معهد الدوحة يفتتح أعمال ندوة "العربية بين اكتساب المعرفة وإنتاجها: مقاربة استشرافية"

معهد الدوحة يفتتح أعمال ندوة "العربية بين اكتساب المعرفة وإنتاجها: مقاربة استشرافية"
د. عزمي بشارة في الندوة بالدوحة، اليوم

انعقدت صباح، الأحد، الندوة العلمية الدولية التي نظمها مركز اللغات بمعهد الدوحة للدراسات العليا تحت عنوان: "العربية بين اكتساب المعرفة وإنتاجها: مقاربة استشرافية".

أقيمت فعاليات الندوة - التي ستستمر لثلاثة أيام - بمقر المعهد، وذلك بمشاركة نحو خمسين باحثا من مختلف المؤسسات الأكاديمية، والجامعات الدولية، الإقليمية، والمحلية.

وتأتي الندوة في إطار اهتمام معهد الدوحة بتعزيز مكانة اللغة العربية لغةً دوليّةً للدراسة والبحث العلمي، هذا فضلاً عن الفرصة التي تتيحها لاجتماع نخبة مختارة من الباحثين من مختلف أنحاء العالم، لتبادل الآراء والخبرات.

الدكتور عزمي بشارة: لا خوفَ على العربية

شهدت فعاليات اليوم الأوّل، كلمة افتتاحية ألقاها الدكتور عزمي بشارة، رئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا، بعنوان: "لا خوفَ على العربية"، تحدّث فيها عن العلائق أو التشابكات بين اللغة العربية المحكية من ناحية واللغة العربية الفصحى من ناحية أخرى. وبين بشارة خلال كلمته أن النظر إلى اللغة المحكية باعتبارها ليست لغة دولة عربية بعينها، والنظر إلى العربية الفصحى على اعتبارها لغة الأمة العربية يعد توصيفا خاطئا، لأنّ اللغة المحكية هي لهجة منطقة أو إقليم، وأحيانا لهجة مدينة أو قرية، وقد تختلف داخل البلد الواحد.

وأوضح بشارة خلال كلمته أنه لا غنى عن اللغة العربية الفصحى التي نتعلمها في المدارس في بناء الدولة، والمجتمع المدني، والتواصل العربي لأنها -أي الفصحى- لغة الدول العربية الرسمية، أو لغتها الأولى في بعض الدول، هذا بالإضافة إلى أنها لغة مناهج التعليم، والإعلام، والمداولات، وأنها ليست منفصلة عن الحياة اليومية، فهي كائن حي تمتد جذوره إلى لغات دارجة، ومحكية قديمة، وهي لغة الشعر العربي، والرواية، وهذا ما يزيدها قوة وثراء وحيوية.

وتناول بشارة دور تطور وسائل الإعلام وانتشار التعليم وبرامج الأطفال في التقريب بين لهجات العرب المختلفة - من المحيط إلى الخليج - وبين العربية الفصحى التي أصبحت بدورها أكثر قربا من حياة الناس اليومية، موضحا أن عدم القلق، والخوف على اللغة العربية الفصحى ينبع من حقيقة انعدام البدائل الواقعية لها في الحضارة العربية الحديثة، ذلك أنه لا غنى عنها للتواصل داخل المجتمع العربي، لأنها تلبي الحاجة على مستوى المؤسسات من جهة، ولغناها بالمفردات والأساليب التعبيرية من جهة أخرى.

ورصد بشارة ثلاثة شروط تُساعد في تفسير تطور اللغة، تحت ما سماه "الانفتاح وحسن الاستقبال". ويتمثل الشرط الأوّل في مقدرة اللغة على مجاراة تطور الحياة، والثاني يتعلق باستعداد اللغة للتنازل عن حراسة حدود الصحيح والخطأ، أما الشرط الثالث فيتمثل في مدى مقدرة اللغة على مواجهة تحدي الرقمنة، الذي هو تحدي العصر.

وخلص بشارة إلى أن اللغة العربية قادرة على تلبية هذه الشروط، وتجاوز هذه الامتحانات الثلاثة بنجاح، وأن القلق حيالها قد يكون حقيقيا أو مصطنعا، ولكن اليقين الذي يمكن الجهر به هو أن لا خوف على العربية.

اللغة والمعرفة... مقاربات استشرافية

ضمت الندوة في يومها الأوّل أربع جلسات علمية، وذلك بمشاركة خمسة عشر باحثا وباحثة تنالوا موضوعات مختلفة عن اللغة والمعرفة والهوية. وناقشت الجلسة الأولى محور: "العربية والمعرفة: مقاربات استشرافية"، برئاسة علي أحمد الكبيسي، رنا سبليني من مركز اللغات بورقة بحثية تحت عنوان: "مشروع لغوي لنهضة معرفية: دراسة حالة معهد الدوحة"، ناقشت فيها دور مركز اللغات بمعهد الدوحة في تعزيز مكانة اللغة العربية لغةً دوليةً للدراسة والبحث.

واستمرت فعاليات الجلسة الأولى بورقة ثانية جاءت تحت عنوان: "إنتاج المعرفة واستعادة الهوية: حالة جورجتاون – قطر" قدمها للحضور الباحث محمود العشيري، أستاذ مشارك في برنامج اللغة العربية جامعة جورجتاون - قطر، رصد فيها التحديات التي تعرقل وصول الطلاب، في العديد من مؤسسات التعليم العالي في الوطن العربي، إلى الكفاءة المنشودة في اللغة العربية التي تمكّنهم من تقديم إنتاج فكري بهذه اللغة يستوفي معايير الجودة العالمية. واختتمت الجلسة الأولى بمشاركة الباحث عامر أحمد والباحثة أيرينا لينتشاك بدراسة حالة لفلسفة التعليم في سلطنة عمان، تناولا فيها التنوع اللغوي الإثني في سلطنة عمان.

وخصصت الجلسة الثانية لمحور: "اللغة وبناء الهوية السياسية"، برئاسة إسلام دية، أستاذ مساعد في قسم الدراسات العربية في جامعة برلين الحرة بألمانيا، وبمشاركة ثلاثة باحثين، حيث تناول الباحث مصطفى المنشاوي موضوع: "وفاة 'شرعية أكتوبر' في مصر: تحليل خطاب الدولة حول حرب 1973 وبعد 2011" تتطرق فيها إلى إعادة بناء حرب 1973 كخطاب لإضفاء الشرعية السياسية في مصر في فترة مبارك وبعد 2011. أما ورقة عماد عبد اللطيف والتي جاءت تحت عنوان: "الملاعب بوصفها فضاءً احتجاجيًا: الخطاب وتشكّل الهوية السياسية لجماهير كرة القدم"، فتطرقت إلى الفضاءات الرياضية باعتبارها فضاءً لممارسة الهويات، وتشكّلها، ومقاومتها. واختتمت الجلسة الثانية مع عاطف الشاعر الذي قدّم مناقشات حول: "ثقافة التواصل: الإسلام في خطاب الحركات السياسية في فلسطين"، ركزت على النقاش حول خطابات حركات المقاومة الفلسطينية.

وتواصل تقديم الأوراق العلمية في الجلسة الثالثة التي فتحت النقاش حول موضوع: "اللغة العربية باعتبارها لغة للمعرفة والمصطلح". رأس الجلسة د. عز الدين البوشيخي، المدير التنفيذي لمشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وشارك في الجلسة الباحث مكي البدري بورقة تحت عنوان: "العربية لغة نقل للمعرفة وإنتاجها في المنظمات الدولية"، واهتمت بإبراز دور الترجمة العربية في إنتاج المعرفة العالمية. وتطرقت الجلسة أيضا، إلى النقاش حول مسألة نقل مصطلحات العلوم وتعريبها مع الباحثة ليال مرعي التي سلطت الضوء على اللغة العربية كلغة للعلوم، وذلك عن طريق استخدام أمثلة المصطلحات التي تظهر صعوبات الترجمة العلمية إلى اللغة العربية. وجاء اختتام الجلسة الثالثة بورقة للدكتور أحمد حاجي صَفَر تحدث فيها عن الترجمة بين تلقّي المعرفة وإنتاجها.

أما الجلسة الرابعة فسلّطت الضوء على موضوع: "قياس الكفاءة الأكاديمية وتطويرها"، جرى التطرق فيها إلى تقييم مهارات القراءة الناقدة للطالب العربي، وذلك عن طريق استكشاف قدراته على توظيف اللغة العربية وأدواتها توظيفًا فاعلًا وكفؤًا، لإنجاز المهمات الأكاديمية والفكرية المتوقعة منه في مستوى الدراسات العليا. وشملت الجلسة أيضا ورقة بحثية تحت عنوان: "نحو نموذج لقياس جودة اللغة العلمية للبحوث الأكاديمية المنجزة قدمها عبد القادر بوشيبة"، واهتمت بتقديم وصف لنموذج قياس جودة اللغة العلمية للبحوث الأكاديمية المنجزة بالعربية وكفاءتها. واختتمت جلسات اليوم الأول بمداخلة حسين السوداني تطرق فيها إلى دراسةَ مسألة ضرورة الاستثمار في اللغة العربية.

هذا، وتستكمل فعاليات الندوة يومي الإثنين والثلاثاء 4 و5 آذار/ مارس، بمشاركة باحثِين آخرين.

ومن الجدير ذكره أن الندوة تضم اثني عشر جلسة تهدف جميعها إلى وضع خطة منهجية تجمع ما بين النظرية والممارسة في مجال اللغة.