إذ قال يوسف: عندما وقف يوسف وحيداً من جديد / رجاء غانم

إذ قال يوسف: عندما وقف يوسف وحيداً من جديد / رجاء غانم

أعتقد برغم كل ما لدي من أفكار حول مسرحية "إذ قال يوسف" أن هذه المسرحية عمل ضخم ومهم للغاية ،أعدَّ له بذكاء ومهنية عالية على مستويات مختلفة.
المسرحية تتحدث عن قرية (بيسمون) التي تم تهجيرها ضمن مئات القرى والمدن الفلسطينية التي عانت ذات المصير عام 48 .
بعض عناصر المسرحية الفنية جاءت غنية وجديدة بل وصلت لدرجة عالية من الروعة، جعلت الماء ينساب بهدوء فوق خشبة المسرح حتى غطّاه بالكامل.هذا الانسياب للماء على المسرح في القسم الأخير من المسرحية والذي ظننتُ بداية أنه قطرات خفيفة وستنتهي ،واصل انهماره بما يشبه السيل لا القطرات لدرجة أرعبت بعض الحضور وأربكتهم ،وهذا بحدّ ذاته تحدٍ صعب لكل من تفاجأ بسيل الماء هذا.
ما الجديد في الماء ؟ولماذا الماء؟ أعتقد لأنه عنصر الطبيعة الأكثر مرونة والعنصر الأقرب والأكثر رمزية للذاكرة، للتدفق، لكل ما يمشي بعكس النسيان أو الهجران فالعنوان الأول للمسرحية هو النكبة بكل ما حملته من ضياع وتفتيت للهوية الشخصية والجمعية لعدد كبير من البشر الذين هم محطات وذاكرة من الأحداث وهنا كان عنصر الماء وتدفقه عاملاً ساحراً في خلق هذا الجو والتساؤل فوق خشبة المسرح.
وكما نقرأ في كتيّب المسرحية فإن المخرج والكاتب أمير نزار زعبي ينظر بعينه الخاصة للنكبة وروايتها على أنها "قصة بشر ،كل أنواع البشر ،الذين مروا بصدمة أليمة ".
التناص الديني: إلى أين؟
هذا من ناحية من ناحية ثانية كانت قصة النبي يوسف والبئر حاضرة بتصرف في هذه المسرحية، فالقصة الدينية المعروفة تخبرنا كيف اضطّهد يوسف من قبل أخوته وكيف رموا بئره بالحجارة لأذيته وإقصائه.أما في حبكة هذه المسرحية فإن البئر ارتبطت بمشكلة يوسف التي تسبب بها بشكل ما أخوه علي. وبقي بعدها يوسف يقف على حدود الجنون والغربة والسذاجة.
الوالد الغاضب أمر بردم البئر. وعلي عاش حياة كاملة مع أخٍ يَسِمُه الجميع بالبلاهة فيطعنون علياً ألف مرة. مرةً لأنه أخاه. ومرات لأنه وكما احتفظ بسرّه العتيق، سبب هذه البلاهة ،حيث تسبب بوقع أخيه يوسف في البئر.
أعتقد أن هذا التناصّ الديني لم يكن موفّقاً تماماً. حيث نرى يوسف في المسرحية على علاقة طيبة مع أخيه. الذي يوسعه ضرباً في كثير من الأحيان، ولكن برغم ذلك تربطهما علاقة أخوّة قوية وحميمة. على عكس القصة الدينية التي تمتلئ برموز رفض يوسف وكراهيته من قبل أخوته. إلا إذا فسّرنا هذا التناصّ على أنه حرب يوسف ضد الأنا الجمعية ضد اضطهاده كإنسان بسيط " بعقلٍ محدود".

يوسف الذي يشكل "ثيمة" هذا العمل من ناحية العنوان والأداء كان العين المبصرة الوحيدة. أو فلنقل أنه الذاكرة المنسابة "الماء" والتي تسطع بقوة برغم المحدودية والسذاجة الظاهرية وضيق الظرف الذي هو هنا الترحيل والشتات.
فنراه في نهاية العمل يعلن أن ردم البئر كان (خطيئة) لأن الماء جميل وضروري ليقول لنا أن الحياة برغم كل شيء تمضي وحتماً لأن ردم البئر يرمز لردم الذاكرة ومنع تدفقها باعتبار أن "عنصر الماء" كان رمزاً لها.
أعتقد أن عناصر ضعف هذه المسرحية تكمن في النص الذي يسقط في أحيانٍ كثيرة في الشعارات المكررة والكربلائيات. وفي تطويل لا مبرر له خاصة في مشاهد الأغنية الخاصة بالماء والجرار. هذا الضعف برأيي كان يمكن تلافيه لو أن المخرج اقتنع بانفراده بالإخراج (وقد كان رائعاً برغم كل شيء) وأسند قضية الكتابة لشخصٍ آخر.
أداء العنصر البشري على المسرح كان متناقضاً بشكل مخيف. فمن الأداء المبهر والجهد الجبار للممثل عامر حليحل ،إلى الأداء المصطنع ،وأحياناً الباهت لبعض الشخصيات الأخرى. خاصة أن المسرحية تعيش أحداثاً متوترة ومتقلبة تتطلب تصاعداً درامياً معيناً للشخصيات. هذا ما لم نره عند الشخصيات باستثناء شخصية يوسف. كذلك كان إقحام الضابط الإنكليزي مبالغاً فيه ومفتعلاً. وكان يمكن أن يُختصر حضوره المطوّل في أكثر من مشهد. وإن كان حضوره مرتبطاً بعملية الإنتاج الذي يشارك فيه بريطانيون ،فقد أمكن أن يتم توظيفه بشكل مختلف.
لسبب ما أعتقد أن هذا النص تجريبي. وأعتقد أنه تجربة ممتعة وصعبة ومثيرة لكل من عمل فيه. وربما لكثيرين ممن شاهدوه. وربما يعيد القائمون على العمل النظر في بعض جوانبه. ويستفيدون من كل الملاحظات والنقاشات التي تدور حول المسرحية. ولكل هذه الأسباب كتبتُ ما كتبت. علَّنا جميعاً ندير حواراً طويلاً ومعمّقاً حول طرق التجريب ونصوصه المختلفة. وهذا بحدِّ ذاته مرحلة متقدمة وهامة باتجاه حركة مسرحية جديدة في بلادنا.

.