أيمن صفية خرج من الأستوديو السري فوصل ... لندن

أيمن صفية خرج من الأستوديو السري فوصل ... لندن

قصة أيمن صفية ليست كأي قصة عادية لفنان ناجح واجه المجتمع من أجل تحقيق أحلامه، فأيمن ابن قرية كفرياسيف واجه العديد من التحديات والصعوبات من اجل تحقيق حلمه إلا وهو "راقص باليه محترف".

التقيت أيمن الذي يبلغ من العمر تسعة عشر عاما في مدينة عكا لنخوض معه في غمار تجربته الفنية الزاخرة في فترة زمنية قصيرة نسبيا لفنان وراقص باليه أصبح يعرض في أشهر دور العرض في لندن، فخلال زيارته السريعة للبلاد يخبرنا أيمن كيف بدأ.. وماذا يفعل في لندن.. وما هي أحلامه المستقبلية بعد ما اجتاز المهمة الأصعب عندما واجه الأفكار المسبقة وتحداها ونجح في اجتيازها.
"وقوف العائلة إلى جانبي هو الأساس، فعندما قال لي أبي "أكمل في هذه الطريق إذا كنت تحبها" لم اصدق نفسي بعد تخوفي من إخباره عن الموضوع".

بدأ أيمن رقص الباليه في سن مبكرة، فكان يقوم بعد دورة الدبكة في قريته بانتظار درس الباليه للبنات ليسترق النظر من الشباك ليعود إلى غرفته ("الأستوديو السري" كما كان يسميه) ليجرب الحركات التي رآها، ويرقص سرا لساعات حتى قرر في عامه الخامس عشر أن يخبر والده والأصدقاء بعد تشجيع أمه له وليخرج بالباليه من الأستوديو السري إلى المجتمع.

لكن الصعوبات لم تنته هنا، فالكثير من أصدقائه خاصموه وبعض الأقارب نصحوا والديه بترك أيمن هذه "الفعلة" كونها تجلب "العار" للعائلة على حد قولهم، إلا أنه عندما بدأ تدريبه مع مدربة الرقص رابعة مرقص لم يعد يهمه أحد خصوصا بعد دعم العديد من الأشخاص له، فهو يرى بالباليه أمرا مختلفا عن باقي أنواع الرقص، "قوة حركة الراقصين والليونة وأسلوب إيصال الرسالة ليس موجودا بمكان آخر" على حد قوله.

"أشعر أنني أحقق ذاتي في رقص الباليه.. كل خطوة تجذبني وكل حركة.. الموسيقى.. أشعر بالحرية". وردا على سؤال لماذا الباليه بالذات كون هذا الرقص غير شائع لدى الذكور، يؤكد أيمن أنه "ليس لأي أحد الحق بسلبه ماذا يحب، وماذا يريد، وما يختار لنفسه في حياته". ويضيف " لم اعد اهتم لأي تعليق بذيء يقال في حقي، فهم الذين يبقون مكانهم وأنا الذي أصل إلى حلمي، لكن من ناحية أخرى لا ألومهم بل ألوم إعلامنا وبعض النخبة التي تصور هذا الفن وكأنه للنساء، ما زال لدينا ضعف في الثقافة الفنية فوسائل الإعلام لا تعطي الفن حقه ومجتمعنا لا يعطي فنانينا حقهم".
أن تكون عربيا في "كيبوتس" يعني أن تكون "الآخر" و "المختلف". فأيمن وبعد تميزه مع المدربة رابعة مرقص ذهب ليطور نفسه أكثر في مدرسة رقص في كيبوتس "جاعتون" القريب مع المدربة يهوديت الون التي يعتبرها أحد أكثر الأشخاص الذين اثروا في حياته، إلا أنه يواجه مجددا تحديات. وهذه المرة على صعيد هويته القومية كونه عربيا، فالعديد من الطالبات وأهلهم من الكيبوتس لم يعجبهم تألق أيمن وتميزه والمساحة الأوسع التي كان يأخذها خلال العروض. وتفاجأوا بـ"العربي الناجح"، فكان يشعر من قبل البعض "عنصرية فنية" تجاهه، إلا أن هذا الأمر لم يثنه خصوصا في ظل الدعم المتزايد والالتفاف حوله أكثر وأكثر ليبدأ مشوار الشهرة، إذ قامت القناة التلفزيونية الثانية بإعداد فيلم وثائقي عن أيمن لتأتي من بعدها العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية لتغطية "أول راقص باليه مسلم" كما وصفوه إلا أن هذا الأمر اغضب أيمن كثيرا فهو يرفض أن يوصف بهذا الشكل، وقام برفع دعوى قضائية على إحدى وسائل الإعلام التي تريد "سكوب رخيص" على حد قوله.

إلا أن تجربة الكيبوتس لم تكن بالأمر السيئ، وإنما العكس فقد تطور أيمن كثيرا إلى أن حصل على منحة ليتعلم الرقص في Rambert school of ballet and contemporary dance في مدينة لندن.
" دائما كانت لندن حلمي الأبدي منذ أن شاهدت فيلم Billy Elliot الذي اثر في حياتي كليا كون قضية الفيلم مشابهة جدا لقصتي، فلندن بالنسبة لي هي تحقيق الحلم، فأشهر الفرق العالمية موجودة في لندن".

يحكي أيمن عن حلمه الذي يتحقق في لندن فهو ما زال في سنته الأولى ولديه ثلاث أخرى، ويضيف "خلال هذه السنة قمت بأداء عشرات العروض، ومنها في أشهر صالات العرض (الأوبرا هاوس) وتم اختياري من قبل المدرسة لتمثيل المدرسة في العديد من المناسبات بالرغم من أني طالب سنة أولى، كما ونجحت بعدة امتحانات للرقص وتلقيت العديد من العروض.. انه الحلم يتحقق".

وفي حديثه عن السياسة يقول أيمن " في البداية ظنوا الناس أني قادم من فرنسا أو ايطاليا لكنني قلت لهم إنني فلسطيني.. فلم يصدقوا، للأسف هنالك في الغرب صورة سيئة عن الفلسطينيين والعرب وكأننا شعب ليس لديه فن وفنانين وطاقات إبداعية.. فإسرائيل دائما تصورنا كإرهابيين، لذلك يوجد مسؤولية أخرى على عاتقي وهي تغيير هذه الصورة الخاطئة عن طريق الفن ومخاطبة ضمائرهم، فمثلا قصة أسطول الحرية وحنين زعبي الأخيرة كان لها تأثير علي شخصيا وعلى المجتمع هنا، فكيف قامت القوات الإسرائيلية بمهاجمة قافلة سفن سلمية بطريقة وحشية والتهجم على حنين زعبي في الكنيست أعطى صورة مغاير جدا عن إسرائيل، لذلك أرى أن جزءا من رسالتي هو أيضا شعبي الفلسطيني الذي افخر بانتمائي له وبتمثيله عالميا".

أما عن المستقبل فيريد أيمن إنهاء تعليمه في مدرسة الرقص والتخرج ليكمل مشواره في لندن فهو ما زال لديه أهداف أخرى كالرقص في فرقة عالمية، يريد العمل في هذا المجال في الخارج، ما زال لا يعرف متى سوف يعود إلى البلاد نهائيا، إلا انه يؤكد انه سيقوم بزيارات لتقديم عروض وورشات، منوها إلى انه لن ينسى انطلاقته الأساسية في البلاد وكل الذين ساندوه في "طريق الألف ميل".
بعد تجرؤ أيمن على خوض هذا التحدي، التحق من بعده شباب عرب آخرون لمدرسة الرقص عند المدربة رابعة مرقص- روبي، وبدوره عندما سألناه عن رسالته إلى الشباب العرب الذين يودون رقص الباليه، قال لنا "انصح كل شاب يشعر انه يحب الباليه والرقص أن يتوجه إلى رابعة وان يكسر حاجز الخوف. أنا آمل أن تكون تجربتي نورا في النفق الذي يمر فيه البعض. ورسالتي ليست فقط للشباب إنما لأي شخص يشعر أن لديه موهبة مكبوتة بأن لا يبقيها في داخله بسبب أفكار مسبقة أو قيود يفرضها علينا المجتمع.. فلا أحد يستطيع أن يفرض عليك كيف تعيش فالإنسان يولد حرا.. واشدد مرة أخرى على كل الذين يقرأون كلامي واذكرهم بأنهم هم الرابحون في طريق تحقيق الذات.. لا تيأسوا.. آمنوا بأنفسكم.... روحوا ع الآخر".

******************************************

رابعة مرقس - روبي
معلمة ومصصمة رقص من مواليد قرية كفرياسيف، تحمل اللقب الأول في فنون الرقص والحركة، درست وعملت في مجال الرقص المعاصر في باريس، شاركت في العديد من الأعمال الفنية المحلية والعالمية في مجالات الرقص والمسرح.

بادرت في عام 2007 لتأسيس مركز للحركة والرقص وهو "ستوديو رابعة مرقس" في قرية كفرياسيف كما وأسست فرقة "رماز" للرقص الحديث والمعاصر وهي فرقة فلسطينية تعمل في الجليل.

تطمح فرقة "رماز" أن تكون الإطار الدافئ والمحتضن لكل راقصة فلسطينية وراقص فلسطيني أينما كانوا على هذه الأرض، ليشكل هذا الإطار المساحة الواسعة لإبداعات الراقصات والراقصين، لأفكارهم واقتراحاتهم ومشاريعهم الفنية الخاصة في ظل التهميش المستمر للفن الفلسطيني وللتأكيد على أن هذا الشعب – بالرغم من المآسي التي لحقت به – لا زال ينبض فنا وثقافة وأملا لغد أجمل.

...