في وداع أنيس صايغ: هوى نجم ساطع من سماء الوطن

في وداع أنيس صايغ: هوى نجم ساطع من سماء الوطن

.. نرثي رجلاً قضى العمر كداعية للتحرير بالمقاومة المسلحة والفكرية ودفع ضريبة الدم من أجل فلسطين.

كم هو مؤلم هذا العام الذي أصر أن لا يودعنا إلا بعد أن يختطف من بيننا رجلاً من خيرة رجالنا، رجلاً كرس حياته ونضاله، وبذل عمره كاملاً من مطالع شبابه وحتى الرمق الأخير من حياته الزاخرة بالعطاء والنضال في سبيل فلسطين ومن أجل شعبها، وكان دوماً معول بناء وتشييد، ورمزاً للاستقامة والنقاء الثوري.

ولكم يعتصر القلب ألماً عندما نفارق شخصية فذة ونادرة في حياتنا المعاصرة، مثل الدكتور أنيس صايغ.

أنيس عبدالله صايغ، نسباً، هو السوري، المولود في 3 تشرين ثاني/نوفمبر 1931 في طبريا، وهويةً، هو الفلسطيني العربي الذي يجمع في زخمه الثوري دمشق وبيروت وعمان وباقي عواصمنا العربية . وقد عاش ملامح الوطن المغتصب بكل جوارحه، وعاشت ملامح الوطن الثائر في ثنايا وجهه وذاكرته وعقله.

ترجل الفارس ولواء التحرير ما زال يرفرف..

يوم الجمعة 25 كانون الأول/ديسمبر 2009 ترجل الفارس الذي قضى العمر مناضلاً عربياً.. كداعية للتحرير بالمقاومة المسلحة والفكرية والوعي والمعرفة. ولقد أعطى الفقيد القضية الفلسطينية المستوى الفكري الذي تستحق، وصاغ عصارة فكره في مجموعة كبيرة من المقالات والبحوث والدراسات التي حملت هموم وطموحات جيل بأكمله، وأثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والترجمات.

وقد كان أكثر من غيره اهتماماً بالمستقبل وبالتخطيط المسبق، ويرى أنه ربما كان في البلاد ما يكفي من المقاتلين، لكن المؤكد أنها بحاجة ماسة إلى آلاف المتعلمين وأصحاب الاختصاص. والصايغ هو من الرعيل الأول الذي رفع لواء تحرير الوطن، وأكد على حق شعبه في العودة إلى فلسطين، التي يكمن سرها في أنها أكبر من كل من حاول ويحاول سرقتها.

وقد عاصر الدكتور أنيس صايغ مراحل الوجود الفلسطيني في لبنان منذ العام 1948 وحتى تاريخ رحيله قبل أيام، وكان شاهداً على الاجتياح الصهيوني لبيروت، وعلى خروج قوى المقاومة الفلسطينية منها العام 1982، ولقد تغلب على مصاعب كثيرة، وواجه آلامه بشجاعة مشهودة، ونجا من الاغتيال مراراً، بعد أن حاول العدو الصهيوني اغتياله أكثر من مرة، أبرزها كانت الرسالة المفخخة التي بترت أصابع يده وأفقدته بعض الحواس، السمع والبصر والشم، كأن العدو أراد أن يفقده القدرة على ممارسة هوايته المفضلة القراءة ومهنته الكتابة، ولكنه وجد في زوجته الدكتورة هيلدا شعبان ومساعديه ومحبيه العوض فيقرأون له ويملي عليهم عصارة أفكاره، فتمكن من قهر العدو الصهيوني، الذي استهدف أيضاً مركز الأبحاث بعدة اعتداءات إرهابية كان آخرها سرقة أرشيف ومكتبة المركز في بيروت عام 1982 ولكن لم يثنه ذلك عن متابعة نضاله القومي حتى الرمق الأخير.

وفي خضم هذه الأحداث كلها كان الصايغ مناضلاً صلباً وعنيداً، وكاتباً مرموقاً أوقف قلمه على النضال في سبيل انتصار مبادئه، وانتصار الحق على الظلم، وكان يُحسن اختيار الكلمات والعبارات لعلمه المسبق بفعل وتأثير الكلمة إنسانياً وتاريخياً.

يقول الدكتور أنيس: (واصلنا تحدي العدو. وكان الصمود ومتابعة المسيرة هو الرد الأقوى على المحاولات الإرهابية. ولو لم يكن عملنا يخيف العدو ويؤذيه مباشرة لما كان حرصه على إلغائنا نحن أكثر من سائر الدوائر والمؤسسات والهيئات الفلسطينية، التي أعلنت الحرب على (إسرائيل)، بمجرد قيامها وبقائها. وهكذا كنا، في المركز، ننظر إلى الاعتداءات كأوسمة شرف وكاعتراف من العدو بأننا نهدد وجوده. كنا نؤمن بأن المعركة الثقافية مع العدو هي من صميم الحرب، وهي من أمضى الأسلحة لأنها هي التي ترشد الأسلحة الأخرى وتعزز قوتها)..

يأتي رحيل المفكر الدكتور أنيس صايغ، بعد شهور قليلة من رحيل سنديانة فلسطين اليافاوي اللبناني، المفرط في فلسطينيته، المعلم والقائد شفيق الحوت، ولكم هو مؤلم أن نودع مثل هؤلاء الرجال.. لكنه القدر الذي لا مفر منه.

يقول الدكتور عزمي بشارة عنهما: (لمن لا يعرفهما، شفيق الحوت وأنيس الصايغ شخصان مختلفان إلى أقصى درجة يمكن أن تتصور. شفيق الحوت ابن يافا، رجل الساحل السوري، ابن فلسطين وسليل لبنان، حاد حاضر البديهة منطلق جهوري واثق، كأنه ولد لكي يكون قائداً، كاريزما تمشي على رجلين. وأنيس الصايغ مثقف ورجل صلب لكنه خافت هادئ مؤدب إلى درجة الاعتذار.

لكنْ كليهما يختلف بدرجة أكبر عمّن مثل الفهلوية السياسية والفساد والإفساد وبهدلة المؤسسات في القيادة الفلسطينية. الجمع بين التنور والبحث عن العدالة للشعب الفلسطيني، بين المناقبية والعقلانية، بين بناء المؤسسات والنضال يجمع شفيق وأنيس… إنهما رمز جيل يجسد ليس بالحجة المبرمة ولا بالشعار الثوري، بل بالسيرة الشخصية والعقل والروح والنفس والخلق وحدة سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، وبطْلان سايكس بيكو. وطنيان فلسطينيان لم يتخلّيا عن القومية العربية.

ممثلا جيل يستطيع بسيرته الصادقة أن يفهم جيلًا وُلد في ظل الحدود أنه لا يجوز تصديق ما صنعه الاستعمار، فضلاً عن التعصب لما صنعه. كم يجسد الرجلان ما كان يمكن أن تكون بلادنا عليه).

يتشابه الرجلان إذن في الثبات على الحق الفلسطيني، بعد أن قضيا العمر بعيداً عن أرض الوطن، مدافعين عن فلسطين، رافضين لكل محاولات التنازل عن الحقوق الوطنية لشعبنا وقضيته. وقد شاء الله عز وجل أن يرحلا عنا في نفس العام، لتغص النفس بحسرة ومرارة تكاد لا توصف من كثرة الموت الفلسطيني اليومي، ففي هذا العام حرصت آلة القتل الصهيونية على القتل بالجملة ليكون عام (2009) الأكثر دموية للفلسطينيين في العقدين الأخيرين من الصراع مع العدو الصهيوني، حيث سقط أكثر من 1400 فلسطيني جراء العدوان الصهيوني الغاشم على قطاع غزة المحاصر صهيونياً ومصرياً بمباركة من زمرة المقاطعة السوداء في رام الله المحتلة.

وفي هذا العام أيضاً ودعنا القياديان الحمساويان الشهيدان سعيد صيام والشيخ نزار ريان، وكذلك الدكتور سمير غوشة، أمين عام جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وعضو تنفيذية منظمة التحرير ، والقيادي الفتحاوي صخر حبش (أبو نزار).

وأمام هذا المشهد الدموي الدامي أُقر أن قاموس المراثي قد فرغ، وأن الكلمات فقدت معناها من كثرة تكرارها، فماذا عسانا نقول في حق علم من أعلام النضال القومي ضد العدو الصهيوني، عبر مشاركته مشاركة فعالة في الجبهة الفكرية والثقافية التقدمية الفلسطينية العربية، وعبر كل ما كتبه كقائد رأي ومفكر وباحث ظل حتى أيامه الأخيرة، في كتاباته، على نباهة مَن لم يوهن طاقته ثقل المعرفة.

ولمن لا يعلم فإن الدكتور أنيس صايغ، ومنذ اللحظة الأولى لتوقيع اتفاقيات أوسلو المذلة المشؤومة، أعلن رفضه لها ولم يتراجع أبداً عن موقفه الرافض لكل اتفاقيات الاستسلام والعار، وما جرته من ويلات على مصير القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين تحت الاحتلال وفي الشتات، وكان يجاهر بنقد الخطأ في القيادة، حتى لو كلفك ذلك ما كلف.

وقد وجه انتقادات لاذعة للرئيس الراحل ياسر عرفات ولنهجه وللقيادة الفلسطينية السائرة في ركب أوسلو ، لأنها قدمت التنازلات المجحفة في حق شعبنا الفلسطيني في صراعها مع العدو وآلته القمعية، مما أدى إلى نسف مسيرة النضال الفلسطيني والتفريط بكل الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ولقد كانت معارضة الصايغ للعملية السلمية تستند إلى إيمانه بضرورة السير في طريق آخر غير الاستسلام. وظل يردد دوماً (أنا فلسطيني يؤمن بتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها وعربي يؤمن بوحدة الأمة عبر نضال مشترك).

«أنيس صايغ عن أنيس صايغ» سيرة ذاتية ـ صادرة عن دار رياض الريس للكتب والنشر، في بيروت، في أيار /مايو 2006، في (534) صفحة قطعاً كبيراً، وهي تضم تسع محطات رئيسة في حياة المؤلف.

المحطة الأولى بعنوان: «في المنبت» والمحطة الأخيرة عنونها « في التقاعد » ـ وفي سيرته الذاتية هذه ـ يكتب الدكتور أنيس عن طفولته في طبرية وعن أشقائه فايز ويوسف وتوفيق، ويكتب عن البيت والمكتبة ومحورية الثقافة في بيت القس، ويشرح بدقة دون كلل كأنه ما زال يحاول أن يوضح لبيروقراطيين في جهاز المنظمة من أين تأتي أناقته وجديته ودقة مواعيده واهتمامه بالمستوى الأكاديمي للمادة التي يقوّمها في مركز الأبحاث، كأنها كانت بأعينهم تهم تحتاج إلى تبرير.

وفي سيرته ينتقل الصايغ إلى الحديث مطولاً في فصل عنونه: (في العلاقة مع السيد ياسر عرفات…)، وفيه يسهب لتبرير العلاقة المتوترة مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان يضع العصي في دولاب عمله، مع أن ياسر عرفات كان بشكل أو بآخر رئيسه المباشر حيث أن مركز الأبحاث كان أحد روافد منظمة التحرير الفلسطينية، يقول الدكتور أنيس في هذا الخصوص: (أما أن يُعتب علي بأني أنبش صفحات من الذاكرة عن عرفات بعد رحيله فأمر مردود ومرفوض، لأن هذه الصفحات جزء أساسي من تاريخ شعب وقضية وثورة. وإن تجارب المرء الشخصية حق من حقوق الأمة وتراثها الثقافي والسياسي والنضالي وليست ملكاً لفرد يستأثر بها ويتستر عليها، رحم الله ياسر عرفات).

ويكشف الصايغ صفحات من تلك الأيام: ( بعد تعاظم سمعة المركز فلسطينياً وعربياً وعالمياً، راح عرفات يُبدي اعتراضه على استقلالية المركز، ويحاول السيطرة عليه بالتهديد والتحريض والضغط. في النهاية، نجح في قتل المركز والمجلة. وفي أوسلو سقط القناع نهائياً عن وجه عرفات وعن وجوه معاونيه وحاشيته. كان لا بدّ من شطب النضال الثقافي لتحقيق الاستسلام السياسي).

تقول له إنّ كثيرين لم يحبِّذوا أن يوثِّق تجاوزات أبو عمار في فصل كامل من مذكراته. يجيب: (أنا لم أوثِّق بل كتبت ما كان يحدث. الذين احتكّوا بعرفات يعرفون قصصاً أسوأ مما حدث لي. المؤسف والخطير أنّ هؤلاء حوّلوا ذلك إلى نوادر ودعابات).

ويضيف : (كان عرفات يريد أن يكون المركز ومنشوراته وباحثوه رجال إفتاء يجيزون الأفكار والآراء والأحكام التي يريدها حسب مزاجه وفهمه للأمور). وهو يقول: (لم يكن لعرفات مآخذ واضحة وصريحة ومباشرة على إدارتي لمركز الأبحاث).

وفي المقابل، كان العدو من موقعه المتقدم في الجنوب اللبناني يرصد تحركات أنيس صايغ وكتاباته!!

ويختم الدكتور أنيس صايغ سيرته الذاتية قائلاً: (في طبريا وعلى الطريق إلى طبريا، ومن أجل طبريا، يطيب الموت، لأن المرء يموت واقفاً، وكأنه لا يموت. هناك يتساوى الموت مع الحياة حلاوة. ودون ذلك تتساوى الحياة مع الموت مرارة).

في شقته التي لا تزال بالإيجار، تأتيه أحلام متكرّرة يحوم فيها حول بيت العائلة القديم في طبريا ولا يدخله. يخبركَ بأنّ مستوطناً يهودياً جاء من الصين وحوّل بيتهم مطعماً للسمك. ثم يضيف بأسى: (التقيت بمطران القدس للبروتستانت في بيروت قبل أيام، فأخبرني أنه تغدّى في بيتنا قبل فترة ووعدني بإحضار صور له).

أحلام العودة تُذكِّره بأمكنته الأولى، وبحلم إنجاز كتاب العمر عن طبريا. يتنهَّد ويقول: (لا أظن أن حق العودة سيتحقق في الأيام الباقية لي. أما الكتاب فلن يرى النور لأن عينيَّ لن تساعداني على عمل كبير كهذا).

ويروي المرحوم الأستاذ شفيق الحوت المقتلع من يافا أنّ ابنته سألته: لماذا يتحدّث عمّو أنيس كثيراً عن جمال طبريا؟ فأجابها: لأنه لم يرَ يافا). الحوت قال ذلك على سبيل الدعابة، لكن الشجن الغائر تحت هذه الدعابة يوحي بأنّ لكل فلسطيني حكاية مع مسقط رأسه. وهذه هي حال أنيس صايغ مع طبريا التي وصفها في مذكراته بـ «سيّدة المدائن».

بعد إنهاء دراسته الثانوية، أراد الدكتور صايغ أن يدرس التاريخ، لكن الجو السياسي والحزبي المحموم في الجامعة الأميركية، وتزامن ذلك مع نكبة فلسطين، أوقعه في فخّ السياسة. غير أنه جمع لاحقاً بين شغفه بالتاريخ وتخصّصه في السياسة من خلال عمله مديراً لمركز الأبحاث الفلسطيني وإشرافه على الموسوعة الفلسطينية.

قبل ذلك، سينشر، طالباً، مقالاته التاريخية الأولى في جريدة «الحياة»: (كنتُ أذهب مع هشام أبو ظهر إلى مكاتب «الحياة» في «الخندق الغميق»، وننتظر خروج صاحبها كامل مروّة. ندخل ونسأل عنه فيقول لنا البواب إنه غير موجود، فنترك المقال على مكتبه. كنتُ أخاف أن يكتشف أني لا أزال طالباً صغير السن، يكتب في موضوعات أكبر منه. مرة أُعجب بمقالاتي وأضاف لقب «الدكتور» إلى اسمي. وحين أوضحتُ له في مقالة لاحقة أني ليس دكتوراً، استمر بمنحي اللقب ظانّاً أنّي أتواضع، إلى أن هاتفه أستاذي نقولا زيادة غاضباً ومستنكراً، فعاد اسمي من دون اللقب الفخري).

بعد التخرج من الجامعة الأميركية ببيروت عام 1953 حتى التحاقه بجامعة «كامبردج» عام 1959 كتب في جريدة «النهار» و«الأسبوع العربي». في تلك الفترة، أصدر كتابه الأول: «لبنان الطائفي». ثم ابتعد عن القوميين وصار ناصرياً. نشر كتباً أخرى وعمل في تحرير عدد من الموسوعات والقواميس، قبل أن يبدأ مشروع حياته.

وفي عام 1966، وصلته ـ وهو في لندن ـ برقية من شقيقه الدكتور فايز الذي كان قد أسس مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية أوائل عام 1965، يطلب منه الاجتماع مع الأستاذ أحمد الشقيري، رئيس المنظمة آنذاك، للبحث في مشروع سبق أن تحدث معه بشأنه وهو إصدار موسوعة فلسطينية. قدم فايز استقالته، وكُلِّف أنيس برئاسة المركز والعمل على إنجاز الموسوعة معاً.

طوال عشر سنوات، استأثر المركز بكل طاقته ووقته ووجدانه، كان مركز الأبحاث أهم إنجاز ثقافي فلسطيني، هناك عمل وتدرّب عشرات الصحفيين والكتاب والمثقفين الذين يعتبرون مرورهم بالمركز لحظة تاريخية ومفصلية في مسيرتهم الثورية والإبداعية الشخصية.

وقد حقق الدكتور أنيس صايغ انجازات هامة وكبيرة من خلال عمله في العديد من المواقع منها: مدير عام مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية (1966-1976)، مؤسس ورئيس تحرير مجلة شؤون فلسطينية (1971-1976)، رئيس تحرير اليوميات الفلسطينية (1966-1976)، المشرف على سلسلة دراسات خاصة (1970-1976)، ممثل فلسطين في اللجنة الدائمة للإعلام العربي (1969-1970)، مستشار الأمين العام لجامعة الدول العربية (1977-1987)، رئيس وحدة الدراسات في الجامعة (1980-1982)، مشرف على لجنة الترجمة والتعريب في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم(الألكسو) (1981)، عضو لجان إستراتيجية الثقافة العربية وتعديل ميثاق الجامعة العربية (1981-1985).

وهو مؤسس ورئيس تحرير كل من "المستقبل العربي" و"شؤون عربية" و"قضايا عربية – السلسلة الجديدة (1978-1982)، وله الفضل الكبير في اطلاق مشروع الموسوعة الفلسطينية منذ 1966 ومستشار المشروع منذ 1978 ورئيس التحرير منذ 1982 ورئيس مجلس الإدارة منذ 1988، كما كان مستشار مشروعي الموسوعة العربية في دمشق وبغداد والموسوعة الفلسطينية الميسرة في عمان.

وكان عضو المجلس الوطني الفلسطيني ونائب رئيس المؤتمر الوطني الفلسطيني والناطق باسمه، وعضو لجنته وممثله في لبنان، ومؤسس اللقاء الثقافي الفلسطيني في بيروت ومنسقه العام منذ 1992.

وقد تابع بدأب من خلال الدراسات الموثقة أكاديمياً قضايا العدو إلى جانب المؤلفات التي تتناول موضوعات القضية الفلسطينية.

في نهاية المطاف نقول بألم شديد: نعم لقد غيب الموت مفكراً وقائداً كبيراً في وقت عصيب يعيشه شعبنا وقضيتنا. بعد أن انتهى المطاف بالثورة إلى سلطة فاسدة متآمرة تقوم بوظيفة شرطة الاحتلال .

ترجل الفارس الكبير بعد مسيرة كفاح طويلة قضاها مدافعاً عن القضية الفلسطينية، ويا للأسف مدافعاً عنها من بعض أبنائها الذين ضلوا الطريق، وساروا في ركاب دايتون وحاملي جوائز نوبل للسلام ( الإرهابي إسحاق رابين ومؤخراً الرئيس الأمريكي باراك اوباما) ولكن روح الرجل ومآثره باقية، وسيظل اسمه باقياً في سجل الخالدين.. سجل الوطنية الفلسطينية، وهو لن يبارح ـ كأي رمز من رموز فلسطين الأرض والتراث والهوية ـ وجداننا، فقد كان ينضح فكراً منتمياً لفلسطين. وسيبقى جزءاً من الذاكرة الفلسطينية الوطنية، التي تستعصي على النسيان..

وهنا أتذكر كلمات المعلم الراحل شفيق الحوت في رثاء المفكر الدكتور فايز صايغ (1922- 1980)، شقيق أنيس الذي يكبره بتسع سنوات، حيث قال: (يكتشف المرء أنه ليس كل من عاش عاش، وليس كل من مات مات… لا يموت إلا من عاش لذاته، ولكن من عاش لغيره، للناس، للمثل العليا، لقيم الخير والحق، فإنه يرحل، يغيب، ولكنه لا يموت… قضيته كانت قنديل مشواره في هذه الدنيا، يستعين به بحثاً عن طريق، عن عقيدة، عن حزب، عن قائد، عن فكرة، عن أي خشبة خلاص تضع حداً لمأساة شعبه … مأساة عمره).

هذه الكلمات الصادقة التي قالها الحوت في حق فايز الصايغ تليق أيضاً بأنيس وبشقيقهما الأكبر الاقتصادي الدكتور يوسف (1916 ـ 2004)، وكذلك شقيقهم الرابع الشاعر توفيق (1923-1971)، ذلك أن أربعتهم قدموا الكثير لفلسطين، كلٌ في مجاله ومن موقعه المؤثر، ولا أجد ضيراً في هذه المناسبة الأليمة من أن أعرف القراء بالصياغ الثلاثة ( يوسف وتوفيق وفايز)، تغمدهم الله بواسع رحمته، تقديراً لما قدموه، وحتى يتسنى لنا معرفة المناخ المعرفي والثقافي والنضالي الذي عاش في رحابه الراحل الكبير أنيس صايغ، أي «المنبت»، العائلة الكبيرة ـ سبعة أولاد وبنت واحدة ماري ـ وكان أنيس آخر حبة في عنقودها، أما الوالدان فهما القسيس الإنجيلي عبدالله الذي ولد في قرية خربا الحورانية، وعفيفة من البصة على الشاطىء الفلسطيني، وقد ولد أنيس وبعض من إخوانه في طبريا على شاطىء بحر الجليل. وبعد نزوح صايغ الأب مع العائلة إلى لبنان اثر النكبة، استعاد جنسيته اللبنانية عام 1958 ثم جنسيته السورية عام 1973.

الانتماءات الثلاثة جعلت الإخوة قوميين سوريين بالولادة. يوسف وفايز كانا عضوين في الحزب القومي السوري. أما أنيس فكان واحداً منهم من دون عضوية رسمية. ولم يكتفِ أنيس بهوياته الثلاث، فزادها بزواجه من أردنية. يضحك حين يقول له الأصدقاء إنّه جمع مجد الحزب من أطرافه..

ولد يوسف سنة 1916، في قرية خربا بمحافظة السويداء السورية، وانتقل والده القس عبدالله صايغ مع عائلته إلى قرية البصة شمالي فلسطين ثم إلى طبريا سنة 1930، وبقي والده قسيساً لمدينة طبريا حتى نكبة 1948، فالتجأت عائلته إلى بيروت.

نال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، عمل أستاذاً للاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت (1954 ـ 1974) وأستاذا مشاركا زائرا في جامعتي «هارفرد» (1959 ـ 1960) و«برنستون» (1960 ـ 1961)، وعمل منذ عام 1974 مستشاراً غير متفرغ لمجلس التخطيط في الكويت، ولمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، وللصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ولجامعة الدول العربية.

وشغل في منظمة التحرير الفلسطينية منصب رئيس مركز التخطيط، ثم عضو اللجنة التنفيذية، ورئيس الصندوق القومي الفلسطيني (1968 ـ 1974) كما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني منذ إنشائه عام 1964. وعضو المؤتمر القومي العربي، وله العديد من المؤلفات.

والدكتور يوسف هو الوحيد، من بين أشقائه، الذي حظيت بشرف التعرف عليه، فقد التقيته مرات عديدة، في مؤسسة «صامد»، في مقرها الرئيس في العاصمة التونسية. كان رجلاً دمثاً، دافئاً ومتحدثاً لبقاً، يأسرك بأحاديثه عن الوطن والمنفى والترحال، وزخم سنوات النضال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

وقد توفى الدكتور يوسف بتاريخ 12/5/2004.
ولد توفيق سنة 1923 في قرية خربا، تلقى دروسه الابتدائية في طبريا والثانوية في الكلية العربية في القدس، ثم في الجامعة الأميركية في بيروت وتخرج منها سنة 1945.

عمل أستاذا في مدرسة الروضة في القدس، ثم موظفاً في دائرة الترجمة التابعة لحكومة فلسطين، فمدرساً للأدب العربي في الجامعة الأميركية في بيروت، فأميناً لمكتبة المركز الثقافي الأميركي في بيروت (1948 – 1950) وكان في الفترة نفسها محرراً لمجلة «صوت المرأة».

وعمل من عام (1954– 1959) محاضراً في الدائرة العربية بجامعة «كمبردج»، ثم محاضراً في جامعة لندن من (1964 –1959)، ثم عاد إلى بيروت وأصدر مجلة «حوار» التي طبعت الستينيات. وحين اكتشف طبيعة تمويل المجلة من المخابرات الأميركية، أعلن توفيق استقالته من رئاسة التحرير، وعمل بعدها أستاذاً زائراً في دائرتي الأدب المقارن ولغات الشرق الأدنى بجامعة «بيركلي» في أمريكا التي عمل بها من (1969 إلى1971). وفي 3 كانون الثاني/يناير 1971، توفي بطريقة درامية في مصعد الجامعة ، ودفن في كاليفورنيا.

وقد تعمق توفيق في الآداب الغربية، وتأثر بالكتاب المقدس. كتب شعرا ذا صبغة دينية صوفية وجد فيه النقاد أصداء من الشاعرين الانكليزيين جورج هوبرت ورتشارد كراشو، وملامح من بليك أحد الممهدين لرومانسية القرن التاسع عشر، وقرنوا بين فكرة النفي في شعره وإحساسه بأنه فلسطيني منفي يحمل معاناته.

وفي كانون الثاني/ يناير 1990 منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون من منظمة التحرير الفلسطينية.

ولد فايز عام 1922 في قرية خربا، ثم رحل مع أسرته إلى طبريا، وهو سياسي ودبلوماسي، وأكاديمي، ومفكر.

درس في صفد ثم في الجامعة الأميركية في بيروت حتى حصوله على الماجستير عام 1945. عمل في التدريس لمادة الفلسفة عام 1950، انتسب في شبابه إلى الحزب السوري القومي بلبنان، وتسلم مسؤوليات مهمة فيه، وكان من أبرز دعاته ومفكريه. وتولى موقع عميد الإذاعة فيه.

عين مستشاراً للوفد اليمني في بعثة الأمم المتحدة (1955 – 1957). وفي عام 1959 كان رئيساً للمؤتمر العربي الفلسطيني في بيروت، وشغل منصب أستاذ زائر في جامعة «ستانفور» في الولايات المتحدة من (1960- 1962، وفي جامعة «اكسفورد» (1962-1964)، ثم في الجامعة الأمريكية في بيروت من (1964- 1967). اختير عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (1965-1966).

وقام بتأسيس مركز الأبحاث التابع للمنظمة عام 1965 وصار رئيساً له، وكان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني حتى وفاته.

أصدر نحو عشرين مؤلفاً، وقد ترجم بعض هذه الكتب إلى لغات أوروبية. واشتهرت مناظراته التلفزيونية والإذاعية والجامعية مع الصهاينة ومؤيديهم. وقد كان وراء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 (الدورة 30) الذي يدين الصهيونية على أنها شكل من أشكال العنصرية، وهو الذي صاغه.

توفي في نيويورك في 15/12/1980.
أخيراً أقول: أنيس صايغ، أيها الرجل الذي أحببت وتعلمت منه الكثير، دون أن أحظى بشرف اللقاء، وإنما من خلال آثاره القلمية، لك أقول بعد أن غادرتنا دون استئذان، ستبقى علامة فارقة في تاريخ الفكر الفلسطيني العربي المعاصر، وواحداً من المناضلين الرواد الذين ثبتوا على مواقفهم ولم تزعزع الأيام عزائمهم وإصرارهم على متابعة النضال حتى النصر الحاسم. لأنك من الذين بقوا مع الثورة حتى النصر، والنصر لا يكون إلا بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، فنم قرير العين، والعهد أن ننقل رفاتك ذات يوم إلى طبريا.. «سيّدة المدائن».

وفي الختام أشير إلى أن آخر ما قرأت لراحلنا الكبير الدكتور أنيس صايغ، هو مقالة له بعنوان «الثوريون لا يموتون أبدا»، نشرت في جريدة «القدس العربي»، بتاريخ (26/10/2009)، وهي بمثابة مقدمة لكتاب عن حكيم الثورة الفلسطينية القائد الراحل جورج حبش، الذي يصدر قريباً عن دار الساقي، وقد آثرت أن أنشرها في ختام مقالي هذا، كتحية لفارس الفكر الفلسطيني المعاصر، الغائب الذي سيبقى حاضراً بيننا طويلاً.

«الثوريون لا يموتون أبدا»: سجل تاريخي لجورج حبش وسيرته النضالية
بقلم : د.أنيس صايغ


أعترف أني أشعر بشيء من الرهبة التي تبعث بعضاً من تحفّظ وتردّد وأنا أشرع في كتابة هذا التقديم لمذكرات جورج حبش. إنه أشبه بورع المؤمن حينما يلج مصلّى للتعبّد. حيث يتضاءل الإنسان ويكاد يتلاشى بفعل ما يسمع من ترتيل وتكبير ودعاء، وما يحيط به من خشوع وتقوى. هذا ما يفعله عالم جورج حبش بالمرء الذي يحاول أن يسبر غور هذا العالم وأن يتعرّف إليه وأن يُعرّف غيره به. فجورج حبش، من بين المئات من زملائه ورفاقه في مراكز القيادة في دنيا العرب، ومن بين عشرات الآلاف من مناضلي شعبه على مدى قرن من الزمان، معلمٌ بارز ومنارة متميّزة، بل هو ظاهرة فريدة أضاءت لمرحلة طويلة من تاريخنا القومي، والنضالي بشكل خاص، المعاصر، وبنت حولها هيكلاً شامخاً يلتحق به ويعمّره ويخصّبه ويطوّره كل من استنار بفكر حبش وتدرّب على أسلوبه ودرس تجربته واعتنق دعوته ورفع رايته وشارك في حمل رسالته.

إنه هيكل حاول المؤسّس القائد أن يحفظ له نقاوته ويصون براءته ويرسّخ مصداقيته، مقارنة مع هياكل وبيوت نضال حوّلها بعض مؤسّسيها أو قادتها أو الدخلاء عليها إلى مغارات للّصوص وتجار المبادئ ومزوّري الشعارات. غير أني لا أقدّم لكتاب عن رجل اسمه جورج حبش بل لمذكرات قيّمة لهذا الرجل الذي كُتب عنه الكثير في مدى نصف قرن وما زال حتى اليوم يستحق أن يحظى بكثير آخر من الكتابات والمعالجات ومحاولات التعرف إليه والتعريف به.

وأنا أحرص على أن أدعوها «مذكّرات» وإن كانت نوعاً غير مألوف كثيراً من المذكّرات. صحيح أن صاحبها لم يسجّلها بنفسه، ولا اختار هو بالذات موضوعاتها وحلقاتها، بل كانت مادّتها إجابات عن أسئلة طرحها غيره عليه (وغيره، في هذه الحالة، صحافي أجنبي). لكنّ أحاديثه هذه، وإجاباته عن أسئلة الصحافي واستفساراته، جاءت بشكل عفوي وشامل وصادق لا تقلّ في قيمتها وصدقيّتها وأثرها عن صفحات أيّ سيرة ذاتية ومذكّرات شخصيّة.

والخوف الذي ينتاب المرء أحياناً حينما يقرأ هذا النوع من المذكّرات (ولنسمِّه المذكّرات غير المباشرة) إنما مبعثه أن يكون الكاتب/المحرّر الذي قام بالتسجيل قد تلاعب بردود محدّثه محور المقابلة (أو قد زوّر أو بدّل أو أضاف أو حذف، وغير ذلك من ألوان التدخّل المرفوض والمسيء إلى كلٍّ من صاحب السيرة والقارئ، وإلى علم التاريخ ومصداقيّة التوثيق). وكذلك أن يكون المحرّر قد فرض على صاحب السيرة أسئلة معيّنة وتجنّب نواحي أخرى من حياته، عن جهل أو سوء نيّة، ولا فرق بين الاثنين من الناحية العملية.

لكنّ هذين المحظورين الخطِرين والخطيرين سقطا هنا في حال كتابنا هذا. فمن الجهة الأولى انكبّ الصحافي (وهو خبير إلى حدّ ما في الشؤون العربية مع أنه أجنبي) على دراسة المرحلة الحاضرة من تاريخنا المعاصر، الفلسطيني والعربي، عموماً، وعلى دور حبش، وحركته القومية العربية وجبهته الشعبية الفلسطينية، في أحداث هذا التاريخ المعاصر، وعلى تأثير حبش في الأحداث المتعاقبة، وعلى انعكاسات هذه الأحداث على الرجل وحركته وجبهته.

وكانت محاور المقابلات التي تضمّنها هذا الكتاب (وقد استغرقت أكثر من تسعين ساعة) تشمل كل الوقائع التي كان لحبش دور مباشر فيها، وجاء الكتاب، بالتالي، سجلاً تاريخياً كاملاً لعالم جورج حبش وسيرته النضالية، سواء من حيث تغطية مراحل حياته وأعماله أو من حيث ترقّبه للتوقّعات المستقبلية واستشرافه لها.

وحرص جورج حبش في الأشهر القليلة التي امتدّت بين عقد هذه المقابلات ورحيله (كما حرصت أسرته من بعد رحيله: زوجته وابنتاه اللواتي رافقن من قبل جلسات الحوار الطويلة مع صاحب السيرة) على التدقيق المعمّق المضني في الصيغة التي جاءت بها الأحاديث على صفحات الكتاب مع الصيغة الأصلية المسجّلة على الأشرطة. وهكذا يسقط أي زعم (وقد يكون زعماً مغرضاً يُساء به إلى صاحب السيرة أو إلى محرّرها) بأن المادة ليست مذكرات بالمعنى الضيّق لأن الكاتب هو صحافي أجنبي وليس صاحب السيرة نفسه.

والواقع أنه إذا كانت المقابلات قد استغرقت أكثر من تسعين ساعة فإن التدقيق والتفحّص قد استغرقا مئات الساعات. حتى أنني أستطيع أن أؤكد هنا أنّ ردود حبش على الأسئلة التي وجّهت إليه هي صحيحة مئة في المئة، وهي تنطبق تماماً على ما أراد صاحبها أن يقول معبّراً به عن أفكاره ومواقفه. حتى أصبح من المبرَّر أن نزعم بأن محتويات الكتاب تتساوى تماماً مع أيّة سيرة ذاتية يسجّلها صاحبها، سواء من حيث المصداقية أو من حيث الشمول والإحاطة التامة بحياة إنسان تشعّبت مجاريها وتعدّدت اهتماماتها وحفلت أيامها ولياليها بالعطاء والجهد والأثر، سواء على الصعيد الشخصي لصاحبها وأسرته أو على الصعيد الوطني والقومي العام. مع الإشارة هنا إلى أن الحوار الذي جرى إنما كان آخر أحاديث حبش قبل رحيله. وهذا الأمر يجعل الكتاب أكمل من أي كتاب آخر في حياة حبش.

غير أنني لا أكتم، في هذا المجال، أن أسجّل تمنّياً كنت آمل أن يتحقق في هذه المذكرات، وهو حديث وافٍ ومفصّل عن طفولة حبش وفتوّته، سواء في رحاب الأسرة في اللدّ أو أثناء سنوات الدراسة في الجامعة في بيروت. صحيح أن هناك لمسات خاطفة في هذا الشأن، لكنّ القارئ يرغب في أن يسمع المزيد عن حياة جورج حبش في هاتين المرحلتين المبكرتين. ولعلّ إحجام الصحافي عن التوسّع في الاستفسار عن أيام حبش الأولى، وبخاصة منذ الطفولة والمراهقة، ليس فريداً في أدب السيرة العربي. وذلك أن معظم الذين كتبواً سِيَرهم الذاتية، وكذلك الذين كتبوا سِيَر رجالاتنا العرب، غيّبوا هذه الحقب المبكرة من حيوات أعلامنا، علماً بأن القلّة من أصحاب السِّيَر العربية الذين أولوا نشأتهم ومنابتهم الاهتمام الكافي وسجّلوا صفحات في وصفها وأثرها في حياتهم اللاحقة إنما قدّموا للمكتبة العربية المختلفة ذخائر رائعة في وصف مجتمعاتنا وحياتنا الاجتماعية في الأقطار العربية المختلفة وفي إطارات أسر وطبقات وأحياء وبلدات وأزمنة متعددة، وتكاد في مجموعها، على قلّتها، تقدّم لنا مصادر لدراسة الجوانب ’الخفيّة’ والخلفية من المجتمع العربي الحديث قد تقصّر عنها الدراسات الجامعية في أحوال المجتمع العربي وأوضاعه.

هذا استطراد عفوي لا يبعدنا عن الموضوع الأساسي. وإن كان المطلوب من هذه الصفحات أن تقدّم للكتاب، وليس لصاحب السيرة، فلا بدّ أولاً من الإشارة إلى أن جورج حبش يظهر في الكتاب، في شخصه وأفكاره وأعماله كما في مشاعره وعواطفه وصفاته وعاداته، أكثر مما يظهر في أي كتاب (أو مقال مطوّل) صدر عنه حتى الآن.

أقول هذا وأنا أحيط بمعظم ما كُتب عنه )عنه مباشرة، أو غير مباشرة ضمن الحديث عن حركة القوميين العرب وعن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أو حتى عن التاريخ المعاصر لفلسطين وقضيتها ونضالها وعن الأمة العربية وحركات التوحيد والتحديث). والمرء لا يقلّل من أهمية الكتب والدراسات والمعالجات الكثيرة التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة والتي لحبش فيها مكان بارز، مع تفاوت في الجدّية الموضوعيّة والإنصاف. إلا أن مذكرات حبش في كتابنا هذا ستصبح مصدراً أساسياً وضرورياً لكل من سيتناول تاريخ الرجل، أو تاريخنا النضالي عموماً، في المستقبل، أكثر من أي كتاب آخر في الموضوع نفسه.

لا شك في أن القارئ أخذ ويأخذ فكرة جيّدة عن جورج حبش في قراءاته لعشرات المطبوعات السابقة. إنه يتعرّف من خلالها إلى تاريخه الشخصي وعلاقاته بأحداث بلده وأمّته، فلسطينياً وعربياً. ويتعرف كذلك إلى جهوده وأعماله ونضاله السياسي والتنظيمي والحزبي والمجتمعي، وإلى المؤسس والقائد والرمز والطبيب والمنظّم والمحاور وغير ذلك.

إن كلاًّ من تلك الصفحات يظهر بشكل أو بآخر في هذا الكتاب أو ذاك من بين آلاف الصفحات التي تناولت جورج حبش. غير أنني أعتقد بأن جورج حبش الإنسان، الإنسان بكل ما في الكلمة من معنى سامٍ ورفيع، لا نراه مثلما نراه ونتعرف إليه في مذكراته التي بين أيدينا: ليس الإنسان السياسي والمناضل والمفكر والقائد فقط بل الإنسان الذي صبغ السياسي والمناضل والمفكر والقائد بصبغة خاصة من الإنسانية، أو الأنسنة الخاصة التي يتميّز بها عن سائر زملائه من السياسيين والمناضلين والمفكرين والقادة.

إن جوهر الإنسان في جورج حبش هو الحب: حبّ الآخرين، حبّ الغير. ذلك الحب الذي يتحوّل تلقائياً إلى تفانٍ في خدمة الآخرين واستعداد للبذل والعطاء المستمرَّين، بكرم وطيب خاطر وتضحية بدون حساب، وإلى اعتبار الآخرين في رأس أولويات الحياة وإيثارهم بالعطاء والاهتمام ولو على حسابه الخاص، الشخصي والعائلي الضيّق والواسع. فلا المنصب ولا المركز أو الموقع، ولا سعة العيش ورغدها، تسمح له بأن يحيل الآخر (فصيلاً كان أو شعباً أو طبقة أو قضية) إلى درجة ثانية أو مؤجّلة إلى أن يحقق شؤونه الخاصة.

حياة جورج حبش هي سلسلة من الأعمال الشاقّة على طريق النضال من أجل مبادئ معيّنة: تحرير فلسطين ووحدة العرب ورفاهية المجتمع، ومقاومة العدو (صهيونياً كان أو استعمارياً، أو عميلاً عربياً أو فلسطينياً، أو مستغلاً أو مستبداً أو ظالماً محلياً). على هذا الدرب النضالي يهون السجن والاعتقال والتشرّد، وتصبح حماية الوطن وصيانة القضية أهم بكثير من حماية الذات والأشخاص. وشرط هذا الاستعداد لبذل التضحيات المتواصلة أن يتمّ بلا شكوى ولا تذمّر ولا أنين ولا عتب ولا نفاد صبر.

جورج حبش الإنسان الذي نكتشفه في هذا الكتاب هو إنسان متصالح مع نفسه وراض عن قدر وحال قبل بهما وقنع بأن لا معنى لحياته بدون السعي المتواصل، الحافل بالعطاء والشقاء، لتحقيق القِيَم الإنسانية العليا: الحرية والاستقلال والسيادة والوحدة، ورخاء المجتمع ورفعته وعدالته والمساواة بين أبنائه وعناصره.

إننا نقرأ في مذكرات جورج حبش، في عشرات الأماكن والصيغ والأشكال، حبّه لزوجته وابنتيه، وامتنانه لهنّ واعترافه بأثرهنّ في مواصلته النضال ولو على حساب راحته وراحتهن. ونقرأ تقديره لرفاقه في العمل النضالي، الحزبي والتنظيمي والحركي. ونقرأ اعترافه بحمله المبادئ أو المفاهيم الأخرى، المغايرة أحياناً لمبادئه ومفاهيمه والمتنافسة بل المتصارعة معها في أحيان كثيرة.

نجد في هذه المشاعر والمواقف النادرة في المجال السياسي والحزبي العربي (والفلسطيني) المعاصر اعترافاً بالآخر قائماً على حقه في الاختلاف. والأمثلة كثيرة: إنه يتحاشى ذكر أسماء معظم المسيئين إليه، من خصوم في الساحة السياسية ومن رفاق درب منحرفين وآبقين وضالّين ومن أصحاب غايات خاصة وطامعين بمكاسب غير شرعية وساعين وراء صفقات مشبوهة.

ومن اللافت أنه لم يذكر أسماء أيّ من هؤلاء المتآمرين عليه وعلى قضيته ومنظمته إلا في حالتين اثنتين فقط حيث اضطرّ إلى ذكر اسمي رجلين تآمرا عليه وحاولا اغتياله، وذلك لأن الاسمين معروفان جيداً ولم يكن بالإمكان إخفاء هويّة أيّ منهما. وحتى حينما يتحدث عن معاناته من عدم وفاء زميل قديم أو تدنّي أسلوب منافس سياسي وهبوطه في أدائه إلى مراتب يترفّع حبش عنها فإنه، في الوقت نفسه وبطيبة قلب نادرة، يحاول أن يبرّر لهؤلاء بعض سلبيّاتهم وكأنه يغفر لهم ويتناسى إساءاتهم.

إن من يتتبّع مسيرة جورج حبش النضالية على مدى خمسين عاماً على الأقل لا يستطيع أن يتجاهل وجود علاقات خاصة طبعت تلك المسيرة مع قائدين فلسطينيين كبيرين هما وديع حدّاد وياسر عرفات.

كانت علاقة حبش بحدّاد، التي بدأت وهما على مقاعد دراسة الطبّ في الجامعة الأميركية في بيروت منذ أواخر أربعينيّات القرن الماضي، مضرباً للمثل لا من حيث توثّقها وعمقها وصفائها واستمرارها طويلاً، ولا من حيث المشاركة الكاملة في كل الأعمال والجهود ومجالات النضال والتأسيس والتأثير والمواقف، فقط، بل أيضاً من حيث البذل والتضحية والوفاء للالتزامات الوطنية والقومية. حتى أصبح كل من «الحكيمين» توأماً فكرياً ونضالياً للآخر. إلى أن اجتهد كل منهما، وبعد عشرين سنة، اجتهاداً مختلفاً عن الآخر في مجال أسلوب النضال من أجل المبادئ التي آمنا بها إيماناً مشتركاً كاملاً.

وافترق الحكيمان والتوأمان، وتابع كل منهما مسيرته النضالية بحسب أسلوبه المختلف عن أسلوب زميله. وتلك واقعة تحصل بين الرفاق والزملاء دائماً وفي كل مناحي العمل السياسي والحزبي. لكننا في حالة حبش-حداد لا نسمع من أي منهما كلمة واحدة تسيء إلى الآخر أو تطعن به أو تغمز من قناته. ظل الاحترام والتقدير وسموّ المشاعر والتعابير بينهما بعد افتراقهما بالقوة والقدر نفسيهما اللذين كانا يميّزان علاقاتهما في السنوات العشرين التي سبقت الفراق. وقراءة ما ذكره حبش عن رفيقه عند رحيله تدلّ على صفاء حبش. ولا شك أن حدّاد لو بقي حياً عند رحيل حبش لكان نطق بالمشاعر النبيلة نفسها.

ومن الجهة الأخرى، يستدلّ متتبّع العلاقة السياسية بين جورج حبش وياسر عرفات على اختلاف كل من القائدين الفلسطينيين الكبيرين طيلة الأربعين عاماً التي اشتركا خلالها في العمل السياسي الفلسطيني/العربي، وكان لكل منهما أسلوبه الخاص البعيد جداً عن أسلوب الآخر، بل كان كل من الأسلوبين نقيضاً للآخر.

وكان كل من الرجلين نقيضاً للآخر. لكنّ حبش، الذي يتحدّث مطوّلاً عن خلافاته مع عرفات واختلافاته معه في المفاهيم والأساليب والأدوات والأداء، لا يُخفي عاطفة ودّية خاصة تجاه خصمه في عشرات الأماكن، ويحاول أن يقدّم لنا أحياناً صورة لعرفات تغاير الصورة التي يتخيّلها الآخرون من معارضي نهج عرفات. وعندما رحل عرفات كانت كلمات حبش تصدر من قلب محبّ وحنون ولا علاقة لها بالصراع السياسي.

لن أسترسل في الأمثلة على أصالة قائد يعلو في صراعاته السياسية فوق المستوى المألوف ويصرّ على الحفاظ على نقائه ونبله لأن ذلك الصفاء يتوافق مع معتقداته وأساليبه في العمل ومواقفه من الآخرين، حتى لو كان الآخرون يتعاملون معه بطرق أخرى. وأكاد أقول إن حبش ما كان يستطيع أن يتصرّف بشكل آخر. إن ضميره وقلبه ووجدانه وتربيته ما كانت لتسمح له بأن يكون غير ما كان عليه طيلة حياته وفي جميع ممارساته.

ومثل أي قائد سياسي، نجد جورج حبش في مذكراته يدافع عن مواقف وسياسات معيّنة، فلسطينية وعربية ودولية، اتخذها في حياته شخصياً أو عبر الحركة أو الجبهة التي تولّى قيادتها، وربما كان بعضها يتعارض أحياناً، ولو شكلياً، مع إجراءات أخرى قام بها، ولا شك أن بعضها يتعارض مع آراء سياسيين آخرين ومواقفهم.

وقد يقنعك هذا الدفاع (أو التحليل أو التفسير أو التبرير) وقد لا يقنعك. فالمسائل سياسية وعالم السياسة واسع ويحتمل الاختلافات، بل التناقضات أيضاً. وكما كان الزعيم الكبير جمال عبد الناصر يقول فإن من لا يعمل أو من لا يأخذ مواقف محددة لا يجد من يعارضه. ومن المنطقي أن تكون أعمال حبش التي لاقت تأييداً واسعاً، من الجماهير ومن النخبة ومن المحازبين، قد لاقت أيضاً وفي الوقت نفسه معارضة من قطاعات أخرى من الجماهير والنخب والجماعات المعارضة له.

والمهم في هذه الأحاديث مع محاوره أن حبش مرّ على هذه المسائل كلّها، ولم يتهرّب من أي منها، وكان في جميع أجوبته واضحاً ومنطقياً. وأحسب أنه كان مقنعاً في معظم الأحيان.

من عرف جورج حبش جيداً يجد في الكتاب الذي بين أيدينا صورة طبق الأصل عن الرجل. أما من لم يعرفه من قبل معرفة جيدة فإن للكتاب فضل رسم هذه الصورة الحقيقية للرجل: للإنسان المحبّ لبلده وشعبه وأمته وزملائه وأسرته وأصدقائه (وحتى منافسيه وخصومه من رفاق النضال) والمستعدّ أن يقدّم أغلى التضحيات من أجل المبادئ التي لم يحد عن الإيمان بها والعمل من أجلها لحظة واحدة.

إنني، كدارس للتاريخ، أرحّب بصدور هذه المذكرات وأحيّي الجهد الذي بذلته السيدة هيلدا وابنتاها ميساء ولمى في الإشراف على إعداد المذكرات في صيغتها العربية وأُكبر العمل الشاق الذي قام به الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو.

وأنا كفلسطيني يؤمن بتحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها وكعربي يؤمن بوحدة الأمة عبر نضال مشترك، ألمح في سيرة جورج حبش بريقاً قادراً على هداية الأجيال الطالعة نحو طريق يصل بنا نحو التحرير والوحدة وما يتبعهما من عدالة وحداثة وحرية ومساواة، وهي كلها مُثل التزمها صاحب السيرة وكرّس لها حياته الحافلة بالعطاء.

إن الوفاء الأكبر من الأجيال الطالعة لجورج حبش يتمثل بأن لا يبقى الرجل مجرّد ظاهرة فريدة في زمانه. فالمطلوب والمأمول أن ينهض بين هذه الأجيال من يجسّد ظاهرة جورج حبش النادرة ويجدّدها. وبذلك يكون الرجل قد أدّى رسالته ورحل مرتاح البال..