وثائق ادبية تضيء شخصية طه حسين / فيصل دراج

وثائق ادبية تضيء شخصية طه حسين / فيصل دراج

تقوم حياة المثقف, ربما, على الاقتراب من الناس والابتعاد عنهم: يقترب منهم كي يتعرّف على أسئلتهم ويبتعد عنهم ليعثر وحيداً علي إجابات مشتهاة. كأن في العزلة الطوعية ما يفصل بين المثقف وغيره. وإذا كانت لحظة الاقتراب تعلن عن مخلوق مزوّد بهالة, يتكلّم كما لا يفعل غيره, فإن اللحظة المغايرة منسوجة من صور ممزقة غير متوقعة. ولم تكن حياة طه حسين (1889 - 1973) إلا مرآة لهذا القدر الطريف, الذي يوزع ألقاب "السيد العميد" بين الناس لحظة, ويدعه مع هواجس انسانية صغيرة وكبيرة في لحظات أخرى.

بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على رحيل طه حسين أصدر نبيل فرج كتاباً عنوانه: "طه حسين: وثائق أدبية", يتضمن رسائل ومقالات ودراسات غير منشورة (1926 - 1951). ومع ان الكتاب لم يأت بجديد حول القضايا الفكرية الكبرى, التي شغلت صاحب "الأيام", فإن فيه جديداً يمسّ هموم الانسان النوعي, الذي كانه ذلك الأعمى - البصير. يأتي الجديد من طرافة ما لا يُرى, من هالة المثقف التي تحجب ما وراءها. وبسبب الهالة لن يرى أحد "السيد العميد" وهو يسأل "صاحب السعادة مدير بنك مصر" قرضاً مالياً محدوداً, ويعيد السؤال لأن "صاحب السعادة" لم يلتفت الى طلبه, وبسبب ثقل الألقاب لن يعرف أحد أن وزيراً بليد الروح والهيئة لا يردّ على رسائل الدكتور حسين, وأن الأصدقاء والأصحاب والمتزلّفين لا يطرقون باب "عميدهم", حين يُغضب السلطة وتغضب السلطة منه, وراء الألقاب وما لا يُرى كان طه حسين يعيش عزلته حزيناً, ويلاحق مشاكله اليومية سائلاً "دار المعارف" عن مكافأة كتبه, ومنتظراً منها مكافأة تسعفه في السفر الى "مدينة النور".

تضيء "الوثائق الأدبية" سؤالاً معقداً هو: إيمانية الكتابة, أو ذلك التصور الإيماني لفعل الكلمة, الذي يجعل روح طه حسين مشتعلة متألقة وافرة التفاؤل داخل الكتابة, وتجعل هذه الروح رمادية الى تخوم القنوط خارجها. وقد يذكر القارئ, ربما, السطور الأخيرة في كتاب "مستقبل الثقافة في مصر", وهي تتحدث راضية عن مصر قادمة مكسوة بالعلم والمعرفة والتقدم... غير أن هذا القارئ يرتبك حين يرى في "الرسائل المحتجبة", التي كتبت في الفترة ذاتها تقريباً, روحاً مغتربة أرهقها الحبوط وأثقلت عليها الخيبة, الى درجة تجعل السيد العميد يهجس, في لحظة تعب, بالرحيل عن مصر الى باريس. لهذا تحكي الرسائل عن "فساد الجو المعنوي, تحوّل الناس الى نوع من التجسس يثير الازدراء والاحتقار والاستصغار, الحياة المصرية البغيضة, البيئة المصرية التعسة...", بل أن النقد الشديد يختلط بالسخرية المرة أحياناً: "وما رأيك في بلد يقوم أهله ويقعدون ويحدثون الأزمات لأن كاتباً وضع كتاباً أو لأن موظفاً تراد إقالته من منصبه...". وقد تكتمل صورة طه حسين, الذي عافت نفسه الفساد الأخلاقي, بالرجوع الى كتاب آخر أصدره نبيل فرج, قبل عشر سنوات, بعنوان "طه حسين ومعاصروه", يعيد تأكيد ذلك السلب البغيض. غير أن قارئ اليوم, وهو يقرأ في مقدمة الكتاب عن "ثراء عصر حسين", يطرح سريعاً السؤال الآتي: إن كان في "عصر الثراء", الذي احتضن نجيب الهلالي وأحمد أمين وتوفيق الحكيم ومحمد مندور وغيرهم من تلامذة "مدينة النور", ما يبعث في روح "السيد العميد" التأسي والقنوط والغضب, فما الذي كان سيقوله بعد ثلاثين عاماً؟ ربما كان قوله المحتمل مزيجاً من المفاجأة واللامفاجأة: مفاجأة من انتظار طويل لـ"الذي يأتي ولا يأتي", ومفاجأة لا مفاجأة فيها, ذلك ان طه حسين قال في حواره الأخير مع غالي شكري: "أودعكم بقليل من الأمل" وبكثير من التشاؤم والشكوك.


... ويلاعب أحفاده.
تذيع "الوثائق" الفرق المؤلم بين الانسان الذي صدر منه مثقف والمثقف الذي أجهد الانسان فيه الى حدود الإرهاق. ففي الانسان ما يتعب ويتوجع ويشكو, وفي المثقف ما يعاند الانسان ويضنيه. ولهذا يضع المثقف في "الرسائل الشخصية" ما لا يضعه في كتب "قادة الفكر" كما لو كان المثقف يحزن وحيداً ويقاسم أحلامه كل البشر. يكتب حسين: "وأنا مع ذلك أجاهد جهاداً عنيفاً لا خير فيه ولا نفع وأسأل نفسي كيف يكون الخروج من هذه الطريق الملتوية التي لا علم فيها يُهتدى به ولا ظل فيها يطمئن اليه المسافر إذا أخذه الجهد والإعياء...". يهزم حسين سؤاله المشتكي متكئاً على روح مشتعلة شغوفة بكلمة: "لا" ويوطد هزيمة الشكوى بأطياف "قادة الفكر" الذين لا يرتضون بالزيغ وانتصار الجهالة. لذا يذكرنا "نبيل فرج", في مطلع الكتاب, بتلك المقالة الغريبة عن "لا" تلك الكلمة اليسيرة القصيرة الخطيرة التي تواجه بها قلة حرة غالبية خانعة خاضعة أدمنت على الإذعان والامتثال وترديد "نعم" بصوت مطمئن جهير. وهذه الـ"لا", التي لازمت حسين شاباً وكهلاً وشيخاً, هي التي ألزمت حسين بأن يستنكر إعطاء الجامعة الدكتوراه الفخرية لعدد من السياسيين رشحتهم السلطة, خلافاً لمعيار الكرامة الثقافية الذي يقصر الترشيح على الجامعة دون غيرها, وهذه الـ"لا" المجيدة جعلت حكومة صدقي باشا تعاقب "العميد" وتطرده من الجامعة, وهذه الـ"لا" الكريمة أقنعت العميد أن يرفض الوزارة, حين تقمع الوزارة البشر وتنتهك حقوقهم.

مارس حسين الرفض وسار في درب المسؤولية ما استطاع. وما استطاعه في "عصر الثراء" كان كثيراً: دافع عن حرية البحث العلمي مستذكراً ما أصابه في محنة "في الشعر الجاهلي" حين أراد أن يتجرد من البداهات الموروثة وعادات اليقين, ودعا الى اصلاح الكتابة وتيسير النحو, لأن في الإصلاح والتسيير ما يمس الحياة العقلانية ويُدرج اللغة في معطيات الزمن الحديث, وطالب بتنشيط الترجمة التي توسع الأفق المعرفي وتسمح للغة العربية ان تحاور ذاتها وهي تحاول انطاق لغة مختلفة, وقال بمكان مقبول لـ"الانسانيات" يحاكي المكان الذي تأخذه العلوم الاخرى, وطمع بثقافة أكاديمية رحبة لأن العقل اللامثقف يُزري بالمعارف جميعاً... واللافت في هذا الانسان, الذي خاصم البعض وطمح البعض الى خصومته, هو حسّه العملي, الذي يدفعه الى المطالبة بزيادة موازنة الجامعة, والى حضور المؤتمرات والتعليق عليها, والى الاهتمام بالمتاحف والمكتبات, والى الكتابة الى مدير الجامعة مطالباً بزيادة مرتبه الذي راوح مكانه مدة عشر سنين وأكثر... وكان حسين, المشغول بإصلاح العالم, مشغولاً بـ"علاوة جديدة" متمسكاً بجمالية الـ"لا" ورافضاً دناءة الـ"نعم" التي حاولت ان تستوزره وردّها خائبة. عاش كما يُظهر كتاب "وثائق أدبية" موزعاً على مثالين: مثال الأمم الراقية الذي على مصر أن تنتسب اليه, ومثال "قائد الفكر" الذي كان يقذف به الى دوامات الكآبة, كما جاء في مذكرات زوجته. وما بين المثالين رعى السيد العميد كرامة عالية غير قابلة للمقايضة, سواء همس بها مستوزر رخيص أو نقلها صحافي رضي عن الحكومة ورضيت عنه. ولعل العودة الى كتاب "ما بعد الأيام" الذي كتبه الدكتور محمد حسن الزيات, يعطي أمثلة كثيرة عن روح رأت ما رأت واعتنقت ما رأته بلا تردد. يقول في إحدى رسائله: "إن كرامتي بيدي لا بيد غيري" ويردد في رسالة تالية: "ومن جهلت نفسه قدرها رأى غيره فيه ما لا يرى".

كان يكبر وهو يدافع عن غيره: حق الفرد في التعليم, لأن التعليم ضرورة كالماء والهواء, وحق الفرد في معرفة تاريخ بلاده, وحق مصر على أبنائها في تاريخ لائق مكتوب, ذلك ان "الأمم الراقية تكتب تاريخها بنفسها ولكنها تترجم ما يكتب عنها في البلاد الأخرى الى لغتها القومية". كان يكبر مدافعاً عن الفرد والتاريخ والجامعة واستقلال القرار الوطني المصري, الذي هو "من شأن المصريين لا غيرهم", وداعياً الى دور مصري في الحياة الثقافية والتعليمية في العالم العربي, يدفع بالشباب العربي الى الالتحاق بـ"الجامعات المصرية". كان يكبر مؤمناً بأن التاريخ كوني, وأن نهر التاريخ يجرّ جميع القوارب الانسانية الى مصبّه الأخير. ورأى ما رأى فأغلق دفاتره والتحف بقليل من الأمل ورحل, قبل ثلاثين عاماً.

الإنسان المتمجد, بلغة الكواكبي, هو الذي يخترع أمجاداً يغطي بها حياته البائسة. لم يكن طه حسين متمجداً, كان مجده في روحه القلقة التي تبحث عن خير الجميع. حين علم ان جريدة الأهرام تريد ان تنشئ له تمثالاً كتب الى رئيس التحرير: "لم أقبل ولن أقبل أن يصنع لي تمثال لأني لا أفهم لهذا معنى ولا أرى له مقتضياً ويخيّل إليّ أن للناس في هذه الأيام ما يشغلهم عن مثل هذه الفكاهة...".

(عن "الحياة")