ندوة جمعيّة الثّقافة العربيّة: "أنيس الصّايغ: الفكر والعروبة "

ندوة جمعيّة الثّقافة العربيّة: "أنيس الصّايغ: الفكر والعروبة "

"كم كانَ مؤلمًا في نهاية العام، يومَ ميلاد المسيح في 25\12\2010، أن يوارى أنيس الصّايغ التّراب بعيدًا عن مسقط رأسه، طبريا... وقد ترجّل الفارسُ وحلمُ التّحرير ما زالَ فيه يخفق.
ليسَ شكلُ الموتِ اعتياديّا عند الفلسطينيين، يموتونَ وقلوبهم حزينةٌ باكية، فإمّا غرباءُ وإمّا شهداءُ وإمّا فاقدونَ لأعزّاء وبيوت وأرض ووطن، وإمّا مشرّدونَ مهجّرونَ وإمّا... وإمّا... "

بتلك الكلمات افتتحت الدّكتورة روضة عطالله، مديرة جمعيّة الثّقافة العربيّة، النّدوة التّكريميّة للمفكّر والمؤرّخ العروبيّ الرّاحل أنيس الصّايغ، والّتي وسمت بـ: " أنيس الصّايغ: الفكر والعروبة ".
وقامت الدّكتورة روضة عطالله، ، بالتّعريف بأنيس الصّايغ فكرًا وعملاً سياسيّا عروبيّا، ذاكرةً أهمّ مؤّلفاته وجهوده البحثيّة والاكاديميّة، وأهمّ ملامح شخصيّته وأطوار حياته، مستعينةً بآراء واقتباساتٍ عن أنيس الصّايغ ومنه لشفيق الحوت ودكتور عزمي بشارة وغيرهما.
تقول د. عطالله: " سيرةُ أنيس الصّايغ سيرةُ ومسيرةُ شعب، وهي توثيقٌ صادرٌ عن شخصٍ نظيف، متواضع، علميّ ودقيق ممّا يؤكّدُ لنا صدق سيرةِ هذا الشّعب، واعتبر أنيس تجربته الشخصيّة حقًّا من حقوق الامّة وتراثها الثقافي والسياسيّ والقضائي، وليست ملكًا لفرد. إذن، التّكريم الحقيقيُّ لهذا المناضل هو الإضاءةُ على جوانب من حياته، ومثابرته، ونهجهِ، وإنتاجهِ وشخصيّتهِ، صاحب المبادئ والجرأة دونَ هوادةٍ عندما يتعلّق الموضوع بفلسطين، المدافع عن الثّوابت الفلسطينية.

كان أوّل المتحدّثين في النّدوة الباحث أنطوان شلحت، وقد تناولت مداخلته " أنيس الصايغ مثقفًا"، متطرّقًا إلى أهمّ العناصر التي اشتملت عليها ممارسة الصّايغ لدوره مثقّفًا، وإلى كيفية تبدي مقاربته العامة للمثقف ودوره، منوهًا إلى أن الصايغ انتمى إلى جيل المثقفين القوميين العرب الذين هجسوا، أكثر من أيّ شيء آخر، بمشروع العمل الوطنيّ والقوميّ، فانهمكوا حتّى النّخاع في صوغ أسس هذا المشروع ورؤاه؛ وقد حرص أبناء هذا الجيل على تحقيق مطلبين هما، كما جاء لدى د. عبد الله عبد الدّائم، وهو المنتمي إلى ذلك الجيل: أوّلاً - التزود بالثقافة التي تتعانق فيها وتتكامل الدّراية الواسعة العميقة بالتّراث الثقافيّ والحضاريّ العربيّ الاسلاميّ، مع التهام شتّى عطاءات العلوم والآداب والفنون الغربية القديمة والحديثة، وثانيًا - الغوص في هموم مجتمعهم وأمّتهم العربيّة والبحث عن أسباب تخلّفها، والعمل بالفكر والنّضال من أجل تجاوز ذلك التخلف ومن أجل توليد كيان عربيّ موحّد، حديث ومتكامل، يرفد بعطائه الامّة العربيّة وسائر شعوب العالم.
ولقد أصاب د. عزمي بشارة كبد الحقيقة حين أكّد افتقادنا هذا الجيل حاليًا، "لأنه جيلٌ جمع ما بين القوميّة العربيّة والوطنيّة الفلسطينيّة من دون أن يتنازل عن أيّ منهما، ولم يعش توترًا بين الانتمائين، بل على العكس، عاش تكاملاً بين الانتمائين، وفي الوقت نفسه لم يكن وليد صدمة الحداثة أو الصّراع بين الحداثة والأصالة، إنّما رأى أيضًا تكاملاً بينهما".

وأضاف المحاضر أن أهميّة الصّايغ تنبع من مؤلّفاته القيّمة، وأيضًا، وربّما أساسًا، من عمله الدّؤوب في إنجاز بحثٍ ممأسسٍ يعتمد الشّروط العلميّة الصّارمة للدّراسة والبحث، حتّى وهو يتصدّى لدراسة العدوّ، ولذلك تجنّب الوقوع في شراك الموروث الشعبيّ أو الأساطير المختلقة في هذا الشّأن.

وتوقّف شلحت عند كتاب "المثقف العربي: همومه وعطاؤه"، الّذي أشرف الصّايغ على تحريره، وصدر في سنة 1995، وخاصّة مقاربته لتأثير المجتمع على المثقّف، والّذي رأى أنّه (التأثير ) لا يتأتّى بالضّرورة من خلال تحديد اتجاهات المثقف التي يتعين عليه التزامها، إذ قد يمارس المجتمع على المثقّف دورًا سلبيًّا بممارسة رقابة سلبية عليه، والتي قد تكون أحيانًا أقسى من رقابة السياسة والسّياسيين، مؤكدًا أنّ هناك عدّة رقابات على المثقّف، ليست أقساها الرقابة السياسية، بل الاجتماعية والذاتية.

وتناول شلحت آراء الصّايغ إزاء أسباب الردّة السائدة في العالم العربي في الوقت الحالي، والتي أكّد أنّ أحدها كامن في واقع أنّ أساسنا الوطنيّ القومي الوحدويّ العلمانيّ التقدميّ كان أساسًا عاطفيّا، ولم يكن مبنيًّا على استعمالٍ كاملٍ للعقل والادراك.

ولدى تناوله موضوع العلاقة بين المثقفين والسلطة في العالم العربي، أشار الصّايغ إلى أنّ النظام العربيّ هو نظامٌ واحدٌ، بما فيه النّظام الفلسطينيّ، وهو نظامٌ قائمٌ على حكمٍ يريد أن يبقى في السلطة ويعمل كثيرًا حتى يصل إليها عن طريق الجيش أو الحزب أو أيّ طرق أخرى قلّما تكون ديمقراطية، نظامٌ يريد أن يتمسّك بالحكم وينفذ سياساته وأفكاره، وهي عادة تعكس مصلحته بالبقاء في السّلطة، وفي هذه التركيبة فإنّ الحاكم يبحث عن أعوان ليرددوا ما يقوله، ويبحث عن عددٍ محدودٍ من المثقفين ورجال الفكر الّذين يمكن أن يخدموه، ويجمّلوا صورته، وبالتالي تسويقه في أوساط الجماهير.

وأشار شلحت أخيرًا إلى أنّ الصّايغ ترك وصيّةً سياسيّةً، يمكن استشفافها من آخر حوار أجراه معه النّاقد الاردنيّ نزيه أبو نضال، قبل رحيله ببضعة أشهر، وقد جاء فيها:

- إنّ من لا يزال يراهن على الحوار (المفاوضات) إنّما يراهن على الوهم، ومثل هؤلاء من يراهن على الزمن وعلى ما يسمونه القنبلة الديموغرافية، إذ أن الأرقام لا تقاتل، فالهند الهائلة بمئات الملايين فيها احتلها ثلاثون ألف جندي بريطاني، وها نحن تجاوزنا المئتي مليون عربي، وبليون ونصف البليون مسلم، وانظروا إلى إسرائيل وفلسطين والقدس!
- المقاومة هي الحل، رغم صعوبة المعركة ورغم التضحيات، وهذا يعني أن علينا أن لا نقيم بعد كل معركة حفلة لطم على الشهداء والضحايا. ومَن اختار نهج المقاومة دفاعا عن الأرض والشرف والكرامة عليه أن يكون مستعداً لدفع التضحيات، فهذا هو الدرس الأول في التاريخ.
- إنّ الصراع مع إسرائيل يجب أن يعود إلى المربع الأخلاقي، وأن لا يبقى حبيس النزاع السياسي فقط، لأن من شأن ذلك أن يختزله إلى نزاع على الحدود.

وعالج الدّكتور جوني منصور في مداخلته " الجوانب التّاريخيّة في كتاب أنيس الصّايغ عن أنيس الصّايغ "، مشيرًا إلى عدد من النّقاط، أهمّها:
- يعدّ هذا الكتاب سيرةً ذاتيةً ومذكّرات، وعصارة خبرة حياة وتجربة عملية لأحد البارزين في المشهد السياسي ـ الثقافي ـ الفكري الفلسطيني في العقود الخمسة الأخيرة.
صدر الكتاب في عام 2006 في 534 صفحة في تسعة أبواب كأنها ترسم مسيرة حياته الزمنية متزامنة مع مسيرة القضية الفلسطينية والحراك الفلسطيني ـ العربي والدولي.
ومع أنّ الكتاب يُصنّف من حيث نوعه في باب " السيرة الذاتية "، إلا أنه أقرب إلى المسرد التاريخي الزمني لأبرز الأحداث التي عاشها أنيس الصّايغ، أو شارك في صنعها بنفسه أو بالمشاركة مع آخرين.
ومن هنا نلحظ بوضوح أنّ الكتاب يتّسم بشمولية تمكّن بواسطتها أنيس الصّايغ أن ينقلَ للقارئ صورًا كثيرة جدًا عن أنماط الحياة الاجتماعية في بلد المنبت طبريا، وفي عددٍ من قرى ومدن فلسطين كالبصّة، وعكّا، وحيفا، والنّاصرة، والقدس، ثمّ في عدد كبير من مدن العالم العربيّ كبيروت، صيدا، دمشق، بغداد، القاهرة، مدن الخليج والمغرب العربيّ، ومدن أوروبا، ناقلاً مشاهد مثيرة للغاية عن حياة زعماء سياسيين ومفكرين ومثقّفين، موجّهًا انتقادات لاذعة وصحيحة لعدد من هؤلاء الزّعماء والشّخصيات، ومديحًا معتدلاً وموضوعيًا لعدد آخر منهم لتحقّقه من صدق نواياهم ومسيرتهم الشخصية والسياسية والقياديّة، فقد ذكر الصّايغ مئات الأسماء لشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية وثقافية لعبت دورًا في تشكيل حياته وفكره السياسي والنضالي، وهو في توجهه واضح وشفاف لا يميل إلى تشويه علاقاته مع من عرفهم، وإن كانوا قد أساؤوا إليه، ولكن الملفت للانتباه أنه من خلال إتيانه على ذكر الكم الهائل من الأسماء يبين سعة اطلاعه أوّلاً، ثم سعيه إلى كشف توجهات ورؤى من التقى بهم تجاه القضية الفلسطينية، وقدرته الشخصية على بناء شبكة علاقات مع من هم على استعداد للتعاون معه في سبيل تطوير قدرات البحث والدراسات الفلسطينية.
ويمكن القول إنّ سيرة الصّايغ الذاتية هي مسيرة القضية الفلسطينية، وخصوصًا منذ عام النّكبة 1948، العام الّذي أحدث فيه انقلابًا كبيرًا ووجّهه نحو العمل من أجل القضيّة.
- يُخصّص الصايغ فصلاً كاملاً للحديث عن طبريا وحياة العائلة فيها على مدى عقود طويلة بإسهاب كبير، مشيرًا إلى انسجامه مع طبيعة هذه الحياة وحبّه لمسقط رأسه، مقدّمًا وصفًا مطولا للمجتمع الطّبرانيّ، يقول: " في طبريّا، وعلى الطريق إلى طبريّا، ومن أجل طبريّا، يطيب الموت، لأنّ المرء يموت واقفًا، وكأنّه لا يموت، هناك يتساوى الموت مع الحياة حلاوةً، ودون ذلك تتساوى الحياة مع الموت مرارةً ".
ويبيّن الصّايغ خلال الحديث عن عائلته كيف أنّ الأحداث التّاريخية الّتي عصفت بالقضيّة الفلسطينيّة قبل العام 1948 كانت في صلب حياة تلك العائلة في كلّ من طبريا والبصّة، فقد نشأ في بيت غلبت عليه قيم ومفاهيم العروبة، وقد كان أخواه يوسف وفايز عضوين في الحزب القومي السوري الذي أسسه وقاده أنطوان سعادة.
- كانت مرحلة الدّراسة في القدس ثمّ في بيروت فرصةً لأنيس الصّايغ لمعرفة وضعية العالم العربي مباشرة بعد نكبة فلسطين، فبدأ يتعامل مع التيارات والحركات الحزبية والفكرية ليس دارسًا لها وحسب، بل ممارسًا فعليّا ومنتميًا سياسيّا..
يقول: " وعيت القضية الفلسطينية منذ الطفولة في أحاديث الأهل في البيت والطلاب والأساتذة في المدرسة. ولكني بانغماسي مع رفاقي السّوريين القوميين، غلبت الهموم والآمال الحزبية فيّ على الهموم والآمال العامة كشيء منفصل ومستقل، وكان كل من هذين الصنفين من الهموم والآمال مرتبطًا بالآخر ارتباطًا عضويًا ".
- كان أنيس الصّايغ على وعي سياسي وتاريخي كبير في مسألة تفشي وتغلغل الطائفية في المشهد الحياتي العربي، خاصة في لبنان، فجاء مؤلفه الأول بعنوان " لبنان الطّائفيّ" ليهُزّ الساحة الجامعية والأكاديمية بما طرحه من فكر وتوجهات، مع تأكيده على أنّ فلسطين لم تشهد في عمرها المعاصر أيّ ظاهرة الطّائفية.
- خصّص الصّايغ الفصل الخامس ليتحدّث بإسهابٍ عن مركز الابحاث وعن مشروع أوّل موسوعةٍ فلسطينيّةٍ علميّةٍ وشاملة، وسرعان ما تحوّل هذان المشروعان إلى مُركّب أساسيّ من حياته ووجدانه ومصيره؛ لم يكتف بالآمال والنوايا، فكان رجل فعل، إذ بادر إلى جمع عدد كبير من الباحثين الفلسطينيين حول المركز وفيه، وجمع أيضًا عددًا من الجامعيين والدارسين ليكونوا نواة البحث العلمي في المسألة الفلسطينية.
لقد آمن الصّايغ أنّ البندقية لا تكفي لمقارعة العدوّ، وأنّه لا بدّ من التّصدّي له بالحجة التاريخيّة المؤسسة على حقائق ودلائل وبيانات تستند على البحوث والدراسات، لهذا أسس عددًا من المجلاّت البحثية الفلسطينية والعربيّة ووضع خططًا لإصدار عدد كبير من الدراسات التي تغطي مساحة كبيرة من التّعريف بإسرائيل والحركة الصهيونية.
يقول الصّايغ: " وقد لاحظت، كما كان يلاحظ كلّ متخصّص بالدّراسات الفلسطينيّة، مدى اتّساع الجهل العربيّ بحقائق المسألة الفلسطينيّة وتفاصيلها، وخاصّة فيما يتعلّق بالعدوّ، وانطلقت من هذه الملاحظة إلى حرص مركز الأبحاث في منشوراته، وخاصّةً الّتي تصدر باللّغة العربيّة، على التّعريف بالعدوّ: تاريخه وأفكاره ومخطّطاته وسياساته، وبنوع أخصّ الكيان יلقائم زورًا على أرض فلسطين ".
- وتحدّث الصّايغ عن تجربته مع أعلى القيادات الفلسطينية، خاصّة مع ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، موضحًا البون الشّاسع بين رؤية القيادات الفكريّة والمثقّفة والقيادات السّياسيّة والميدانيّة، فقد كانت رؤية الصّايغ تذهب إلى أن يكون مركز الأبحاث مستقلاً وموضوعيًا دون تدخل من قبل عرفات، إلا أنّ الأخير كان كثير التدخّل، وكان مُصِرًّا على معرفة كلّ صغيرةٍ وكبيرة، ابتداءً من الأموال وانتهاءً بالنشر، يقول في عرفات: " كان يريده مؤسّسةً خاصّةً تابعةً له شخصيًّا، فتخوض حروبه مع الآخرين، سواءً كانوا من الفصائل الفلسطينيّة أو حتّى من منافسيه في حركة فتح الّتي كان يتزعّمها ".
ويوجّه الصّايغ نقدًا لاذعًا لعرفات في سياق الحديث عن سلوكيّاته تجاه المشاريع الاكاديميّة والثّقافيّة الفلسطينيّة، يقول: " أنا لا أؤرّخ لحياته (يقصد عرفات) ولا أقيّم أعماله، أمّا في إطار إسهامه في هذه المجالات الثقافية الثّلاثة ( مركز الأبحاث، الموسوعة الفلسطينيّة، ومجلّة شئون فلسطينيّة )، فإنه لم يكتف بعدم دعمها وتطويرها وتسهيل أمورها، بل حاول جهده أن يجهضها ويلغيها وقد نجح مع الأسف وكان له ما أراد، إنّما لمصلحة من؟ ".


أمّا الدّكتور أمل جمال، فقد تناولت مداخلته محور " الثّقافة والمعرفة وهموم الوطن عند أنيس الصّايغ "، مستنبطًا ملاحظاته من مجموعة دراسات لأنيس الصّايغ هي: 1. كتاب التّطوّر القومي عند العرب، 2. في مفهوم الزعامة السياسية من فيصل الأوّل إلى عبد الناصر، 3. دراسات في رجال السياسة الإسرائيليين.
يقول جمّال:
- إنّ تدوين التّاريخ الشخصيّ لقيادة شعب دون أن نقع في مطب شخصنة التّاريخ أو شخصنة الرّؤيا التّاريخيّة يعتبر من أهمّ معالم الحركات القوميّة والوطنيّة، فاحترام الشّخصيات القياديّة لا تأتي من باب النّخبويّة فقط، إنّ الذّاكرة الجماعيّة، خصوصًا في حركات التّحرّر، بحاجة لرموز وطقوس تثبت أعمدة الذّاكرة وتصون جدرانها، خاصّةً إذا كانت هذه الرّموز فكريّةً ونقديّةً ذات رؤيا مترفّعة عن الانخراط في مهاترات المشادّات السياسيّة اليوميّة.
- إنّ الحديث عن شخصيّات ورموز مهمّة، مثل أنيس الصّايغ، تمكّننا من وضع مرآة أمام أعيننا من أجل رؤية انعكاس واقعنا في إدراكنا وصدى هذا الإدراك في الواقع، فعمليّة قراءة الذّات من خلال الشخصيّات التاريخيّة المهمّة، خصوصًا الثقافيّة منها، يمكّننا من إلقاء نظرات نقديّة على الذّات وعلى الواقع، وهي تمكّننا من رؤية ثنايا تطوّر الذّات وتبلورها وإمكانيّات حراكها في الواقع والتّأثير فيه وعليه.
- أنيس الصايغ، وبناءً على قراءةٍ سريعة لبعض أعماله البحثيّة وكتاباته السّياسيّة، يعكس رؤيةً سياسيّةً واعيةً ومصقولةً، مبنيّةً على دراساتٍ منهجيةٍ في الفكر السّياسيّ والبحت الامبيريقيّ المقارن، وهو بذلك يعكس نهجًا فكريًا وعلميًا كان قائمًا منذ بدايات إعادة مؤسّسة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، حتى وإن كان مستضعفًا في صفوف السياسيين ولم يعيروه اهتمامهم كما يبيّن لنا أنيس الصّايغ في سيرته الذّاتيّة " أنيس الصّايغ عن أنيس الصايغ ".
من هذا الباب كان أنيس الصّايغ عرضةً لهجومٍ اسرائيليّ دائم، وهدفًا داخليًا فلسطينيًا على المستوى السياسيّ.

- أنيس الصّايغ يطرح نموذجًا للمثقّف المحترف وفق مصطلحات ادوارد سعيد، المثقّف الّذي يؤكد على الحاسّة الاخلاقيّة وعدم الانجرار وراء الاختصاص الضّيّق، الّذي، وإن كان مهنيًّاً، يحجب النّظر عن الرّؤيا الواسعة للواقع، ومع أنّه يسخّرُ معرفته الموضوعيّةَ من أجل معالجة هموم مجتمعه وتقديم حلول مبنيّةٍ على دراساتٍ متعمّقةٍ ومنهجيّة، إلاّ أنّه لا يقبل أن ينصاع للسّلطة أو أن يكون موظّفًاً يؤدّي مهامه بحسب قواعد صلبة تحدّد مسبقًاً.
- يقرن الصّايغ الهويّة بالثقافة والمعرفة والوعي التاريخيّ وعمق الالتزام بهموم الشّعب وحرية الأفراد والجماعات والضّمانات الاجتماعية ويؤكد على أنّ الاستقلال لا يعني ضحد الاستعمار فقط، إنّما التغلب في الأساس على الفقر والذلّ والاستبداد والقمع الدّاخليين، فنجده يحذّر من استبدال المستعمر بمستبدٍّ داخليّ، مؤكّدًا أنّ التّطوّر الّذي حدث في الدّول العربيّة لا علاقة له بالاستقلال الحقيقيّ، ومن الممكن أن نستفيد من أقواله تلك حول تطوّر النّظام السياسي الفلسطيني، أنّ ذلك النّظام، ومع عدم استقلاله، بدأ يأخذ بعدًا يذكّر بالتطوّرات في الدّول العربيّة الأخرى.
- يتواصل أنيس الصّايغ مع الفكر السياسيّ النقديّ الما بعد كولونياليّ الّذي بدأ يتطوّر لدى مفكّرين من أصولٍ افريقيّة وشرق آسيويّة أمثال بوجهارت دي- بويز أو فرانز فانون، ومع أنّه لم يقتبس منهم أو يلتزم منهجيّتهم النّيو ماركسيّة المرتكزة إلى القطاعات المسحوقة في المجتمع، إلاّ أنّه يقترب منهم لربطه بين القوميّة الصّحيحة وعضويّة وشعبويّة القيادة.
- تظهر الدّراسات الثّلاث الّتي تناولناها في معالجتنا محور هذه المداخلة اهتمام أنيس الصّايغ بالقيادات السياسية والاجتماعيّة ودورها المركزيّ في تطوّر المجتمع واستقلاله، معوّلاً على تطوّر القيادة الناصريّة على أنّها النّموذج الأصحّ لقيادة المجتمع العربيّ، معلّقًاً عليه آمالاً تحطّمت بعد حرب 1967 وموت عبد النّاصر سنة 1970.
- من المهمّ تسليط الأضواء على شخصيّة أنيس الصّايغ، ليس الشّخص فقط، إنما النّموذج للثّقافة والمعرفة النّاضجة الّتي لا تسخّرُ نفسها لتوجّهاتٍ سياسيةٍ أو شخصيةٍ، والّتي تبقى ملتزمَةً تجاهَ هموم الوطن والإنسان دائمًا وأبدًا، فالصّايغ مفكّرٌ قوميٌّ ليبيراليّ وديموقراطيّ علمانيّ، استبق تطوّر الفكر السياسيّ القوميّ اللّيبيرالي الّذي أخذ يتطوّر في العالم العربيّ في العقد الأخير من القرن الشعرين، وقد انشغل أنيس الصّايغ بهموم شعبه ووطنه طيلة حياته، وما حياتُه إلاّ تلخيصًا لمسيرة مثقّفٍ عضويٍّ فلسطينيٍّ عاش القضيّة الفلسطينيّة وعاشته.


وحول " أنيس الصّايغ مناضلاً عروبيّا " تحدّث الدّكتور محمود محارب، مبيّنًا ملامح وسمات وقيم العروبة لدى أنيس الصّايغ، مستعرضًا أهمّ المحطّات السّياسيّة والفكريّة في حياته، وتطوّر مشروعه الفكريّ العروبيّ تدريجيّا، ليبلغ مرحلة نضوجٍ مبكرةٍ وسبّاقة ورياديّة، يقول محارب:
- بدأت أسمع عن د. أنيس الصّايغ في المنتصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، حينها كنت قد بدأت قراءة المجلّة الهامّة الّتي كانت تصدر عن مركز الأبحاث الفلسطينيّ: " شؤون فلسطينيّة "، ورحت بعد ذلك أتابع ما يكتب باستمرار.
واليوم، وبعد أن راجعت ما قرأت له وعنه بغية الاعداد لهذه النّدوة، أعيد اكتشاف أنيس الصّايغ من جديد: نحن أمام إنسان، رجل اجتمعت فيه مواصفات نادرًا ما تلتقي في رجلٍ واحد، متواضع، عزيز نفس وصاحب كبرياء، جمع بين الأدب واللّطف، الحسم والانضباط، الاجتهاد والعمل المجدي والمثمر، كان صريحًا، يكره الكذب والتملّق، حرًّا، يعشق الحرّيّة ويريدها لنفسه ولشعبه ولأمّته، وكثيرًا ما دفع ثمن تمسّكه بحريّته ومواقفه.
- أبوه سوريّ وأمّه لبنانيّة وزوجته من شرق الأردن، أمّا هو فقد ولد في مدينة طبريّا بفلسطين ونشأ بها وكبر، إنّه عروبيٌّ فلسطينيٌّ وسوريٌّ حتّى النّخّاع، يمثّل وحدة بلاد الشّام دمًا وروحًا.
بدأ حياته السّياسيّة في مراحل نشأته الأولى منتميًا للحزب السّوريّ القوميّ، الّذي أضيف إليه لاحقًا وصف " الاجتماعي " ، وقد كان أخواه يوسف وفايز عضوين بارزين فيه، شغلا مناصب هامّة ضمن هيئاته، ففايز كان مسؤولاً عن منطقة فلسطين في الحزب؛ ومع أنّ فايز قد انسحب من الحزب، إلاّ أنّ أنيس ظلّ منخرطًا في صفوفه لسنوات عديدة، وذلك لإيمانه بوحدة بلاد الشّام، ولأنّ الحزب علمانيٌّ ووطنيٌّ سوريٌّ ومناضلٌ ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، انضمّت إليه في سنوات الثلاثينات والأربعينات أهمّ النّخب اللّبنانيّة والشّاميّة.
ثمّ قرّر الصّايغ أن يترك الحزب أخيرًا لعاملين:
الأوّل - أنّ الّذي خلف أنطون سعادة بعد إعدامه، وهو السيد جورج عبد المسيح، قد جرّ الحزب نحو التعصّب والانغلاق وتركيز على الانتماء السّوريّ وإهمال الانتماء العربيّ.
ثانيًا - ظهور النّاصريّة الّتي رأى الصّايغ، كما الأغلبيّة العربيّة السّاحقة، أنّها تحمل مشروعًا نهضويًّا قوميًّا يمكن له أن يستمرّ ويتطوّر ويحقّق الوحدةَ ويواجه الاحتلالَ الاسرائيليّ لفلسطين. وقد التقى الصّايغ بالرّئيس جمال عبد النّاصر ثلاث مرّات في سنوات 1954، 1963، و 1969.
انخرط الصّايغ في صفوف الحزب القوميّ العربيّ الناصريّ، وساهم مساهمةً فكريّةً هامّةً في تطوير الحركة النّاصريّة وترسيخها، وكتب في هذه المرحلة مجموعةً من أهمّ كتبه، منها: كتاب الفكرة العربيّة في مصر 1959، و كتاب تطوّر المفهوم القوميّ عند العرب، وكتاب الهاشميّون والثّورة العربيّة الكبرى، وكتاب الهاشميّون والقضيّة الفلسطينيّة.
وقد تطرّق في الكتاب الأخير إلى قضايا حسّاسة وجريئة جدًّا لم يسبقه إليها أحد، وقد سبق في تحليلاته من يسمّون بالمؤرّخين الجدد الّذين اعتدنا أن نأخذ عنهم بلا نقاش في عالمنا العربيّ، بينما لا يسمح للمؤرّخ أو المفكّر العربيّ أن يعالج القضايا نفسها بادّعاء حساسيّتها وخطورتها، فيهاجم وتصادر حقوقه الفكريّة ويقمع، ويعتبر هذا الكتاب مصدرًا توثيقيّا ومرجعًا تاريخيًّا مهمًّا يجب الالتفات إليه والاهتمام به كثيرًا.
- أدرك أنيس الصّايغ أنّ الظّلمَ والاستبدادَ عدوٌّ وعائقٌ أمامَ تطوّر الأمّة، فدافع عن الحرّيّة والاستقلاليّة للأفراد والمؤسّسات، خاصّةً مركز الابحاث الفلسطينيّ، هذا المركز الّذي كان منخرطًا وفاعلاً في لبّ الثّورة الفلسطينيّة، وقد استقطب الصّايغ من خلاله أفضلَ الباحثين العرب والفلسطينيين، إذ بلغ عدد الباحثين فيه أيّام الصّايغ الـ 40 باحثًا، عملوا على إصدار أكثر من 300 كتابٍ راقٍ وقدير، إضافةً إلى مجلّة الشؤون الفلسطينيّة الشّهريّة، وإنشاء أرشيفٍ فلسطينيّ ورصد السّياسة الاسرائيليّة من خلال وسائل الاعلام العبريّة وترجمة أهمّ ما يكتب وينشر فيها.
- كان الصّايغُ مؤمنًا بأهميّة القلم في تحرير فلسطين، إلاّ أنّ القلم وحده لا يكفي، بل يجب أن يعمل بالتّوازي مع المقاومة المسلّحة في مواجهة الاحتلال.
- وجّه الصّايغ انتقادات شديدة للنّهج غير المنطقيّ وغير الطّبيعيّ الّذي تتبعه القيادات العربيّة في تعاملها مع دولة احتلالٍ تبطش وتنهب وتقتل وتقمع، فتلك القيادات لا تتعامل مع إسرائيل باعتبارها كيانًا عدوًّا، بل تسعى إلى خلق أرضيّة لمصالح ومساعي مشتركة، ولذلك كان الصّايغ دائمًا وأبدًا رافضًا للتّسويات، وداعيًا لتبنّي خيار المقاومة ودعم العمل العربيّ المشترك، معتبرًا أنّ الخطأ والخطيئة يكمنان في الانقسام والتّشرذم العربيين.

سيبقى جزءًا من الذاكرة، سيبقى جزءًا من الأثر، سيبقى جزءًا من المسيرة، سيبقى جزءًا من الحلم ".
.........