قراءة في خرائط الفكر والحركة للمحافظين الجدد

قراءة في خرائط الفكر والحركة للمحافظين الجدد

هذا الكتاب محاولة جادة للقراءة والفهم. لقراءة فكر المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، ولفهم حركتهم وكشف إرتباطها بالسياسات الاستعمارية الجديدة لأميركا. والأيديولوجية المحافظة كما يقول الكتاب هي في الاصل منظومة من الافكار نشأت في كتابات المفكر البريطاني «أدموند بيرك» في نهاية القرن الثامن عشر وانتشرت مع مطلع القرن التاسع عشر،


وهي الافكار التي نمت كرد فعل للتغيير الواسع الذي أحدثته الثورة الفرنسية في أوروبا تلك الثورة التي أثمرت العديد من التحولات بل الهزات الاجتماعية والسياسية الكبرى وتستخدم «المحافظة» للإشارة لمجموعة من الأفكار أبرزها التركيز على التضامن الاجتماعي،


ورفض تدخل الدولة في الاقتصاد واتهام الليبرالية والفردية بهدم البنية الاجتماعية التضامنية والسياسية المتماسكة للأمة، وتركز المحافظة على دور الأسرة ودور الدين اجتماعيا، وتنبري للدفاع عن التقاليد والنظام، وتؤكد أهمية التاريخ والخبرة التاريخية في تحديد معالم التغيير وإتجاهه، وتذهب لإحترام الملكية الخاصة، والدفاع عن قيمة الحرية - التي تأتي لدى أنصارها قبل قيمة المساواة - وتجنح لتقليص هيمنة الدولة.


وما لبثت أن انقسمت أفكار المحافظة إلى العديد من المذاهب والمدارس التي تبنت هذا الفكر بدرجات مختلفة، ووجدت لها صدى في دول عديدة.ويقول الكتاب: كان لمناخ الحرب الباردة والرغبة في تكريس القيم الأميركية في مواجهة المد الشيوعي. من أسباب ظهور الافكار والمحافظة على سطح الحياة الفكرية والسياسية الأميركية. وما يهمنا في تحليل الفكر المحافظ هو التصورات العامة المميزة له وآثارها السياسية.


فالمحافظون حين يرفضون تدخل الدولة يتبنون رؤية تثق في الطبيعة الإنسانية وعضويتها ومنطقها، لكنها أيضا تقترب من الرؤية النفعية بل والداروينية من أن تطور المجتمعات يتم بشكل تلقائي لا يجب التدخل فيه بالتعديل والتغيير، وهم حين يرفضون النزعة العالمية والإنسانية العامة لليبرالية، فإنهم يكرسون فكرة الاختلاف، لكنه ليس اختلاف التنوع الخلاق بل الاختلاف الذي يكرس التمييز بين الأنا والآخر.


ويمكن التمييز بين أساطين الفكر المحافظ الكلاسيكيين، فعلى مستوى الفكر المحافظ تبرز أسماء مثل «ليو شتراوس» في مجال الفلسفة و«ملتون فريدمان و«فريدريك حايك» في مجال الاقتصاد والاجتماع . أما على مستوى رموز كتاب المحافظين فنجد على سبيل المثال «إرفينج كريستول» صاحب الكتابات العديدة في فلسفة «المحافظون الجدد».


ورغم أن أنصار المحافظة في الاصل يحترمون التقاليد الدينية كمصدر أخلاقي ودور الدين كمؤسسة لها دور إجتماعي، ويؤكدون على أهمية الاسرة إلا أنهم لا يقترنون بالضرورة باليمين الديني. لذا من المهم هنا إذا التأكيد على أن المحافظة والفكر الجمهوري واليمين الديني ليست مفاهيم مترادفة حتى ولو تقاطعت بعض أفكارها هنا أو هناك.


وتقول المؤلفة وهي باحثة في العلوم السياسية أن اللحظة الأميركية الراهنة تكشف لنا ما يميز المشهد الأميركي الآن وهو ما يمكن أن نطلق عليه «مثلت الرعب» وهو إجتماع الجمهوريين مع الفكر المحافظ مع أنصار اليمين الديني المتطرف بشكل غير مسبوق تاريخيا، وهو ما أفرز محافظين جددا «أفكارهم لا تقاس على الفكر المحافظ كما يتم تدريسه نظريا في كتب الفكر والنظرية السياسية، إذ أن هؤلاء يركزون على التاريخ والثقافة الأميركية كفكرة إقصائية.


فلا عجب أن تكرس سياساتهم للتميز المدني والأمني. والطريف أنه رغم إنتماء الفكر المحافظ في نشأته للأرضية المسيحية من الناحية الأخلاقية فإن أبرز رموز هذا الفكر الآن في أميركا من اليهود!


تقول المؤلفة أن جذور حركة المحافظين الجدد تعود إلى تقليد إتبعه الرئيس الأميركي السابق «جون كيندي» أثناء سنوات حكمه، حين قام بتعيين مجموعة من الاساتذة الجامعيين المنتمية ليسار الوسط - من جامعة هارفارد- في مناصب الإدارة العليا وإستعان بهم في رسم السياسات وقد تم اختيارهم وفق نظرية «الأفضل والاكثر ذكاء» غير أن نجمهم لم يبزغ إلا بعد مرور ثلاثة عقود تقريبا حينما تولى الرئيس الأميركي الاسبق «رونالدريغان» الحكم، ووجدوا فيه السياسي الذي يمكن أن يحتضنهم.


كان ريغان يتحدث بلغتهم عن «شرور الشيوعية» و«إمبراطورية الشر»، ولذا لم يكن من المستغرب أن يبدأوا في ملء المناصب الشاغرة، ومن ثم حيازة نفوذ كبير في الإدارة الريغانية.


وتصل المؤلفة بذلك الى ان الرئيس بوش الابن إذن لا يكون مبتدعا لأي تقليد جديد حين إستعان بأفكار هؤلاء في صياغة رؤيته للعالم .وتشير الى مقال بعنوان: «مقدمة لسياسة المحافظين الجدد، يستعرض» جاري نورث بإسهاب تاريخ حركة المحافظين الجدد منذ الثلاثينات،


ويعتبر أنه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي تم تأسيس عدد من مراكز الفكر داخل الحزام


الجغرافي لواشنطن، وكان على رأسها هيرتدج فاونديشن، ومنظمة الكونغرس الحر، ومعهد كاطو، ومعهد المشروع الأميركي. وقد بدأت هذه المراكز في تركيز نشاطها لمحاولة ممارسة نفوذ ما على الحكومة الفيدرالية.


ويصف نورث الحركة بأنها صغيرة الحجم وتضم أناسا على درجة عالية من التعليم، وقد ركزت الحركة نشاطها في البداية على المسائل الاقتصادية. واليوم يقول نورث: «إن النقلة النوعية التي حدثت من المسائل الاقتصادية إلى مسائل السياسية الخارجية والشئون العسكرية، تعد بمثابة تغيير هائل في إهتمامات الحركة.


فالحركة التي بدأت منذ جيل ماض كحركة إحتجاج أكاديمية ضد التجارب البيروقراطية الفاشلة التي مارستها الحكومة الفيدرالية، تحولت فجأة إلى الاهتمام بنشر الديمقراطية، عبر الآلة العسكرية الأميركية، وبالذات في منطقة الشرق الاوسط ، وهذه السياسات تتم بزعم تقليل مخاطر الإرهاب.


وعن أهم خصائص فكر أعضاء حركة المحافظين الجدد، تستشهد المؤلفة بخطاب لعضو الكونغرس «رون بول في 10 يوليو 2003 ومنه تنتهي على انهم:


1 ـ يتفقون مع «تروتسكي» على أن الثورة دائمة، وقد تستخدم فيها القوة أو الوسائل الفكرية.


2 ـ يطالبون بإعادة خريطة الشرق الاوسط، وهم على إستعداد لإستخدام القوة لتحقيق ذلك.


3 ـ يؤمنون بالحرب الوقائية لتحقيق النتائج المطلوبة.


4 ـ لا يخفون ولا يخجلون من مبدأ الإمبراطورية الأميركية ويسعون من أجله.


5 ـ يؤمنون بأن الكذب ضروري لكي تحيا الدولة.


6 ـ يرون أن الحقائق المهمة حول كيفية إدارة المجتمع لابد أن تظل بيد النخبة الحاكمة، ولابد من اخفائها عن أولئك الذين ليس لديهم الشجاعة للتعامل معها.


7 ـ يعتقدون بأن الحيادية في شئون السياسة الخارجية أمر لا يوصى به.


8 ـ يؤمنون بأن الإمبريالية إذا كانت تقدمية بطبيعتها فهي أمر جيد.


9 ـ إستخدام القوة الأميركية لفرض المثل والقيم الأميركية هو أمر مقبول ، وأن القوة لا يجب أن تكون قاصرة على الدفاع عن أمن البلاد فقط.


يساندون إسرائيل بشكل غير مشروط ولديهم تحالف وثيق بالليكود.


يتناول الفصل الثاني«الاستراتيجية الأمنية الجديدة لتأمين الكيان». وتوضح المؤلفة فيه أنه تشكل فريق عمل لاعداد إستراتيجية جديدة في عام 2000، وانتهى الى تقرير كانت نتاج حلقات نقاشية شارك فيها عدد من المفكرين البارزين مثل «ريتشارد بيريل و«جيمس كولبرت» و«تشارلز فيرنانكس جونيور»، و«دوغلاس فايت» و«روبرت لونيسبرج»، و«ديفيد وميراف ويرمرز» وهي أسماء تمثل النواه الأولى لمجموعة المحافظين الجدد.


وفيما يتعلق بإسرائيل قال التقرير أنها لن يكون بإمكانها فقط إحتواء خصومها وإنما تجاوزهم أيضا. بعد ذلك تنتقل الباحثة إلى الفصل الرابع «حدود الدور البريطاني في تشكيل فكر المحافظين» وفي هذا الفصل يتم تقديم للدبلوماسي البريطاني والمفكر «روبرت كوبر»


وهو أحد المقربين من رئيس الوزراء توني بلير وقد مارس نفوذا فكريا في المساعدة في التأهيل لرؤية جديدة لإعادة صياغة العلاقات الدولية بما يتيح لظهور فكر جديد يسمح بفكرة التدخل بغرض إنساني، وهو أمر من شأنه أن يضع قيودا أو حدودا لمفهوم سيادة الدولة.


وتختم الباحثة بالفصل الخامس «خطابات إلى الرئيس» حيث تنشر خطابا إلى الرئيس بوش من أعضاء معهد المشروع الأميركي، حيث يباركون خطواته ضد الإرهاب وحزب الله وإزالة صدام حسين وتدعيم موقفه الداعم لإسرائيل حليف الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب، وكذلك دعمهم لمطالبة بزيادة النفقات الدفاعية.


والموقعون على تلك الرسالة هم: ويليام كريستول - جاري باور - جيفري بيل - ويليام بينيت - اليون كوهين - ميدج ديكنز - توماس دوناللي - فرانسيس فوكوياما - آرون فريدبرج - هيليل فرادكين - جين كيركباتريك - مارشال ويتمان .. الخ