اسم في عالم الوتر.. وسفير من نوع آخر..

اسم في عالم الوتر.. وسفير من نوع آخر..

 

اسم تألق في عالم القانون.. انطلق منذ سنوات عمره الأولى كهاوٍ، لكنه حلق لاحقا في فضاءات أرحب من عالم الجماليات بما أهلته مواهبه ومهاراته ومثابرته، ليرسم ملامح طريق أخرى تتزين بخيرة المبدعين في عالم الروح. لكنه ليس مرافعًا عن أحد ولا محاميًا في محاكم، ولا في القضاء الدولي.. بل استل آلته الموسيقية الساحرة-القانون-، في ساحات وميادين أخرى، ليصول ويجول في أصقاع العالم ليقاضي العابثين والدخلاء في فنهم الهابط .. يتحدى ويحاول صياغة قوالب جمالية مكللة بإبداعيات النغم ليؤصل الحديث ويحدث الأصيل أمام الاجترار والابتذال. وهو مدافع جسور بروحه الوثابة عن عبق النغم الأصيل وإرث الموسيقى العربية الزاخر. الموسيقي اللامع مهران مرعب، ابن الرامة الجليلية يتحول إلى سفير حضارة تعكس صورة مجتمعه الفلسطيني في الداخل. حيث ألف ولحن وعزف وقدم العروض أمام صعاب المستمعين والموسيقيين مع زملائه في صالات العروض بالعديد من الدول الأوروبية والعربية والمحلية. ليس هذا فحسب، بل احتضن ويحتضن عشرات بل مئات المواهب من الأطفال والفتية في المعاهد المحلية، وفي رام الله وغيرها، إيمانا منه بأنك إذا أردت أن تتعرف على ثقافة شعب- عليك أن تتعرف على موسيقاه، ولديه طموحات وأحلام تقود إلى تطوير الموسيقى الآلاتية العربية لترقى إلى الفكر الموسيقي المجرد- بمعنى الموسيقى الناطقة- التقته فصل المقال في سكنه الجديد – في مدينة عكا..

مرعب: علينا كموسيقيين مهمة ورسالة كبرى لإعادة الاعتبار لثقافتنا الموسيقية

يحاول إعادة الوتر إلى نصابه الصحيح، و كالمعابد يهيمن صدى الصمت الذي يتسلل منها أجمل المعاني، تعكس لوحات من عالم الروح زاخرة بالعبق الموغل في عمق التاريخ وتتوارد صور العظماء من سيد درويش، والعريان، والسنباطي وبليغ حمدي وأم كلثوم وكل الرعيل المؤسس للنغم المتأصل، وهكذا مجالسته في منزله.. يطمئنك الأستاذ مهران مرعب بروح الشباب المتأصل برقة النغم الشرقي الأصيل، لاسيما وأن آلة القانون تحتل ركنا اساسيًا في تخت الموسيقى الشرقية. وعن انطلاقته يحدثك مرعب بهدوء وتواضع وعمق كما أنغامه..

"انطلقت في رحلتي الموسيقية عام 1994 وأنا لازلت على مقاعد الدراسة الثانوية، وكان المحفز الوالد والعائلة حيث بدأت تعليمي الموسيقي لدى الأستاذ إلياس جبران بعد أن بدأت كهاوٍ وبعدها اتخذ الأمر منحى آخر بحيث رافقت عمي" ألبير مرعب لأول مرة في العام 2000 ولا زلت في سن السابعة عشرة إلى باريس حيث عزفنا موسيقى الجاز وموسيقى فرنسية حديثة و كلاسيكية بتوزيع حديث ومقطوعات غربية، وهناك تعرفت على عدة أنماط موسيقية، وانكشفت على عالم الموسيقى الأوسع واكتشفت أكثر أن عالم الموسيقى وعالم الروح هو عالمي الذي سأبحر فيه، وتعلقت بآلة القانون حتى النخاع لتتحول إلى مركز اهتمامي و انشغالي وكذلك شعرت باعتزاز وفخر مما زادني ارتباطًا بالنغم بعد أن عزفت عزفا جماعيا هناك ..

ويتابع مرعب "بعدها انتقلت للأكاديميا قسم الموسيقى الشرقية في مدينة القدس لدى بروفسور تيسير الياس ابن شفا عمرو، وأنهيت تعليمي بامتياز وعينت مباشرة كأستاذ لتعليم آلة القانون في الأكاديميا، وكذلك متابعة تعليمي للقب الثاني في نفس الوقت، ومن هناك كانت محطة أخرى للانطلاقة لبلدان أوروبا، منها مع المغني القديرمنعم عدوان في فرنسا و بعدها مع فرقة "وتر" التي أسسها من مجموع خريجي الأكاديمية، و كذلك رافقت فرقًا عديدة في البلاد وتسجيلات موسيقية كل ذلك مع التزامي كأستاذ للقانون في المعاهد، منها بيت الموسيقى في شفاعمرو، ومعهد الكروان في عبلين، ومن ثم انتقلت منذ ثلاث سنوات إلى معهد (الكمنجاتي) في رام الله، ومن ثم لمنصب رئيسي قسم الموسيقى الشرقية في نفس المعهد.

إنتاج موسيقى :

لم يتوقف مرعب عند هذا الحد، بل تابع تحدياته إلى حقل التأليف الموسيقي والتلحين. وحول ذلك قال: كان لدي توجه ورغبة سابقة بالتأليف الموسيقي، لكن بعد حصولي على منحة مؤسسة عبد المحسن القطان طلبوا مني عرضا موسيقيا، وفضلت أن يكون من ألحاني، وقمت بإعداد مجموعة ألحان تتناسب مع العرض المطلوب لمدة ساعة ونصف الساعة، وهنا تزايد اهتمامي في مجال التأليف والتلحين، وهذا الإنتاج كان أول ألبوم لفرقة (وتر) التي رافقتنا في العزف في الحفل، واشترك في التأليف الأستاذ المعروف وسيم عوده، وكان ذلك بمثابة إعلان انطلاقة نحو التأليف الموسيقى الآلاتي المحلي- رغم أنه بتقدير موسيقيين نمط يتجاوز المحلي، وهو أمر ليس مألوفًا كثيرا في الموسيقى العربية..

انطلاقة بالقوى الذاتية..

مرعب يعتبر كما كل العاملين في حقل الفن أنه ليس من اليسير إطلاقا أن تحقق إبداعا في هذا الميدان في ظل غياب الأطر الحاضنة ومصادر الدعم. ويقول: عالم الموسيقى معروف أنه ميدان مفتوح وواسع، ويحتاج إلى مثابرة ودعم ووعي، لكن للأسف فإن غياب الجهات الحاضنة من شأنه أن يضع عراقيل ومصاعب أخرى بل وأقصيت الكثير من المواهب والمهارات، لكن الكثيرين منا أثبتوا في تحديهم ومثابرتهم رغم كل هذه الظروف يمكن أن تتعلم على الآلة، ولكن ليس من السهل أن تحقق إبداعًا..

إبداع رغم الظروف..

مرعب يعلم أن عرب الداخل عاشوا ويعيشون ظروفًا خاصة من شح الميزانيات والموارد لكنه مؤمن أنه بالأدوات المتواضعة بالإمكان أن تحقق إبداعا. ويقول: نستطيع أن نتحدث باعتزاز عن مبدعين من عرب الداخل والذين لا يقلون شأنا عن أقرانهم العرب، بل في حالات كثيرة تفوقوا، كما الحال في ميادين أخرى.. فهناك عشرات المبدعين من عرب الداخل وهم مفخرة لشعبهم، هذا رغم الإمكانيات المتواضعة وغياب المؤسسات الحاضنة ووضع العراقيل، وفي هذا بالذات تكمن عملية الإبداع رغم أن الأمر لا يقتصر عن الدعم المادي فحسب بل نتحدث عن النقص في المسارح والمعاهد والآلات و شركات الإنتاج.

وحول التوزيع الموسيقي قال مرعب: كان لدي مؤخرًا تجربة بالتوزيع في ألبوم "بغني" الأخير وهو من تأليف وتوزيع مهران مرعب مع فرقة"صابرين" والفنانة أمل مرقص. وحول أعمال جديدة قال: هناك محاولات جادة مع خليل أبو نقولا "فرقة سماح" لرفع مستوى العزف الموسيقي والغناء في الأعراس إذ علينا توجيه الموسيقى الى مستوى أرفع وأرقى من مجرد الموسيقى الإيقاعية الراقصة لكون هذه المناسبات تشكل ساحة خاصة تستقطب مئات الآلاف من المشاركين والمستمعين

سفير من نوع آخر..

مرعب بعد أن كان يعتبر مهاراته وإبداعه مشروعا خاصا وعالمًا شخصيا، رأى الأمور تتطور وتتسع لديه وأدرك بأنه يمثل بلده وشعبه، يكشف وينكشف على ثقافات أخرى، ويعتبر أن عليه نقل ثقافة مجتمعه وشعبه بالصورة الأجمل، وهذه مسؤولية ورسالة. ويقول: أنا شخصيًا وبعد أن كنت أعتبر ذلك موضوعا شخصيا إلا أنه تحول تدريجيا إلى موضوع تمثيل لمجتمع وشعب بشكل حضاري وهذه أيضا مسؤولية كبيرة وواجب أن أساهم لنصرة شعبي، لأن جبهة الثقافة على اختلاف ميادينها بما فيها فنون الموسيقى هي مركب أساسي وأصيل في ثقافة أي شعب، وإن رحلاتي يشاركني فيها موسيقيون من شعوب أخرى.

وخلال رحلاتي خارج البلاد قدمت العروض مع زملائي الموسيقيين (الك أوسكار) وهو مؤسس مهرجان أصوات القدس وعازف تشيلو، (وستيفن هيكلي) أوكورديون، ويرافقنا في هذا العمل المصور (كريستيان) بحيث تتم العروض من خلال عرض شرائح صور ذات علاقة بالواقع الفلسطيني في الداخل والقدس على وجه التحديد، ويقدم وجه المجتمع الإسرائيلي لاستنباط الاختلاف في واقع الجهتين.

وحول أهمية الموسيقى والتربية الموسيقية تحدث مرعب بإيجاز، وقال: الموسيقى كعلم هو موضوع سامٍ يجمع عدة أمور، وهي لغة الروح تترجم إلى فلسفه واسعة وعميقة وتربي على التسامح وثقافة الإصغاء والحوار والتفكير الأيجابي وصياغة العالم الإنساني الداخلي للإنسان بشكل أجمل لينظر إلى عالمه من زواياه المشرقة..

وأشار مرعب بالنقد إلى عدم إيلاء المؤسسات التعليمية موضوع الموسيقى الاهتمام والرعاية الذي يستحق، وقال: على المدارس والمؤسسات التعليمية التوقف عن التعامل مع موضوع الموسيقى والفنون عامة كموضوع شكلي ومكمل، بل يجب أن ننتقل لمرحلة الوعي ليكون جزءا تربويا إنسانيا وأساسيا ضمن مناهج التعليم خصوصًا أن تراجع لغة الحوار وثقافة الإصغاء واستبدالها بالعنف الذي ينكب مجتمعنا والذي طال طلاب المدارس أيضا، يحتم علينا إعادة النظر للتفكير والتعامل مع موضوع الموسيقى والفنون بشكل مختلف.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018