هكذا انتصر "شاعر المحلّة" على الظلاميين..

هكذا انتصر "شاعر المحلّة" على الظلاميين..

انتهى تطوافه في القاهرة كما تمنّى، وابتهج موقع «الإخوان» برحيل «أحد عتاة العلمانية». المأساة التي بدأت بتكفيره ولم تنته بنفيه، تلخّص أزمة الثقافة العربية في القرن العشرين

أمس ووري في الثرى نصر حامد أبو زيد في قريته قحافة (محافظة الغربية) بحضور حشد كبير من الأصدقاء والمحبين والمثقفين يتقدّمهم المفكّر حسن حنفي.

هكذا، رحل كما تمنّى، لا في المنفى كما كان يخشى، بل في أرض مصر، لقد انتصر عليه فيروس غامض، أصابه منذ شهر في إندونيسيا التي زارها مشرفاً على «المركز الدولي للدراسات القرآنية». وهو مركز تأسّس عام 2008، بهدف الإسهام في تأسيس نهضة في الفكر الإسلامي على أساس قيم التعددية والتفكير النقدي.

اعتاد صاحب «التفكير في زمن التكفير» أن يجول حول العالم للتدريس في جامعاته. لكنه هذه المرة، شعر بارتفاع حرارته، فعاد إلى مصر حيث أدخل «مستشفى الشيخ زايد» وشُخِّصت الحالة بـ«فيروس غامض» هاجم المخّ. ظل الخبر سراً لدى الأصدقاء وزوجته ابتهال يونس التي كانت تخشى من شماتة الأصوليين. وقد أعلن موقع الإخوان المسلمين، فعلاً، رحيل «أحد عتاة العلمانية في مصر». وجاءت التعليقات على الخبر صادمةً، إن لم تكن مفاجئة، من جماعة ترى في أفكار نصر تهديداً لسلطتها الكهنوتية.

مأساة أبو زيد تلخّص ربما مأساة الثقافة العربية في القرن العشرين. المفكّر الذي رحل قبل أيام من ذكرى ميلاده السابعة والستين (10 تموز/ يوليو 1943) لم يخرج عن الإيمان كما يتصور الأصوليون. حاول فقط أن يطرح «الأسئلة» المسكوت عنها، معتمداً مناهج النقد الحديثة (تحليل الخطاب، والبنيوية، والألسنية، والتاريخانية...).

هذه المناهج حاول استخدامها لتقديم قراءة مختلفة للنص الديني، ما أربك خصومه الذين رأوا في ذلك تجاوزاً وخروجاً، وزندقةً وكفراً.

مغامرة نصر لم تكتمل، كما لم تكتمل محاولات طه حسين، ومصطفى عبد الرازق وكثيرين لم يصمدوا أمام محاولات الخطاب المضاد. بعضهم تراجع عن أفكاره، وبعضهم حاول تطويرها بما لا يصدم «الجمهور».

مصير نصر كان رحلة «منفى» استمرت منذ عام 1995 حتى رحيله. سنوات جعلت هذا المفكّر التنويري أشبه بداعية إسلامي. في القاهرة، كان يمارس موقفاً نقدياً في تأويل النص الديني، بينما كان في الغرب يعمل على تحسين صورة الإسلام. كان يخشى أن يحتفي به الغرب باعتباره «مضطهداً»، وكان حريصاً على التأكيد أنه «مجرد باحث» وليس «مستشرقاً».

المفارقة أنّ نصر كان يهرب دائماً، بالمصادفة، من كل المصائر التي أرادها لها الآخرون. كان محتملاً أن يكون شيخاً أزهرياً كما أراد والده. وكان ممكناً أن يصبح عضواً ناشطاً في جماعة الإخوان المسلمين التي انضم إليها صغيراً. لكنّه حين قرأ كتاب «معالم على الطريق» لسيد قطب، أدرك أنّ عليه السير في طريق آخر.

كان يمكن أن يستمر موظفاً صغيراً يُصلح أجهزة اللاسلكي، بعدما تخرّج من معهد فني لقلّة الإمكانات المادية. لكن طموحات الشاب كانت أكبر من أن تُستوعب. قرر أن يعمل ليعول أسرته، ويواصل دراسته الثانوية في المدارس الليلية، وأن ينتسب إلى الجامعة. وبعد تعيينه في كلية الآداب، كان يمكن أن يُملي على طلاّبه ما يقرأ في كتب الآخرين. لكنه اختار التفكير خارج السرب، وتجاوز الخطوط الحمر التي وضعها بعض المتزمتين والظلاميين.

ربما كانت أمنيته أن يكون شاعراً، تحديداً شاعر عامية قد يغيّر مجرى الأغنية المصرية. كانت «شلة المحلة» التي ضمت مجموعة أصدقاء (جابر عصفور، ومحمد صالح سعيد الكفراوي، ومحمد فريد أبو سعدة، وجار النبي الحلو) تطلق على أبو زيد «صلاح جاهين المحلة» ليس لتشابهه الجسدي مع الشاعر الشهير، بل لمحاولاته المهمة في كتابة قصيدة عامية مختلفة عما كان يُكتب حينذاك. حتى إنّ أول دراسة نقدية نشرها، كانت عن «أزمة الأغنية المصرية» (1964).

لكن أبو زيد أصبح «باحثاً»، كما كان يذكّر دوماً، مهتماً بفهم الظاهرة الدينية في تاريخيتها. هكذا هو، لا يكتفي بما يريده له الآخرون، أو تمليه عليه الظروف.

حتى في أزمته الشهيرة التي واجه خلالها تهمة التكفير، رفض أن يذهب إلى المحكمة ليقول «الشهادتين»، لأنه لم يكن يريد أن يؤسس لسلطة تفتّش في ضمائر الناس. سافر إلى هولندا أستاذاً في جامعة لايدن. وفي أول محاضرة، بدأ بالبسملة ونطق الشهادتين... ولسان حاله يقول للجمهور الذي جاء للاستماع إليه: لن أترك أحداً يدخلني في كليشيه محبب لدى الثقافة الغربيّة المهيمنة، ألا وهو: المفكّر المعادي للإسلام... «أنا مجرّد باحث من داخل دائرة الحضارة العربية الإسلامية». هكذا هو صاحب «نقد الفكر الديني» باحث من داخل الإسلام. وفي وقت ظن فيه كثيرون أن المرض مجرد «عارض» إلى زوال، فاجأ الجميع بالرحيل.
صيف القاهرة قاس هذا العام!