ذكرى رحيل الشاعر توفيق زياد/ نضال حمد

ذكرى رحيل الشاعر توفيق زياد/ نضال حمد

بصمت ومثلما تأتي في كل عام، ومثلما تمر في كل صيف شديد الحرّ ومملوء بالأحزان الفلسطينية المتجددة، تأتي هذا العام ذكرى غياب الشاعر والقائد السياسي الفلسطيني توفيق زياد، الرئيس السابق لبلدية الناصرة ، وأحد أهم القادة الفلسطينيين الكبار في فلسطين ال48 .

في الخامس من تموز – يوليو 1994 وبينما كان الشاعر توفيق زياد عائدا من استقبال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لأول مرة في أريحا وعلى أرض فلسطين، حصل معه حادث طرق مميت أدى إلى وفاته على الفور. فكان ذاك اللقاء آخر حدث سياسي تركه خلفه قبل الرحيل عميقا في تربة فلسطين أرض آباؤه وأجداده الأقدمين.

توفيق زياد من القادة الفلسطينيين الذين التزموا قضايا شعبهم الفلسطيني في أصعب وأدق مراحل القضية الفلسطينية تعقيدا وكذلك في مرحلة تأسيس وتطوير الحركة الوطنية الفلسطينية لعرب الداخل، أي فلسطيني داخل الداخل، الذين ظلوا في فلسطين شوكة بحلق الاحتلال والتهويد والاستيطان وضم الأراضي والترانسفير، فصمدوا وصبروا وتواصلوا ولازالوا صابرين وصامدين ومتواصلين مع شعبهم في الداخل وفي الشتات ومع أمتهم في حرب الوجود أو ألا وجود، فحدود النظرية الصهيونية لا تتوقف عند فلسطين التاريخية.

كان شاعر الناصرة وكل فلسطين، فلسطيني الهوية وصاحب فكر أممي لا يهادن، قاد مع رفاقه من اليساريين الفلسطينيين واليهود حزب راكاح، وعمل في سبيل الحقوق المدنية والقومية للأقلية الفلسطينية التي شاءت الأقدار أن تتحول من أكثرية صاحبة ومالكة للأرض والوطن الى أقلية تتحكم بها قوانين عسكرية وعنصرية، صهيونية- هرتزلية.

أنه لمن الصدف العجاب ان تتصادف ذكرى رحيل توفيق زياد في الخامس من هذا الشهر مع ذكرى رحيل ثيدور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الإجرامية في الثاني من نفس الشهر الجاري. و مع أن الفرق كبير بين المناضل الوطني والأممي توفيق زياد وبين العراب الصهيوني ثيدور هرتزل.إلا أن الأخير نال الكثير من التكريم ليس من اليهود فقط بل، أيضا، من بعض الدول الأوروبية وبخاصة بعض البلديات في المدن الكبيرة والعواصم مثل باريس وفيينا وغيرهم. فبلدية فيينا كان من المفترض ان تطلق اسم هرتزل على ميدان في المدينة تكريما له في ذكرى موته وبمناسبة الأيام الثقافية للعاصمة النمساوية. أما بلدية باريس فقد قررت إطلاق اسمه على شارع في المدينة.

هل هي مساوئ القدر أو مساوئ البشر ،لم نعد ندري لماذا تتمادى العواصم الأوروبية على جراح الفلسطيني ولا تحترم مأساته بل تجعل منها ملهاة للآخرين. إن تسمية الميادين والشوارع باسم هرتزل ليس سوى نسخة عن تسميتها باسم هتلر. فتكريمه يعني تكريم أمثال هتلر، ويعني تكريم الحركة الصهيونية وأفكارها العنصرية الإرهابية التي لا تختلف كثيرا عن أفكار النازية والابرتهايد سابقا. فهل نسيت الدول التي تكرم هرتزل نص القرار الدولي السابق الذي قال حرفيا :" الصهيونية شكل من أشكال العنصرية"..؟؟

توفيق زياد الذي يجب ان يكرم يبقى بلا تكريم ، فأوروبا تكرم عراب الصهيونية بينما تترك شاعرا مغنيا وعذبا مثل توفيق زياد بلا ذكرى وبلا تكريم، ولم يقتصر الأمر على أوروبا، فالدول العربية نفسها لم تكرم توفيق زياد ولم تعطه حقه. والسلطة الفلسطينية مقصرة أيضا في ذلك...

لا تسامحهم يا توفيق زياد ولا تقبل أعذارهم. فأنت اكبر من كل تلك الأشياء وأنقى وأصفى من مكارم الغرباء والأقرباء، أنت شاعر الأرض و قصائدها المدوية، قصائدك التي لا تحرم أرض فلسطين مطر الثورة المستمرة ، مطر الأغاني للشاعر المرهف ، قوي النبرة والكلمة واللفظة، الذي أتحف الشعر الثوري العربي والفدائي الفلسطيني برائعة أناديكم، قصيدة الثورة والغضب والعنفوان التي قام بتلحينها وغنائها الفنان اللبناني احمد كعبور بصوته الجهوري المهيب.

يا رفيقنا توفيق زياد !

لقد تربت أجيال عربية عديدة على قصيدة أناديكم وها هي تشد على أيادي شعبك وتبوس الأرض من تحت نعال أطفال الحجارة وفتيات وشبان الأجساد المقنبلة، التي تدافع عن الأجساد العارية وبيوت الزينكو والطين أمام شراسة العسكرتاريا الصهيونية المزودة بأفضل وأحدث ما أنجبته التيكنلوجيا الأمريكية المميتة.

الفرق كبير بين توفيق زياد شاعر الحرية الحمراء وبين الأب الروحي للإرهاب الصهيوني وعراب التهويد والتصهين هرتزل، صاحب النظريات السوداء. فيا هل ترى من سيكرم شاعرنا الكبير وأحد الفلسطينيين الذين نستهم سنوات الشروخ والشموخ ؟؟، ترى من سيعيد البهاء لذكرى توفيق زياد أحد أبرز الشهداء ؟

في يوم توفيق زياد نعيد تذكيركم ببعض مما كان كتبه لفلسطين وشعبها الجليل :

"محرمات" :


أرضي .. ! أترابي .. !


كنزي المنهوب ..! تاريخي ..


عظام أبي و جدي


حرمت عليَّ ، فكيف أغفر ؟؟


لو أقاموا لي المشانق ..


لست غافر


هذي قرانا الخضر


أضحت كلها دمنا


وآثاراً عواثر


آحادها بقيت،


ومازالت


تحارب بالأظافر


شدّت على أعناقها أنيابهم


تمتص من دمها


كواثر


لا تحك لي .. لا تحك لي !


حتى المقابر بعثرت ..


حتى المقابر ..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018