لماذا انت حَزين / جريس بولس

لماذا انت حَزين / جريس بولس

أيهذا الشاكي! وما بك داءٌ كيف تغدو إذا غَدَوْتَ عليلاً
أيهذا الشاكي! وما بك داءٌ كُنْ جميلاً تَرَ الوجودَ جميلاً

******

أنت وحدك تستطيع ان تصنع حياتك كما تُريد:
بابتسامة واحدة تضحك الحياة، وباغنية واحدة تغنّي.

أذكرمرة انني لقيت صديقاً لي يشتكي على غير شكوى ويتبرَّم على غير ضجر. فسألته: لماذا انت حزين يا صاحبي؟

فما كان منه إلا ان ابتدرني قائلاً:

ولماذا انت ضاحك يا صاحبي؟

لم أجِبْهُ طَبْعاً على سؤاله، كما لم يجبني على سؤالي .... ولكن كلا طَبْعينْا بقي على حالِهِ. هو في حزنه، وانا في ضحكي، دون ان تهزني كآبته، او تتسرب إليّ عدواها، ودون ان يمسح ضحكي كآبته عن وجهه الذي ظَلَّ مقنَّعاً بِها.

أمَّا هذا السؤال فبقيت أسبابُه تجول في انحاء نفسي، لا لانَّه مجرد سؤال، بل لانَّه سؤال الحياة نفسها ... ولماذا لا أعيره إهتماماً، والإنسانية كلها غارقة بين الكآبه والضحك؟

من حق صديقي ان يسألني كل يوم "لماذا انت تضحك يا صاحبي؟ وكثيرون هم من يسألونني هذا السؤال نفسه، ويتمنّون ان يضحكوا مثلي وان يستخفُّوا باعباء الحياة مثلي. وقد خافوا من الحياة، وارتعشت انفسهم وهم لا يزالون اطفالاً في الحياة، بينما شاهدوني توسَّطت عمراً منها بعيداً وتحملت من اعبائها عبئاً كثيراً، دون ان اشكو ثقلها معهم، وارسل الشكوى مثلهم اثر الشكوى؟

قد يُخيَّل إليهم إنني احيا حياة غَير حياتهم، او ان حياتي لا يصل اليها هم، او ان في حياتي اسباباً لا يدركونها. والحق اني لا ادرك مرد هذا المرح، وهذا النشاط في نفسي التي تأبى ان تخضع لاثقال الحياة ... ايعود ذلك لانني اقابل احداثها ساخراً، حين لا اجدني قادراً على تبديلها! ام إلى إستخفافي بواجباتها، ومعاذ الله، ما كنتُ يوماً بالهارب من تبعات الواجب .... ايعود ذلك إلى انني لا اشعر بنائبات الدهر او انني اشعر بها، واستسلم إليها؟ ام الى انني اتمرّد على القضاء؟ ولكنني كنت كثيراً ما اطمئن الى القضاء. ايعود ذلك الى انني امُرُّ بالحوادث، فلا اسأل "لماذا"؟ ولكن مَنْ منا لا يحفظ بين ذكرياته الجميلة صورة طفل كثير الحركة، متألق العينين، يدير رأسه هنا وهناك يسأل "لماذا"؟ وحين كان يقنع بالجواب يعود الى ألاعيبه، ولا تزال نظرات الاستفسار تراوده. "لماذا؟" فانا لا ازال هذا الطفل الذي كنتُ إياه قائلاً كل يوم: "لماذا؟".

******

مع كل هذا وذاك، ومع انحناء ظهري تحت اعباء الحياة، وتبعات الواجب لا تكاد تفارق البسمة وجهي .... والحركة اعضائي. فلا تزيدني هذه البسمة إلا نشاطاً وارتباطاً بالحياة ... وباستطاعتي ان اشكر الحياة على هذه الهبة التي لا تقدَّر بثمن، لأنَّ الحياة قيم معنوية تقاس براحة النفس، ورضا الضمير وترف العقل، قبل ان تكون قيماً مادية تقاس بوفر المال، وترف المادة.

فاذاً ليس من حق صاحبي ان يسألني عن سبب ابتعادي عن الحزن!! ولكن لي الحق ان أساله عن سبب كآبته،وكآبه فتيان امثاله، مشى الهرم الى نفوسهم قبل ان يمشي الى رؤوسهم. يجرجرون أقدامهم على باب الحياة ان يتخطوّه، وقبل ان يتبينوا ما خلفه: وعلى وجوههم علامة استفهام دائمة، وفي أقدامهم حركة المتردد، وفي كلماتهم انفاس الناقم ... فهم بَرِمون بالحياة، سائمون منها قبل ان يعرفوها، ناقمون عليها قبل ان يخبُروها .... سمحوا لعيونهم بان تُرخى اهدابُها على الكآبه، وأذنوا بجباههم ان تُطْرِق، وتُطْرِق دائماً! اهو الخوف من الحياة،؟ اهي النقمة على الحياة ؟ اهو فرار السكينة من النفس؟ اهو نتيجة قلق نفسي ذاتي، ام قلق إنساني اجتماعي؟ لست ادري ... ولا إخالهم إلا مثلي لا يدرون ...! ولكني ادري انهم عجلوا كثيراً في هذا الحكم على انفسهم، لان الحياة إذا خلا منها جانب فقد عمرت منها جوانب. واذا فغرَ الموت فاه في ناحية فان الحياة تبتسم كل لحظة في نواحي! واذا وطّنَ الانسان نفسه على ان تتلقى ما تتوقعه وما لا تتوقعه في كل لحظة هان عليها ان تعالج النكبات وان تنتصر عليها بحكمتها، ولا مبالاتها، واذا آمن الانسان بان هناك المصاعب التي تواجهه والرياح التي لا تصادقه كل حين، هيَّأ نفسه لها، وقام بينه وبينها نوع من التآلف، يتحول فيه حس الدفاع الى غبطة ولذة واستسلام.

وفي الحق ان للكآبه جذوراً عميقة ضاربة في انفسنا! قد يكون من بواعث بعضها ان تحمل النقمة على الحياة نفسها حين نشخصها بكائن يساعد الرذائل على الفضائل، وينصر الشر على الخير، ويقدم الجهل على العلم، وداء هذه الكآبه منتشر بين اهل الادب والعقل في كل جيل، لانهم يشعرون بان الدهر اساء اليهم حين اهملهم، وحرمهم نعمة الدنيا. واهل هذه الكآبه يتفننون في وصف كآبتهم والتعبير عن ثقتهم.

فهذا المتنبي يقول:

ذو العقلِ يشقى في النعيم بعقْلِهِ واخو الجهالَةِ في الشَّقاوةِ يَنْعَمُ

وما شقاء ذي العقل إلا لانه يفكر في الانسانية كلها، يؤلمه ما تتخبط فيه فيثور، ويتألم، وحين لا تنفعه ثورته شيئاً، وحين يرى انه لا شيء .... يهدأ وينطوي على نفسه ويكتفي بهذه الكآبه...

*******

ولكن هنالك كآبه من نوع اخر تسيطر علينا ونحن قادرون على دفعها هي تلك الكآبه التي ترافقنا كظلنا في الحياة.

إذا دخلنا بيتنا سبقتنا اليه، واذا خططنا في الشارع وجدناها تتمايل معنا، واذا دخلنا المصنع او المدرسة جاورتنا لا تفارقنا، لعل هذه الكآبه هي اكثرالكآبات ذيوعاً في نفوس الشباب، وهي تحب الشباب كثيراً، لانها خبيثة، عارفة بمواضيع الضعف فيهم، فتساورهم، وتواثبهم، وتغالبهم، وتستعين بعاطفتهم الرقيقة على انفسهم.

مردَّ هذه الكآبه الى اننا نقطع حياتنا قطعاً بين الماضي والحاضر والآتي على صورة لم يعرفها تاريخ الانسان من قبل فنحن ننام في محطة، ونستيقظ في غيرها. فكان بذلك ان تقطعت ما بيننا الصلات، وعظمت الفوارق والمسافات. فالاباء منقطعون عن الابناء، والابناء انفسهم متفاوتون فيما بينهم. كُلّ بفكرةٍ، وكل لغايةٍ، وكل مدفوع بعاطفة، فلضعفنا أضعنا الامل في المستقبل، ولطموحنا نفينا ايمان الاجداد من انفسنا. فكانت هذه الحالة مصدر متاعبنا النفسية والعقلية، وسببا لانبعاث هذه الكآبه الخلفية في نفوسنا. اضف الى ذلك ما دخل على مطالب الحياة من كفاح عنيد ما تعودناه ومن ترف خداع يلوح لنا كالسراب دون ان نتخلى عنه. فالبيت بمطالبه الجديدة اصبح بيوتاً، والترف في البيت اصبح من فرائض البيت، فلم يعد احدنا يكتفي بما كان يردده ذلك الفيلسوف اليوناني"بكأس من الماء وقرص من الشعيرأنافس الآلهه على سعادتهم ....".

فاين هذه الامنية الزهيدة من أماني حياة اليوم! لذلك نَضطر إلى الكفاح، ومواصلة الكفاح لتأمين هذا النصيب المترف من الحياة، وفي كفاحنا تتمايل هذه النفس المتراوحة بين اليأس والامل، والخيبة والظَّفر.

على ان كثيراً من هذه الكآبه هو من صنع ايدينا، فالبيت الذي لا يتطور اهله، ولا يزينه اصحابه، ويملاونه صوراً فنية، ويغمرونه موسيقى طروبه. مثل هذا البيت يصبح كالكهف الذي كان يقي الانسان القديم اذى الحر، وقسوة الشتاء. وهو بيت كئيب بجوّه لانه ابتعد عن الحياة، وآلتفّ في الظلام. وكثيرون هم الذين يأتونه طربين، فيعيدهم هذا البيت الى كآبتهم الباطنة .... والشارع الذي لا يتجانس عُمَّاره، ولا تتآلف حوانيته يحدث الصدمة إثر الصدمة في نفوس العابرين، ويستل منهم غبطة التحسس بجمال التنسيق، وكذلك المدرسة التي غرقت تحت الاقبية المظلمة، واحاطت بها اسوار تريد ان تخنق السماء، ليس فيها من سعة، ولا خضرة ولا فضاء هي مدرسة جانية لانها تغرس الكآبة في ارض الحداثة البريئة.

والمصنع الذي يدخله العمال، لا يجدون فيه الا قبواً واسعاً كالهاوية، يحمل الانقباض الى نفوس عماله، ويحرم نفوسهم لذة العمل التي هي شرط اساسيّ في تجميل الحياة.

والمدينة التي لا تزال تعيش بين سراديب ضيقة "واسوار ممنَّعة" لا تسمح للطبيعة ان تصافحها، وللحدائق ان تنتشر فيها، هي مدينة اخلق بِسكانها ان يكونوا بين سكان المتاحف الأثريَّة.

كل هذا يمكننا ان نعالجه، ونحسِّن وضع الحياة فيه، فاذا فعلنا حملنا البهجة والجمال، وحاربنا الكآبه المسيطرة على الحياة، وحققنا من ثقل تكاليف المعيشه المثقلة، وكلما كانت الحياة جميلة فرضت على اهلها الجمال، والتمتع بهذا الجمال. هل انت –يا صاحبي- مريض بواحد من هذه الامراض؟ أما انا فقد تسلحت بالايمان، والرجاء ومحبة الجمال ... وليس لي إلا ان اسمعك ما قاله ابو ماضي:

أيهذا الشاكي! وما بك داءٌ
كيف تغدو إذا غَدَوْتَ عليلاً
أيهذا الشاكي! وما بك داءٌ
كُنْ جميلاً تَرَ الوجودَ جميلاً




بقلم: جريس بولس.
برلين – كفرياسيف.