سقوط فلسطين ... من قصيدة الأرض الى قصيدة الكون/ فيصل دراج

سقوط فلسطين ... من قصيدة الأرض الى قصيدة الكون/ فيصل دراج

جديد الفلسطينيين مثل قديمهم، ضنين بالمسرة حافل بالوعيد. وجديدهم اليوم غضب على «مرجع كنسي يدعى ايرينيوس» باع ساحة عمر بن الخطاب في القدس الى «مؤسسة اثار» يهودية، وتوجّس من غلاة صهاينة يريدون اجتياح «المسجد الأقصى». والقديم هو قيام «الدولة اليهودية» وسقوط فلسطين في شهر أيار (مايو)، قبل سنين كثيرة.

فقبل عام 1948 بخمسين عاماً تماماً قررت الارادة الصهيونية ان تجعل من فلسطين دولة يهودية، وكان لها ما تريد من دون نقصان. وبعد أن قامت الدولة، انتظر الحق العربي السليب أكثر من خمسين عاماً وظل معلقاً في الهواء، كما لو كان للزمن دلالة عند العرب تغاير معناه عن غيرهم. ربما كان الفارق الكاسح بين الزمنين هو الذي دفع الفلسطيني اميل حبيبي عام 1993 أن يقبل «جائزة اسرائيل للأدب العربي»، في يوم ولادة الدولة العبرية. كان حبيبي، ذلك الأديب الساخر الى حدود الضجر، قد قرر الخروج من القضية الى التجربة، راضياً بمشاركة المنتصرين احتفالاتهم، بعد أن انتظر النصر وقبض على الهواء.

نقلت العقود التي أعقبت شهر أيار، قبل أكثر من خمسين عاماً، فلسطين من مقام القضية الواضحة الى أرض التجربة. فما كان واضحاً تصدّع وضوحه، وما بدا مقدساً تخفّف من أشياء كثيرة، وتحولت فلسطين الى أرض متنازع عليها، بين أطراف تفصل بينهم القدرة والاستطاعة والكفاية. فقد رأى العرب، بعد «النكبة النكباء»، في فلسطين قضية شفافة محددة المعنى، أطلق عليها لفترة طويلة: «قضية العرب الأولى». ولأنها قضية لها موقع الأولوية، أخذت مزايا لا يماري فيها أحد: الاجماع، الذي يضع الكل في خدمة أمر مفرد جلل، البداهة، التي ترد على القوة بالقوة، وسلطة الحق التي تواجه لها سلطة الاغتصاب. ولعل هذه الصفات، هي التي جعلت المؤرخ الراحل النبيل قسطنطين زريق يرى في النكبة، «ان أحسن العرب التعامل معها»، مدخلاً الى زمن، يحرر العرب من سبات قديم. ترك زريق، الذي كان يضبط كلماته، الباب مفتوحاً لأصوات بلاغية كثيرة، تحدثت عن اليقظة والثورة والانبعاث، وطالبت بقصاص الأشرار ونصرة الحق والذود عن تراث مجيد لا يمكن التساهل مع الذين تطاولوا عليه.

مهما كان العجز العربي فإن الوقائع الوطنية، التي أعقبت سقوط فلسطين، لا تختصر فقط الى بلاغة فارغة وخداع مجاني للذات، فقد سالت دماء عربية كثيرة، وأعطى كثير من العرب أكثر مما يستطيعون. جاء السبب، الذي نقل فلسطين من مقام القضية الى أرض التجربة، من عنصر متعدد الطبقات، يرضي العقول المضطربة ومراجع كثيرة مشغولة بالحسبان، يدعى بسلطة الحق. لكن هذا الحق ما لبث أن أعلن أن سلطته هي من سلطة الذي يقول به، الذي وضع السلطة، غالباً، تحت وسادته واستراح، تجسّد هذا الرضا، في شعار زهيد يقول: ان قضية فلسطين منتصرة لأنها قضية عادلة، الى ان جاء زمن قال: تنتصر القضايا العادلة اذا تم الدفاع عنها في شكل صحيح. وواقع الأمر أن أصحاب الشأن، أي الفلسطينيين اطمأنوا، على طريقتهم، الى بداهة الحق وبداهة انتصاره على غيره. ولهذا قاتلوا في سبيل العودة الى فلسطين، من دون أن يسائلوا كثيراً الطرق المفضية اليها. سلك الفلسطينيون، ولا يزالون، طريق الشجاعة، الذي يرضي نيات الشهداء، ولا يتأمل كثيراً العدو الذي يقاتله الشهيد. بل ان منطق بداهة الحق، لا يتأمل قاعات الأدب الفلسطيني، الذي طالب الأحياء والأموات بالعودة الى ديارهم. كان هناك جبرا في رواياته المطمئنة، التي وحّدت بين الروح الفلسطينية وأرجاء القدس، كما لو كان الاحتلال مرضاً متطفلاً سريع الزوال، وكان غسان في «ما تبقى لكم»، الذي ساوى بين الرغبة والارادة، ونصّب جمالية الارادة درباً حنوناً الى فلسطين. غير ان منطق الرواية ما لبث أن أدرج الفلسطينيين والعرب بين طياته، معلناً ان الطريق تخادع السائر فوقها، وأن في النهاية ما يسخر من البدايات سخرية حارقة. سار الفلسطينيون الى أرضهم محاصرين بالمجازر، مؤمنين بأن يوم «الثلثاء الحمراء» سيدلهم الى الطريق، وأن للحق أجنحة في الفصول جميعاً.

بعد عقود من مطاردة القضية كان على الفلسطينيين أن يقعوا في تجربتهم، وأن يكتفوا بشجاعة يومية. كلما قفزت فوق جدار واجهها جدار. انزاح هؤلاء الى التجربة التي أعادت تعريف القضية، مطاردين بمعارك، ترضي الأخلاق والكرامة والموروث، قبل أن تنتهي الى البيت المحاصر أو المقبرة. سقط الفلسطيني، بعد الإجماع السابق، في العراء، وتشظّت بداهة المقدس الى وجهات نظر متناقضة، وما بدا حقاً يفضي الى الجنة بدا مخلوقاً غير مرغوب به. ولأن التجربة هي الاسم الكئيب الذي يطلقه البشر على أخطائهم، كان على الفلسطينيين أن يحتفظوا بالأمل وأن يضعوا خيباتهم في حقائب واسعة، منتقلين من خيار الى خيار من دون أن يصلوا الى الخيار الأخير. فبعد الخروج من بيروت ذهب زمن الكفاح المسلح وجاء زمن «المفاوضات»، كي ينفتح على زمن حزين هجين، لا يرحب بالكفاح المسلح ولا ينظر الى المفاوضات باحترام كبير. كل شيء التبس بالخيبة والانتظار، الا من ذكرى المجازر، التي يمحو بعضها بعضاً.

ابتلعت التجربة القضية وعاد الفلسطينيون الى بلادهم ولم يعودوا وصمتت البنادق ولم تصمت وحل السلام ولم يحل وتعب الفلسطينيون ولم يتعبوا وظلت «الدولة» قائمة وتوطدت أركانها... كأن: «لا جديد تحت الشمس»، فبعد النكبة النكباء جاء أحفادها، وبعد أكثر من هزيمة غدا التداعي سيد المكان. وواقع الأمر أن ما تداعى هو ليس القضية الفلسطينية، بل العالم العربي، الذي وعد يوماً باستعادة «الحق السليب». فما قال به قسطنطين زريق تلامح ذات مرة، حين كانت المظاهرات الشعبية تملأ الشوارع، معبرة عن ارادة مجتمعية تعرف السياسة. وتمارسها، وتدرك ان السياسة برهان على وجود المجتمعات والأمم، في انتظار زمن لاحق اعتقل المجتمعات العربية وصادر السياسة، ولهذا فإن المأزق الفلسطيني اليوم، جزء بالغ الصغر من مأزق عربي أوسع منه. لا غرابة أن يصبح اليوم الحديث عن «المجتمع المدني» هرطقة في كثير من البلدان العربية، علماً أن هذا المفهوم ظهرت بداياته في القرن السادس عشر. ولا عجب أن تغدو «القومية العربية» موضوعاً للسخرية والاستنكار، وأن تظل مواقع قسطنطين زريق وجمال حمدان ومهدي عامل وياسين الحافظ وغيرهم شاغرة فارغة، كأن سقوط فلسطين سقوط للفكر العربي النقدي وكذلك حال الابداع الأدبي الذي أرهقته مجتمعات مغلقة فرحة بانغلاقها، تستهلك ما تستطيع وتلوذ بـ»الأصالة».

انتقل الفلسطينيون، قبل غيرهم، من القضية الى رحاب التجربة، ومن حرية البطولة الى ضرورة الشجاعة. فالبطولة فعل متفائل يرى مشروعه من البداية حتى النهاية، على خلاف الشجاعة التي هي واجب حزين من واجبات النهار. رحل زمن الأبطال الحالمين ودخل شعب الى حقبة تمزج الموت بالحياة، ولا تعد بشيء كثير. بلغ الفلسطينيون، بهذا المعنى، تخوم مرحلة مأسوية غير مسبوقة قوامها: الرحيل من المعلوم الى المجهول، اذ بين الانسان ورغباته جدار كتيم، واذ بين الكلمات ودلالاتها مساحة شاسعة، فما كان قد كان وما سيكون قد كان ذات مرة، والزمن جراب مثقوب ترتقه القواميس. انه زمن الاكتشاف، الذي يفرض على الفلسطيني أن يكتشف الدرب الذي يسير فيه، قبل أن يطمئن الى رغباته والى رنين اللغة. كان هذا المجهول، ربما، هو الذي جعل محمود درويش ينتقل مبكراً من «قصيدة الأرض» الى «قصيدة الكون»، التي تتأمل صراع القيم في فضاء انساني رحيب لا حدود له.

حين قبل ذلك الساخر الى حدود الضجر، اميل حبيبي، جائزة الابداع في يوم سقوط فلسطين، كان يرحل عن أرض المعلوم الى ديار المجهول، مؤمناً بأن التجربة اليومية الحارقة أكثر اتساعاً من بداهة القضية، وأن الجزء المجزوء أكبر من الكل، الذي يشرف عليه من سماء عالية.

في يوم سقوط فلسطين يدافع الفلسطينيون عما تبقى منها، وعن موروث عربي – اسلامي باعه «رجل دين»، الى شركات السياحة اليهودية.