المركز الثقافي العربي: مستقبل يعيد لحيفا شيئا من مجدها الغابر

المركز الثقافي العربي: مستقبل يعيد لحيفا شيئا من مجدها الغابر

عاشت وعايشت مدينة حيفا العديد من المراحل على الصعيد الثقافيّ، فمنذ الإعلان عن الدستور العثماني في بداية القرن التاسع عشر، كانت حيفا من بين المدن الأكثر نشاطاً ثقافياً في العالم العربي، وتبدّلت الظروف ووتيرة النشاط الثقافي في المدينة تبعاً للظروف الاقتصادية والسياسية. أمّا على صعيد مستقبل المدينة الثقافيّ فستحتضن خلال العام المقبل مركزاً من شأنه أن يحدث نقلة نوعية جادّة ومفصلية في موقعها الثقافيّ، ويعيدها لتتبوأ مركزا هاما في المشهد الثقافي العربي.  

إن التوقّعات من المركز الذي بادرت إليه مديرة مؤسسة جمعية الثقافة العربية، الراحلة د.روضة بشارة -عطا الله، عالية جداً، فهو مركز متعدّد المجالات سيقوم على بنايتين وسط مدينة حيفا، قامت جمعية الثقافة العربية بشرائهما منذ أعوام، وباشرت في ترميمهما ليكونا مركزاً عربياً وحاضنة ثقافية تنتج الثقافة من حيفا تصدّرها وتستقبلها.

وسيحوي المركز على قاعة متعدّدة الاستخدامات، مكتبة، غرف تدريبات، صالة عرض واستديوهات بالإضافة إلى أرشيف ثقافيّ ومقهى خاص بالمركز.

برغوثي: نهدف إلى إعادة حيفا لمكانتها كمركز مدينة عربي فلسطيني

وعن دوافع جمعية الثقافة العربية لإقامة المركز، قال مديرها العام، إياد برغوثي، لـ”عرب ٤٨”، إن “منطلقاتنا لإقامة المركز كانت اعتماداً على تشخيصنا لاحتياجات المجتمع العربي في الداخل، والحركة الثقافية الفلسطينية عموماً، بالإضافة إلى الحاجة لتوفير البنية التحتية الفعلية لهذه الحركة، مما حدا بنا لبحث فكرة إقامة المركز ليلبّي هذه الاحتياجات'.

ولم يأت اختيار مدينة حيفا بشكل عفوي حسبما أوضح البرغوثي،  مضيفا أن 'البحث في البداية كان عن قطعة أرض في مدينة حيفا أو قريبة منها لبناء المركز من منطلق استعادة حيفا لمكانتها كمركز مدينة عربي فلسطيني ، ولم ننجح في الحصول على  قطعة أرض ملائمة، فقررنا البحث عن بناية تلبّي احتياجات المركز ووجدنا البناية في حي الهادار وسط المدينة، وممّا شجّع ذلك هو موقع حيفا الاستراتيجي في البلاج، وكمنطقة مركزية لها رمزيتها وتاريخها الثقافيّ، وكاستثمار في إعادة الحياة الثقافية فيها خصوصاً وأن حراكا ثقافيا نشطا موجود في المدينة يحتاج إلى بنية تحتية لتطويره وتوفير المكان والوسائل اللازمة له لاحتضانه'.

المركز كحاضنة لإنتاج ثقافيّ فنّي أدبي

أمّا التصوّر، وهو ما لا يقل أهمية عن منطلقات الجمعية ببناء هذا الصرح الثقافي الضخم، فهو تصوّر انتاجيّ غاية في الأهمية، فالخارطة الثقافية لا تقبل الاستهلاك وحده، وهذا ما أشار إليه البرغوثي في حديثه وقال إن التصوّر الانتاجي للثقافة كصناعة وعملية انتاج فنّي فكري، نعيد من خلال انتاج الهوية الجمعية ونشكّل مجال تنموي وأفق للمجتمع العربي ككل، ومن هنا لاحظنا أهمية أن يشكّل المركز حاضنة لانتاج ثقافي فنّي أدبي نقدي، ينتج الثقافة العربية التاريخية والمعاصرة، يسوّقها وينشرها ليس فقط على الصعيد الفلسطيني، بل على الصعيد العربي العربي أيضاً. 

يبقى التعطّش للتواصل مع المحيط العربي وثقافته وتطوّره هاجس الفلسطينيين في الداخل، خاصة بعد الحصار الذي فرضته عليهم الظروف السياسية والمؤسسة، التي حاولت وما زالت فصلهم عن هذا المحيط وبناء ثقافة مشوّهة لهم، وهذا ما لم تغفله الجمعية أثناء بناء تصوّرها لمركزها الذي أصبح حقيقة، وقال برغوثي إن التواصل هو قيمة أساسية للمركز وهي قيمة غاية في الأهمية وكل عمل فنّي هو تواصل بين المنتج والمتلقّي، تواصل فكري لغوي، بصري وحسّي.

المركز: مساحة تواصل

وأضاف أن 'الجمعية تعمل على مفهوم التواصل بجدية من خلال النشر والإنتاج، هو مركز للثقافة العربية. وهي، أي حيفا، مركزاً لهذه الثقافة التي ستنتج منها، هنالك العديد من الاشكاليات في موضوع التواصل المادّي وقدوم الفنانين العرب للداخل، ومن المهم تناولها بعمق وحتى جدلها بدون تعصّب خاصة أننا تنعامل مع فن. 

وتابع: “المركز هو مساحة تواصل، والتواصل ممكن بطرق عدة في زمن أصبحت إحدى مميزاته التواصل السريع والمتاح والمفتوح على مصراعيه للعالم، والتواصل ممكن جداً من خلال العمل الفني ذاته فعرض عمل فنّي انتج في الوطن العربي في حيفا كما حصل خلال معرض “منام” هو بحذ ذاته تواصل بلا حاجة لقدوم الفنّان إلى هنا'.

البرغوثي: الاستقلالية الثقافية ليست هماً بعيد المنال

أمّا الاستقلالية عن المؤسسة وصناديق الدعم الإسرائيلية، فهي إحدى ركائز هذا المشروع الذي يطمح ليكون مساحة عربية خالية من تدخّل وأجندات صناديق الدعم الإسرائيلية، فقال البرغوثي، إن “الاستقلالية الثقافية ليست هماً بعيد المنال وتحتاج أولاً لتغيير طريقة التفكير في المجال ذاته”.

وأضاف: “ في الجمعية، هنالك أفق للإنتاج غير التابع للدولة العبرية، والشرط الأساسي للاستقلالية هو الجمهور والعالم والهوية التي تشكّل مركباً أساسياً، إن حقنا في تلقّي الدعم نابع من مواطنتنا ومن ما ندفعه لهذه الدولة، إلّا أن هذا لا يعني ترك المسألة للدولة العبرية لتنهش بثقافتنا عبر أجنداتها السياسية وعدم التفكير في بناء صناديق عربية مستقلة”.

وتابع: “الحل في إقامة تعاونيات فلسطينية وصناديق دعم عربية وبناء استقلالية ثقافية من خلال رفع الوعي، ما دام ليس هنالك مبادرات سيبقى الدعم الإسرائيلي أساسيا بهدف صناعة علاقات عامّة لسياسات الدولة العبرية وبطبيعة غير منتجة تفرض هوية مشوّهة، يبقى أفق المركز مبني على بناء استقلالية ثقافية بتحويل هذه الموارد لإدارة عربية”.

أمّا عن استقلالية المركز ذاته، فقال البرغوثي: “إننا نرفض الحصول على أي دعم إسرائيلي، ولكننا لا ننكر حق أي فنّان بالحصول على الدعم، بل نحذّر من الأجندات السياسية وراء هذا الدعم المشروط”.

الشباب هم جمهور الهدف

وعلى الرغم من الجهد الذي يحتاجه إنتاج الفن وفتح المجال للوجوه الجديدة، أكد البرغوثي أن الشباب هم جمهور الهدف لهذا المركز، بالإضافة إلى المدينة ذاتها حيث قال إن “الشباب وحضانتهم والاستثمار بوجوه جديدة في عالم الثقافة هو أحد أهم ركائز المركز وأهدافه ضمن إدراك للسياق وخاصية الموضوع، وتوفير المساحة والأدوات اللازمة للفنانين المحترفين ورعايتهم، بالإضافة إلى أهمية تواصلنا مع محيط المركز، لجان الأحياء والمدارس والطلاب ممّا سيجعل من الفائدة تعود على المجتمع ككل في مدينة حيفا”.

وأضاف: “حاولت السلطات التحريض على المركز، المركز بملكية الجمعية وسنحقّق حلمنا وننشط من خلاله بالشكل الذي نراه مناسباً. حاولت السلطات أن تقوم بتحريض السكّان الحيفاويين ذاتهم بهدف عزل المركز عن محيطه، إلّا أننا عقدنا العزم على أن نعمل باستقلالية وأن نرفض أي محاولة احتواء من قبل السلطات”.

وكانت حكومة قطر قد دعمت إقامة المركز، وقال برغوثي: 'هم مشكورين على هذا الدعم، أمّا ما سيضمن استمرار المركز ونجاحه هو الحضور الجماهيري والمشاركة الفعّالة في أنشطة وإنتاج الثقافة فيه. فعليا، الانتاج هو ما يضمن الاستمرار، فهو مولّد الحياة واستمراريتها'.

أمّا عن التصميم الجديد للبناية التي قامت الجمعية لشرائها لتكون مركزاً للثقافة العربية في مدينة حيفا، فقال المصمّم عبد بدران، الذي عمل على تصميم المبنى لـ'عرب 48'، إن 'مدينة حيفا بحد ذاتها قصة درامية تحكي رواية لم تكتمل أحداثها، والمركز الثقافي العربي كان لا بد له أن يروي جزءاً من مشهدياتها الحياتية، الثقافية والعمرانية، ويكتب نصوصها العربية المعاصرة، التصميم الجديد يقرأ نصوص المدينة الأصلية ويتفاعل معها ويقدّم قرائته للواقع المعاصر في المدينة'.

وأضاف بدران أن 'الواجهات الخرجية للمركز تبني سميولوجية تعتمد على التحليل البنيوي للمدينة العربية التي هدمت من قبل المشروع الإسرائيلي، من قراءة لأزّقتها، أبنيتها وما بينهم من الحركة، المعاني، الثقافة وألوان الحياة'.

وتابع أن 'هذه القراءة تمتد إلى الفراغات العامّة داخل المبنى، ويبقى الإنشاء قائماً، فيصبح الأصل والمحرّف والجديد. ثلاث مشهديات خالدة في ذاكرة وحاضر الرواية'.

 

(الصورتان: مخطط للمركز، ومدير الجمعية إياد برغوثي)

 

بودكاست عرب 48


المركز الثقافي العربي: مستقبل يعيد لحيفا شيئا من مجدها الغابر

المركز الثقافي العربي: مستقبل يعيد لحيفا شيئا من مجدها الغابر