : سنشرب الشاي مع حسين ونتكلم عن الله والموسيقى ، وقال معتز ابو صالح على الهاتف من الجولان : هاتفوني حين تصلوا كوبر ، اريد ان اسمع صوت حسين ،


وقالت العشبتان : سنوقظ حسين الان : حسييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين، الم تشبع سفرا ؟؟؟؟؟!!


 






3


ضوؤك – كلماتك- صوتك


اتذكر يا حسين حين احتفلنا بعيد ميلادك قبل عدة سنوات ، كنا في بيتك ، في بيرزيت عبد الرحيم وصالح ، ويعقوب ، ومالك ، مهيب ، وبترا وعبد الكريم وخالد ، ووليد ، واخرون ، جلسنا في الشرفة ، نقرأ الشعر ونضحك ونهمس ونجهش بالنميمة ، ونأكل ونصمت ، وننسى ان يوما سيأتي ، تموت فيه موتا حقيقيا ، موتا يمنعك من المشي في الشارع باتجاه مكان لا تعرفه ، موتا يمنعنا من ان نتكيء على جدار مبنى ما ، ندخن معك او نفكر ، موتا قاسيا يمنعنا من ان نسمع ضحكتك المبحوحة القصيرة ، الوسيمة ،


الفرح كان بالنسبة لنا ان نشرب ونأكل ونضحك ، الفرح كان بالنسبة اليك هو ان تفكر وتتحدث وتستمع ، وتكتشف ، اتدري يا حسين ، ما هو اسوأ معنى للموت ، : هو انه يوقف صوت الانسان،


اه لو اسمع صوتك فقط ، ففط صوتك ، صوتك، وانت تحكي عن نيتشة او فيروز او محمود درويش، صوتك وانت تضحك ، او تسعل أو تغضب تلك الغضبات الطفولية الصغيرة ، هل رايتم فراشة تغضب؟؟


غضب يشبه الرضى ، يشبه الحب ، يشبه الغناء ، هذا هو غضب حسين البرغوثي ،


كتب مرة عنه عبد الحكيم ابو جاموس اثناء مرضه مقالا فيه ايحاء برثاء مبكر لحسين،


كنا في حديقة المشفى بترا و مهيب وانا ، غضب حسين :


لماذا يرثيني وانا ما زلت حيا ؟ صاح حسين، وصياحه منخفض وخجول ، ومحب ،


كان صوته صغيرا ودافئا وبريئا ، وكنا مرتبكين ،


 







4


جسدك الخائن- روحك المتفاجئة


الم تكن تعرف؟ الم تكن تدرك ان هناك ستارة حمراء مراوغة و شفافة اسمها الجسد ، ستارة خفيفة من لحم وزجاج ، وخيانات وخذلانات ، ونهايات ، جسد لا يفهم معنى الوفاء للروح المستغرقة في توغلها في الشمس وعناقها للضباب وذوبانها بالمطلق ، جسد لا يعترف بشهوة المعرفة عند الروح ، لا يقدر حب الروح لله والاسئلة ، لا يعرف ان للروح متطلباتها ، واوقاتها ، وخيالاتها ، وحساباتها ، جسد احمق ، لا يرى ابعد من رغيف , او دخان سيجارة ، اه لو انك عرفت ، لساومته قليلا يا حسين ، فهو طماع و خؤؤن بطبعه وغادر ، وقاس ، يغلق الملف ويمضي الى التراب ، تاركا الروح تتخبط في وحشتها المتوحشة ،


لم تفكر يوما ان جسدك ، هذا الجميل سيخذلك ويتركك وحدك في البرد ، لم يكن لديك وقت لتفكر فيه


كنت مصعوقا بما بعد الجسد ، بما وراءه ، من متاهات وابواب ، تماما كما لم يكن لحسن الحوراني الوقت ليفكر في طبيعة جسده ، كان حسن مشغولا بما خلف الستارة من اطياف ورؤى ، فاصطدم فجأة بصرخة جسده او صخرته ، غضبه ، وعقابه ، الجسد لا يحب الذين يتجاهلون سره ، هو يقتل التائهين والمشغولين ، يقتل نفسه ، ويقتلهم ،


هو ستارة خفيفة، بلا قلب ، تغادر بسرعة ، وتكشف عن فظاعة المشهد ، تغادر وقتما تشاء ، وكيفما تشاء،


يا للجسد !!! يا لخفته التافهة و المرعبة !!!!!!


 






5


عاصفة العطور - انتصار الغبار


لن انسى هذا المشهد ، جالس بالقرب من سريرك في المشفى ، وحدنا ، هل تذكر يا حسين ؟؟ تحدق انت في الظل المتحرك لكوب شاي وانا احدق في حذائي المثقوب ، تطل منه اصابع قدمي المتورمة ، كنت قادما لتوي من مخيم الجلزون حيث اسكن ، قاطعا طريقا وعرا مغبرا هاربا من رصاص المحتلين وحواجزهم ، فجأة دخلا ، طبيبك الوسيم الشاب القادم من الجليل وزوجته الهائلة الجمال ، منطق اللحظة نفسها اجبرني دون ان ادري على ان اتراجع للوراء مفسحا المجال للعطور والوسامة والنظافة والترتيب ان تتقدم كلها نحو حسين ، لم يرياني ، انكمشت في الزاوية ،مخبئا اصابع قدمي و وغبار رأسى ، ادار الداخلان الانيقان ظهرهما لي ، وراحا يسلمان على حسين بحرارة وحب ، انا لم اغضب منهما ابدا ، فهذه هي الحياة :، ان يتقدم الجميل والنظيف ويتراجع الممزق الملابس والمغبر ، لكن حسين لم يقبل بهذه المعادلة ، فراح يطل على غباري من وراء ظهريهما ، ويبتسم ويقول : اهلا ابو الزوز ، اهلا ابو الزوز ، مما اضطر عاصفة الاناقة ان تنظر خلفها وتراني ، وحيدا في الزاوية ،


كيف انسى هذا المشهد ،؟ رجل ينحاز بصدق الى اوجاع اصدقائه ، رجل حساس لحساسية الاخرين


رجل يتضامن مع مخيمي وعريي واصابع قدمي ، رجل يحب المغبرين والهاربين من لهب الطرق ،


رجل يحب العالم ، يرى ابعد من مسافة عطر جنوني التأثير ، والوقع.



كيف انسى صوتك يا حسين ؟ كيف؟ كيف ؟