الصورة القاتمة للثقافة العربية

الصورة القاتمة للثقافة العربية

رسم المشاركون فى ندوة "الثقافة العربية والتحديات الراهنة" في تونس صورة قاتمة لواقع الثقافة فى العالم العربي، وتوقفوا عند أكثر من مصدر للعلل التي تعرقل تفاعل المثقف العربي مع أيقاع العصر، و تهدد كيانه بالذوبان فى ثقافة العولمة.

وشارك فى الندوة التي نظمتها "الجمعية التونسية للدراسات الدولية" و"المكتب الإعلامي الكويتي" بتونس، الخميس الماضي، عدد من الباحثين، خصوصًا من تونس وسوريا والكويت، بينهم سليمان العسكري، رئيس تحرير مجلة "العربي" الكويتية، والمفكر السوري عبدالله تركماني والتونسيون الحبيب الجنحاني، أستاذ الحضارة العربية الاسلامية، وخليفة شاطر ومبروك المناعي، وهما باحثان فى الجامعة التونسية.

وتحدث سليمان العسكرى فى مستهل الندوة عن "الأسباب الفعلية التي تجعل العرب فى حالة تخلف متواصل وإنتاجهم الثقافي هزيلاً وهشًا، فى الوقت الذي أصبحت فيه العولمة ظاهرة لا مفر من التعامل معها والعيش فى ظلها، بكل ما تفرضه من قيود وما تطرحه من فرص".

وأشار إلى أنّ "الثقافة العربية تعاني أزمة فى فكر اللغة وفكر الابداع والفكر الديني وفكر القيم وفكر معالجة التراث".

وقال "إن اللغة العربية، عماد ثقافتنا وأساس عقيدتنا، غير قادرة على مواجهة عصر العولمة، لأنها ما زالت غريبة فى بعض البلدان، بعد ان فشلت سياسات التعريب، كما أنّ مجامع اللغة العربية لم تستطع حتى الآن مواكبة التطورات العلمية...".

وكانت منظمة التربية والثقافة والعلوم (الألكسو) التابعة للمنظمات المتخصصة فى جامعة الدول العربية ومقرها تونس، عبّرت في شباط الماضي عن انشغالها لغياب اللغة العربية عن "العالم الفسيح الذي يمثله الانترنت".

وبحسب تقرير نشرته المنظمة بمناسبة "اليوم العالمي للغة الأم"، تمثل اللغة العربية 4 بالمئة فقط من مجموع اللغات الحاضرة على شبكة الانترنت، في مقابل 47 بالمئة للانكليزية و 9 بالمئة للصينية و 8 بالمئة لليابانية و 6 بالمئة للألمانية و 4 بالمئة لكل من الاسبانية والفرنسية".

وأشار التقرير إلى أنّ اللغة العربية تحتل المرتبة 27 من حيث عدد الكتب المترجمة، وأنّ 6,881 كتابًا فقط تُرجمت إلى العربية منذ 1970.

ولم يحصرالعسكري الازمة التي تمر بها الثقافة العربية فى اللغة فقط، بل تعدتها لتشمل "أوجه الابداع العربي كافة".

وأكد على أنّ "قطاع المسرح والسينما والرقص والموسيقى تطغى عليه ظاهرة الاستيراد والاقتباس".

وأرجع سبب ذلك "الى المبدع والمتلقي فى آن واحد (...) فالمبدع يعاني الشرذمة وتشتت الافكار وقمع السلطات والمتلقي يعاني أمية مُزمنة وفقرًا مدقعًا يجعله عاجزًا عن التفاعل مع أي نوع من الفنون، ناهيك عن تذوقها".

ويصل عدد الأميّين العرب، حسب تقرير داخلي آخر لـ "الألكسو" هذا العام إلى 70 مليونًا!!

ودعا العسكري "المثقف العربي إلى الاستفادة من الفرصة النادرة التي يوفرها تطور تكنولوجيات المعلومات ليتحرر من سطوة المكان ويسترجع حاسته الابداعية".

ولم يستثنِ العسكري العملية التربوية العربية من المشهد الثقافي المتأزم "والتي تبرز أولى ملامحها فى غياب الفلسفة التربوية العربية واكتفائها بسدّ الفجوات التي تعانيها بالاستعارة من الغرب من دون الاهتمام بالخصوصية العربية".

وأكد على "أنّ العولمة تفرض علينا عصرًا جديدًا يتطلب وضع فلسفة جديدة لمفهوم التربية، يتناسب مع عصر المعلومات يقوم على مبدأ الحوار و يخلق روح التفكير النقدي".

وفى السياق نفسه يرى عبدالله تركماني أنّ الثقافة العربية السائدة تمر بمرحلة انحطاط سببه "التراجع عن الفكر العلمي لفائدة الفكر الخرافي، واستفحال ظاهرة الخطاب الماضوي الذي يجهد فى محاولة ارجاع العالم العربي الى العصور المظلمة".

ومن ضمن الاشكاليات الاخرى التي عددها تركماني "إشكالية الخطاب الثقافي المعاصر الذي يرفض الاقتباس من الحضارة الغربية"، وهو فى نظره "خطاب مأزوم".

ودعا التركماني الى "ضرورة التخلي عن فكرة الانكماش" والى التصدي لما يسميه البعض "الغزو الثقافي" لأنها "فكرة بائسة وفاشلة تماما". وطالب "بصياغة استراتيجية عربية للحوار والشراكة مع الثقافات الاخرى".

إلى ذلك أكد المناعي على "انه لا خطر على التنوع الثقافي فى العالم من غلواء حركة العولمة".

وقال إنّ "التجارب أثبتت أن الهُويات والخصوصيات قد تغفو طويلا وتتراجع وتتقلص وتوهم بالامحاء والذوبان والتلاشي وتخمد، حتى يُظن أنها امحت، ولكنها سرعان ما تنفض عنها الغبار وتهبّ حية فتية متكاملة الملامح".

(من نجاح مولهي؛ "ميدل أيست أونلاين")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018