مخرجات غزّة: حلم الصناعة السينمائية يحاصره الواقع

مخرجات غزّة: حلم الصناعة السينمائية يحاصره الواقع
أثناء تصوير فيلم "خيوط حرير" للمخرجة ولاء سعادة

شهد قطاع غزّة في ثلاثينيّات القرن الماضي حركة بارزةً لدور السّينما، الّتي انطلقت مع افتتاح أول سينما في مدينة غزّة عند مدخل حيّ الشّجاعيّة آنذاك، تحت اسم "سينما الخضرا"، مفتتحةً معها بداية جديدة للوضع الثقافي في غزة المُعاصرة.

عقبها افتتاح "سينما السامر" في عهد رئيس بلدية غزة الأسبق رشاد الشوّا، ثم العديد من دور السينما في المدينة كسينما "النصر"، "الجلاء"، "عامر" وغيرها، والتي كانت تعرض الأفلام المصرية والهندية والصينية وغيرها للجمهور، كما كان لمدينة رفح نصيبًا من دور السينما هذه فافتتحت فيها سينما "النهضة" و"السلام" و"صابرين"، لكن هذا الحال لم يدم لوقت طويل بسبب تخريبها من قبل بعض التيارات الإسلامية التي كانت تتبنى التشدد ذلك الوقت، لتبقى هذه الدور واقفة على رمادها لتشهد على الجريمة بحقها حتى الآن، وأصبحت سينما "الجلاء" أثرًا بعد عين، في حين أن سينما "عامر" و"النصر" و"السامر"، لم يتبق منها سوى لافتات تشير إلى أسمائها. وتحولت قاعاتها مرتعًا للكلاب الضّالة والقطط والفئران، ولم يسعف الحظ غزة أن تبني لها سينما جديدة.

إخراج الحلم وحلم الإخراج

اليوم، بعد عقود من اندثار دور السّينما، وبالقرب من مزرعة مليئة بأشجار الزيتون شرقي قطاع غزة تقف المخرجة الفلسطينية ولاء سعادة (29 عامًا) وطاقم عملها للبدء بتصوير فيلم "خيوط من حرير" الذي يوثق الحكايات الشعبية عن فلسطين المنسوجة حكايتها بخيوط الحرير على قطع القماش، مكوّنة الثوب الفلسطيني للمشاركة في مهرجان "شاشات" الحادي عشر لسينما المرأة بالتزامن في رام الله وقطاع غزة، بهدف تنمية قدرات القطاع السينمائي الفلسطيني النسوي الشاب، والذي يعتبر من أكثر مهرجانات سينما المرأة استمرارية في العالم العربي. 

في حديثها لموقع "عرب 48" قالت سعادة: "يراودني حلم صناعة الأفلام منذ طفولتي، وشغفي كبير في مجال الإخراج الذي لم أكن أعلم شيئا من قبل، لكنّي بدأت بالبحث في هذا المجال خلال دراستي للغة العربية وعملت على تنمية هذه الشغف من خلال الدورات التدريبية والمحاضرات عبر الإنترنت". 

المخرجة ولاء سعادة

لكن سعادة لم تعاني من بعض ما عانت منه زميلاتها المخرجات، التي وضعت الظروف المجتمعية والعادات أمام شغفهنّ حاجزًا في تقدمهنّ في هذا المجال، نظرًا لما يتطلّبه العمل فيه من ساعات طويلة، واحتياجه لفريق عمل يتكوّن من شبّان وشابّات في مساحات واحدة مشتركة، وهذا ما كانت تتقبّله أسرتها التي تحترم توجّهات أفرادها، بعكس أسر أخرى، وفق سعادة.

أفلام محاصرة

أما المخرجة آلاء الدسوقي (28 عامًا) فقد استوحت اسم فيلمها "الغول" من الثقافة الفلسطينية وحكاية الغول الّتي تقصّها الأمّهات على أطفالهنّ كي يذهبوا للنوم باكرًا قبل أن ليقف الغول أمام أحلام يقظة الأطفال بمخاوف خطفهم وأكلهم، لتحاول من خلال فيلمها أن تعكس مفهوم "الغول" على أنه الحرب التي تتربّص بالأطفال وأحلامهم، في النّوم واليقظة، في غزة، لكنّه خارجٌ عن سياقات القصص.

وعن تجربتها في صناعة الأفلام وواقع السينما في غزة تقول الدسوقي إنّه "يبدو أن غزة محاصرة حتى في التخصصات الجامعية، كنت أود كثيرًا أن أدرس الإخراج، لكنّه لم يكن متوفرًا في الجامعات، سوى في بعض المواد الفرعية ضمن  قسم الإذاعة والتلفزيون، فاضطررت لدراسته رغبةً في التقرب من هذا المجال". 

من خلال الجامعة اشتركت الدسوقي مع مؤسسة "شاشات" الّتي تستقطب الفتيات اللّاتي يُجِدْن صناعة الأفلام، لتكون بداية رحلتها في صناعة الأفلام القصيرة، وتضيف: "كانت  سعادتي كبيرة عندما تم قبولي، وشعرت أن حلمًا حلمته سيتحقق"، وأخرجت صاحبة "الغول" عدة أفلام من قبل منها فيلم "فلفل وسردين"، و فيلم "ضجّة"، وفي عام 2014 بعد العدوان الأخير على القطاع أخرجت فيلم بعنوان "منشر غسيلو". 

تتطلع هؤلاء المخرجات الصاعدات إلى أن تصل أفلامهن إلى مسارح عربية وعالمية ولا تبقى محصورة في نطاقٍ محدودٍ فلسطينيًا، في الوقت الّذي يعتبر موضوع تمويل مثل هذه الأفلام القصيرة عائقًا أمام إنتاجها، لعدم وجود اهتمام رسمي بالدرجة الأولى بذلك، بينما يرى البعض الآخر أن صناعة مثل هذه الأفلام "رفاهية" في ظل الوضع المأساوي لغزّة؛ وأمام كلّ هذا تقف أحلام المخرجات لتنبت أحلامًا وأفلامًا جديدةً مهما شحّت السّقاية.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"