"ومن يكُ ذا فضْلٍ فيبخل بفضلِهِ على قومِه يُستغنَ عَنْه ويذمم"

"ومن يكُ ذا فضْلٍ فيبخل بفضلِهِ على قومِه يُستغنَ عَنْه ويذمم"

إصنعوا البر منعمين وجودوا ايّها القادرون قبل السؤال لانتشار العلوم، او لانطواء البؤس والشر، او لترفيه حال' 'حافظ ابراهيم'.

قرأت أمس – خبراً عن غني....' ليت أهل الغنى والشرف يقعون عليه! أراد أحد الأغنياء في الغرب ان يزكي بشيء من ماله في سبيل المصلحة العامة، فكتب 'متبرعاً' بخمسة ملايين دولار لمصحّ الاطفال المصابين بشلل الاطفال، ولم يزد ان كتب الى المؤسسة 'بانه يقدم هذا المبلغ بطريقة الاحسان...' فاكبرتُ انا هذا العمل، وظننت انه انتهى عند هذا الحد.

ولكنه في اليوم الثاني، تلقى بدلاً من شكر المؤسسة على عمله، تلقى مبلغه نفسه واعتذاراً بعدم قبوله لان المصح لا يقبل الاحسان.....

ولكن هذا الغني بدلاً من ان يُرغي ويُزْبِدْ أعاد المبلغ مضاعفاً راجياً ان يتقبله المصح بصفه هدية متواضعة للاطفال.

فعدت أكبر هذا العمل من ناحية ثانية، لا من ناحية السماحة في العطاء، والاريحية في الجود... ولا من ناحية إقبال هذا الغني على التبرع، وهو تبرع سخي ... ولكني أكبرته في شخصية المصح الذي استهدف من عمله 'احترام الكرامة الإنسانية' التي يجب ان تتسامى عن الاحسان، وتقدس الكرامة في الانسان.

إذاً ليس هؤلاء الاطفال المصابون إلا احياءً قضى عليهم الدّاء، والكرامة الإنسانية مسؤوله عن معالجتهم وتخفيف الالام عنهم.

انتقل فكري والفكر يثير الفكر الى تقدير ما يفعله اهل الغنى عندنا في سبيل المشاريع الاجتماعية والخيرية ... فاسفت لاني لم اجد حوادث عالية تجعل المال يبرر المال، والغنى يشرف الغنى. لان احساسنا بالغنى لا يتوجه الا حيث يتمرغ في الترف والنعيم الذاتي الرخيص، حتى بات يحتار في خلق وسائل الترف.

فهذا نجل رجل غني نشأ على بساط الغنى، لم يجد في تربيته الاجتماعية إلا ما يوجهه نحو استبدال سيارة فخمة بسيارة أفخم، والتفنّن في قضاء ليلة مقامرة، أو عامرة تختلف عن الاخرى .... واكثر ما يقضيه نحو مجتمعه ان يقدم الضرائب المفروضه عليه بنفس شكسه، وغصه دامية ... لانه لا يجد علاقة إجتماعية بين ماله ومجتمعه، وبين حقه الذي هو له، وحقه الذي هو عليه.


عند ذلك ذكرت هذه الفئة من اهل اليسار والغنى التي تقتصر عليها السعادة، فلا تعرف كيف تنفق منها على الغير، فتخسرها، وتقتلها كما يخسر النهر الكبير نفسه حيت ينصب في الرمال ويدفن طاقة الحياة بدون حياة....

وذكرت تلك الفئة العاملة التي تكدح للرغيف، والعيش فتشقى بها، ولا تجد من يعينها عليها ... كيف تحملها على ان تقنع دائماً بحياتها الكادحة، وكيف نفرض عليها الا تطلب السعادة إلا من داخل أنفسها ... وهي ترى المال يتبدد في غير موضعه!

واذا هزها احد للإحسان اخذت تتبجح وتتفنن في إظهار تبرعها وإحسانها لتسمع الاشياء بها وحروف المطابع قبل الناس، كأنها تتبرع بشيء لا يفرضه عليها الواجب والشعور الانساني، الا ما اكثر حاجتنا الى انماء الشعور الاجتماعي في الافراد، وما اكثر حاجتنا الى اقناع كل فرد بانه لم يعد مملكة مستقلة بنفسه، وانما هو جزء متصل باجزاء هذا المجتمع وان كل فرد فيه مجبر على تقديم ما يحسنه وما يملكه، لمجتمعه ولقومه، تقديم واجب لا تقديم إحسان، لان المال لا يظهر نفسه الا بما يساعد في الخدمات الاجتماعية، ولا يبرر وجوده الا بما يسهم فيه في المشاريع العامة التي تزيد من السعادة، وتخفف من الشقاء وتعين على الوثوب.

اما المال الذي لا يملكه الا صاحبه، ولا ينفقه الا حول ملذاته الانانية فلن يثير الا الحقد والنقمة. وشتان ما بين هذا الصاحب وذاك الذي آثر ان يكون من ماله ما يواسي به الضعفاء، ويحمل السعادة الى الاشقياء لانه يعتقد ان ماله لا يسعده اذا كان مجتمعه شقياً ... وان فضله لا ينفعه اذا لم يجعل الناس فيه شركاء له ...

ورحم الله زهيراً اذا يقول:

ومن يكُ ذا فضْلٍ فيبخل بفضلِه
على قومِهِ يُستغنَ عَنْه ويذمم

- كفر ياسيف-