"الحديث عن الأشجار": وثائقيّ سوداني حول صناعة السينما والحرية

"الحديث عن الأشجار": وثائقيّ سوداني حول صناعة السينما والحرية
(فيسبوك)

عرض مساء أمس الأربعاء، فيلم وثائقيّ سودانيّ جديد، ضمن معرض الجونة السّينمائي الدّولي في مصر، تحت عنوان "الحديث عن الأشجار"، والّذي يتتبّع فيه المخرج صهيب قسم الباري مغامرة أربعة من قدامى السينمائيين السودانيين لإعادة تأهيل وتشغيل دار عرض سينمائي في بلد اختفت فيه كل مقومات صناعة السينما منذ ثلاثة عقود.

وتدور أحداث الفيلم في عام 2015 حين يقرر الرباعي إبراهيم شداد، ومنار الحلو، وسليمان إبراهيم، والطيب مهدي، أعضاء جماعة الفيلم السوداني، الذين يجولون قرى السودان لنشر الثقافة السينمائية، أن يعيدوا تأهيل دار عرض سينمائي لإعادة الجمهور إلى السينما.

ومع تطور الأحداث يتعرف المشاهد على الأربعة بشكل أعمق ليتضح أنهم من رواد السينما السودانية الذين تعلموا في الغرب وصنعوا أفلاما في السبعينات والثمانينات حصدت جوائز من مهرجانات عربية ودولية.

وبذكاء كبير وسلاسة في السرد يعرض الفيلم قصّتهم من زاويتين، الأولى هي النهضة التي كانت تعيشها السينما السودانية في زمن سابق وربما غابت عن الذاكرة بسبب السنين الطويلة والزاوية الثانية هي قصة صداقة نادرة بين المخرجين الأربعة الذين جمعهم حب السينما.

ملصق الفيلم (فيسبوك)

تتوالى الأحداث وتبقى مغامرة إحياء دار عرض سينمائي هي المحرك الرئيسي إذ يصطدم مسعى المخرجين الأربعة بتعنت السلطات والقبضة المحكمة للأمن على كل نشاط ثقافي أو فني مما يلقي الضوء بشكل تلقائي على أحد أهم أسباب غياب السينما السودانية وهو السلطة التي استغلت الدين في تحريم السينما منذ 1989.

وينتقد الفيلم الأوضاع السياسية والاجتماعية بشكل ساخر على لسان شخصياته التي تتراوح أعمارها بين العقدين الثامن والسابع وشهدت الأحداث السياسية والأنظمة الحاكمة المتعاقبة في السودان.

ونقلت وكالة أنباء "رويترز" عن المخرج صهيب قسم الباري قوله بعض عرض فيلمه "الحديث عن الأشجار"، إنّ "هذا الجيل من السينمائيين الذين نعرض له في الفيلم هو الذي وقع عليه كل القهر والمنع من صنع الأفلام رغم بداياتهم القوية"، مبيّنًا أنّ اسم الفيلم مأخوذٌ من عبارة للألماني برتولت بريخت يقول فيها: "أي زمن هذا الذي يكاد الحديث فيه عن الأشجار أن يصير جريمة لأنه يعني الصمت عن جرائم أخرى".

وينافس الفيلم ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة بمهرجان الجونة الذي يسدل الستار على دورته الثالثة يوم الجمعة، وكان الفيلم قد فاز بجائزة من مهرجان برلين السينمائي ومهرجان إسطنبول السينمائي. ويرى صهيب قسم الباري أن فيلمه الوثائقي إلى جانب عدّة أفلام أخرى روائية وقصيرة من صنع سينمائيين سودانيين شباب قد تكون أعادت السينما السودانية للواجهة لكنها غير كافية لتأسيس نهضة جديدة.

وقال: "سعدت بعرض فيلمي في أكثر من مهرجان، وهنا في الجونة يعرض فيلم آخر روائي لزميلي أمجد أبو العلاء بالمسابقة الرسمية، لكن هل هذه المحاولات الفردية التي جاءت بتمويلات خارجية كفيلة بإحياء السينما السودانية؟ الإجابة لا".

وأضاف "من وجهة نظري النهوض بالسينما السودانية لا يتطلب فقط صناعة أفلام، فمثلا ليست هناك حركة نقدية، ولا دور عرض أساسا. النظام السابق سلمنا دولة منهارة تحتاج إلى نهضة في شتى المجالات ومنها السينما لأنها ليست بمنأى عن محيطها السياسي والاجتماعي".

وتابع قائلا إنّ "صنعنا هذا الفيلم في ظروف صعبة أيام حكم النظام السابق، وكنا نهرب الكاميرا والممثلين ونتخفى حتى لا ينكشف أمرنا. اليوم نحتاج إلى الحرية، الحرية في الإبداع، في التعبير عن الرأي، في صنع أفلام جديدة".

ورغم الصعوبات التي تواجه عودة السينما السودانية، يتمنى قسم الباري، الذي درس السينما في فرنسا وحصل مؤخرا على جائزة مجلة فارايتي لأفضل موهبة عربية صاعدة، أن ينجح في عرض "الحديث عن الأشجار" داخل السودان ويشاهده السودانيون في أقرب وقت؛ وقال "أمنيتي اليوم هو أن نستطيع تقديم الفيلم في نفس ذات دار العرض التي كان الأربعة يحاولون إعادة تأهيلها وتشغليها" معتبرًا أنّه "سيكون أكبر انتصار لهم وللسينما السودانية".