أدونيس وغاندي وغيفارا../ رشاد أبو شاور

أدونيس وغاندي وغيفارا../ رشاد أبو شاور

هل يحتاج أدونيس إلى التعريف به؟
إنه الشاعر الكبير علي أحمد سعيد ( أدونيس)، وهذا يكفي، فقيمته الأدبية _ الشعريّة كبيرة، وحضوره الفكري العاصف كبير _ وهو مثير للجدل، وهذا شأن الكبار...

استوقفتني واحدة من مداراته التي يكتبها على صفحات ( الحياة) يوم 4 أيّار 2006، وعنوانها: غاندي، لا غيفارا..
قرأت المقالة التي بدأت مثيرة من سطرها الأوّل ( أعجب بشخص غيفارا، بحضوره الجمالي، بحبّه للحياة والمرأة، غير أنني لا أعجب بالطريقة التي اتّبعها في العمل التحرري.)

لن أقوّل أدونيس ما لم يقل، وبالتأكيد لن ألخبط ما جاء في مقالته، ولن أجتزئ بما يشوّه ما طرحه، حرصاً على جديّة محاورته بموضوعيّة.
أسأل أدونيس: أنت معجب بشخص غيفارا، ولكنّ غيفارا ليس مجرّد شخص ( ما)، إن غيفارا بلحيته الشهيرة _ وهي ليست رمزاً دينيّاً، ولكنها تعبير ثوري _ بالبيرية على رأسه، ببندقيّة ( الكاربين) التي قاتل بها، وجرح وهو في غمار المعركة، وأسر وقد تعطّلت، بعد أن أصيبت برصاصة في ميدان المعركة، وأشرف مندوبو ال CIA على قتله، وبتر أصابعه، وحملها إلى واشنطن للتأكد من أنها لن تضغط على الزناد بعد موته، وفي هذا الفعل الشنيع تخويف لغيره من الثوريين الذين يسيرون على خطاه.

غيفارا الذي عرفنا فكره، وتابعنا معاركه، وقرأنا كتاباته بثوريتها الرومانسيّة، والذي قاتل مع كاسترو، دعا لوحدة ( القّارة ) الأمريكيّة اللاتينيّة، وغادر السلطة في كوبا _ تأمّلوا انتكاسات بعض النماذج الثوريّة في بلاد العرب، فلسطين خّاصةً، التي تدوخ شغفاً بالسلطة، وتتخلّى عن ماضيها، وأفكارها، لفرط أنانيتها ووصوليتها وانتهازيتها _ ليفجّر ثورة على أرض ( بوليفيا) التي تحرّرت هذه الأيّام، وانتخبت (موراليس) الذي أمّم نفطها وغازها، بطريقة تذكّرنا بتأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس، ويعمل على إعادة ثرواتها لشعبها المسحوق الذي ضحّى غيفارا لتحريره، والذي تطّل روحه اليوم في سماء القّارة التي تنفض الهيمنة الإمبرياليّة الأمريكيّة الشمالية عن أجزاء شاسعة منها مبشّرة بانتهاء زمن جمهوريّات الموز وحكّامها العملاء للإمبرياليّة الأمريكيّة اليانكيّة.

غيفارا ليس شخصاً، فلو كان شخصاً ( ما)، وسيماً جميلاً لما عرفناه. نحن عرفناه لأنه فكر، وممارسة، وسلوك، لأنه ( روح) إنسانيّة نبيلة، لأنه تجديد في الفكر الثوري...
أمّا أنه يحّب الحياة فهذا عائد إلى أنه يحّب الإنسانيّة ويكره الظلم، ولهذا دعا لتفجير ثلاث فيتنامات في العالم لكنس الاستبداد الإمبريالي الأمريكي، منادياً بالأخوّة الإنسانيّة، وبأن يقلق أنين الضحايا وصراخهم راحة جلاّديهم ومستغلّيهم.
تعجب به لأنه يحّب المرأة !
غيفارا كان يحّب المرأة لأنه ثائر، يحترم المرأة،يعمل على تحريرها، فجمالها، وحضورها الإنساني، لا يتألقان ويتحققان إلاّ بالحريّة.

هناك ثوريون متخلفون تعاملوا مع المرأة كجسد، كسلعة، وهؤلاء سقطوا في الميدان لأنهم خانوا المبادئ، والشعارات، وكّل ما ادّعوا التضحية لأجله.

لا يكفي أن يكون إنسان ما حاضراً جماليّاً، ومحبّاً للمرأة حتى يحظى بإعجابنا، ولذا اسمح لي يا أستاذ أدونيس أن أخبرك بأن ملايين البشر ما زالوا يرفعون صورة غيفارا، ويمشون تحتها في التظاهرات التي تدين العدوان على ( العراق )، وامتهان حقوق شعب فلسطين، يفعلون هذا لأن غيفارا ثائر، وليس لوسامته وحبّه للمرأة ( من منّا لا يحّب المرأة يا أدونيس؟ ولكن ليس كّل محّب للمرأة ( غيفارا).

تقول: (تحررياً أفضّل غاندي: رؤية، ومنهجاً، وممارسة...)
اسمح لي أن أداعبك قليلاً وأنا أعرف ميلك للفكاهة: هل غيفارا وغاندي طبقان يعرضان عليك لتختار مفاضلاً بينهما؟ أفضّل غاندي بالميونيز من فضلك..هكذا تخبر ( النادل) المنحني قليلاً، والذي سيبادر مع ابتسامة بتناول قائمة الطعام من يدك، ليعود لك بعد قليل بطبقك المفضّل (غاندي ) مع المقبّلات...
تحرريّاً أفضّل !

يعني أنت تفضّل أسلوب غاندي السلمي، لا أسلوب غيفارا العنفي !
هذا حقّك، ولكنّك كشاعر ومفكّر حر مع الكتابة بكّل الأساليب، فأنت لا تحصر أي مبدع في أسلوب كتابي بعينه، وهذا يمكن أن ينطبق على الثورات، فالشعوب تكتب نصوصها، ومسيراتها، بما يناسب طبيعتها، ومواضيعها، وأهدافها، وخبراتها، وتجاربها، وهي تطوّر من ( كتابتها) كما يفعل الشعراء، والمبدعون، بدليل أنها تتعلّم في ميدان الممارسة، مستفيدةً من تجاربها، بما يرتّد نفعاً عليها.

تجربة غاندي نجحت في الهند فقط، وتجربة غيفارا نجحت في كثير من بلدان وقّارات العالم: في الصين من قبل، في فياتنام، في كوبا، في جنوب لبنان الذي مازال مفتوحاً على احتمالات استئناف المقاومة بالعنف الثوري ( السلاح)، وفي فلسطين بذل الشعب الفلسطيني الكثير حتى يتخلّص من الانتداب البريطاني، وها هو يخوض معركته بالسلاح منذ عشرات السنين، يعني قبل غيفارا، ثمّ ليدخل في خيار ( السلام ) فيفقد الأرض، ولا يفوز بالسلام، حيث هناك من يتحدّث وينظّر للحوار مع ( الآخر)، وهذا ( الآخر) تسمية تضليليّة للعدو، الذي هو عدّو لم يأخذ فلسطين ب( الإقناع) و( الجدل)، ولكن بالقنابل، والموت، والإبادة.

تقول يا أدونيس: أرفض العنف بأشكاله جميعاً، مهما كانت أهدافه، مهما كانت مسوّغاته، سواء كان فرديّاً أو جماعيّاً.
وأنا في رفض العنف مع اختلاف غير بسيط: ليس بكّل أشكاله، فأنا _ وهناك من يشاركني_ أرفض العنف بما هو ظلم، اعتداء على الآخرين وحقوقهم، وممتلكاتهم، ولكنني بالتأكيد، ويشاركني كثيرون، مع حّق من يقع عليه ظلم أن يدافع عن نفسه، يعني أن يرّد الظلم وهذا لن يتّم بالإقناع، فحتى السيّد المسيح بكّل تسامحه اضطّر أن يحمل السوط ويطرد التجّار والسماسرة من ( بيت أبيه)، ولست أحسب أنك أكثر تسامحاً من السيّد المسيح!.

ما أهميّة أن تقول للفلسطينيين مثلاً أنك ضد كل أشكال العنف؟ ماذا يغيّر هذا في وضعهم؟ بماذا يسلّحهم فكريّاً؟ أتراك تقترح عليهم إنجاب غاندي من بينهم، والسير وراءه مطالبين شارون، وموفاز، وبيرس، وباراك، ومن قبل بيغن، وشامير و..بأن يكفّوا عن الاستيلاء على أرضهم، وقتل أطفالهم، واقتلاع أشجارهم و..؟

ما فعله غاندي في الهند في وجه بضع عشرات من ألوف الجنود والموظفين الإنكليز، لا يناسب فلسطين التي فيها استعمار استيطاني، يقتلع مجتمعاً من أرضه، ويزرع تجمّعاً يجلب من أطراف الدنيا في مكانه و..بالعنف، الذي لا يخفى على إنسان عربي بمستواك !

تكتب في مقالتك:
(ثمّ إنني أفضّل، في كّل عمل تحرري، أن يشارك الشعب كلّه في النضال، لا أن يقتصر هذا النضال على مجموعة من الأفراد، أيّاً كانوا.)
يا ريت يتمكّن كل الشعب من المشاركة في النضال !
هذه تعميمات يا أدونيس العزيز.
تسألني كيف؟
أنت تطرح فكراً، والفكر لا قيمة له إن لم يكن مسخرّاً لنفع البشر، للممارسة، ليتحوّل من كلام إلى فعل، وتطبيق...
أنظر مثلاً لحال الشعب الفلسطيني، إنه ليس في مكان واحد، لأنه طرد من أرضه بالعنف العدواني، واقتلع اقتلاعاً بالطائرات والدبّابات الأمريكيّة،والبريطانيّة،والفرنسيّة،والتشيكيّة، والألمانية _ هذه جزء من التعويضات التي قدّمتها حكومة المستشار أديناور للحركة الصهيونية، بالإضافة للميارات من الماركات _ فتشرّد في الأقطار العربيّة المحيطة بفلسطين، وبقي بعضه تحت الاحتلال، وتمزّقت أرضه ( محتلة 48، قطاع غزّة، ضفّة غربيّة)، فبالله عليك، قل لي كيف سيجتمع ( كّل ) الشعب الفلسطيني ليناضل معاً؟!

ثمّ: أين في تاريخ البشريّة هبّ شعب دفعة واحدة، في ساعة ( صفر) شديدة الدقّة، واتفق بغتةً وبدون تمهيد وإعداد على أهداف ووسائل، وبرنامج تحرر؟ حتى الانتفاضات الكبرى ككومونة باريس ما كانت لتحصل لو لم تكن هناك طليعة ثوريّة، وشرائح اجتماعيّة لها مصلحة في الثورة، والتغيير، وإسقاط الباستيل أي باستيل.

إنك يا أدونيس تنفي، أو تقفز على، الصراعات الاجتماعيّة والطبقيّة، وتنظّر لمجتمع يتكوّن من ( شريحة ) واحدة، بمستوى عيش واحد، بمصلحة واحدة، وهذا بحسب معرفتنا لم يحدث حتّى في المجتمعات البدائية التي كان أفرادها يحسمون صراعاتهم بقدراتهم الجسديّة ( القوّة )، ولتتحوّل ( القوّة ) إلى امتيازات، وممتلكات، وهيمنة، وأتباع، وظلم يدفع للتمرّد والمقاومة...
(غيفارا: عصبة، طبقة، فئة، طليعة..الخ، تمارس العنف.
غاندي: الشعب كلّه، في تنوّع فئاته ووحدتها، مسلّحاً بالسلام والانفتاح على الآخر.)

ثمّ تصل بعد المقارنة بين غيفارا وغاندي إلى الخلاصة، والقول الفصل ومع أننا، ثقافة وممارسة، أقرب إلى غيفارا منّا إلى غاندي، فإنني مّمن يقولون: لسنا في حاجة إلى غيفارا، نحن في حاجة إلى غاندي...).
أدونيس يقصدنا نحن العرب، وبالتحديد عرب فلسطين، والعراق، ولبنان، حيث في هذه الأقطار مقاومة، وعنف ضد عنف الاحتلال، والقوى الباغية المعتدية التي تتحدّى كل الشرائع الدوليّة، وتفبرك الأكاذيب تسويغاً لعدوانيتها.
من العاصمة اللبنانيّة بيروت طردت قوّات الاحتلال ( الإسرائيليّة) بقوّة السلاح، ولوحقت على أرض الجنوب، وهربت من صيدا وصور، ثمّ تحقق الانتصار المؤزّر بقيادة حزب الله في العام 2000، وما زالت بعض الأراضي هناك تنتظر التحرير _ مزارع شبعا _ وما زالت الأصابع على الزناد، فالعدو غالباً يخرج من الباب ليعود من الشبّك بسحنة محليّة، وبلغة محليّة تتباكى على الوطن، وياما أجهضت ثورات، وأفشلت حركات تحرّر بهذه الأساليب ( هل يغيب عن نظرنا ما يجري في فلسطين راهناً، بعد الانتخابات التشريعيّة التي عصفت بالفساد، وفضحت مسيرة سلام أوسلو؟).

نحن لا نفاضل بين غيفارا وغاندي، فنحن كعرب بحاجة لكّل أساليب المقاومة للتحرر من الاحتلال، وأرقاها أسلوب العنف الثوري الذي يعيد صياغة حياة مجتمعاتنا.
أسأل أدونيس: أأنت متأكّد أن ( كّل) الأمّة الهندية سارت وراء غاندي؟ لا يوجد إجماع في أي بلد، وأي أمّة، على أمر واحد. هذا وهم، أو هو تضليل ليس إلاّ.

الهند وهي تستقّل تشققت، وخرجت منها باكستان، وغاندي قتله ( هندوسي) متطرّف رافض لإنسانيّة غاندي وتآخيه مع الهنود المسلمين وغيرهم، وأثناء مسيرة غاندي وجد من يتحالف مع الإنكليز، ومن يتآمر معهم على بلده، وأمّته.

نحن لسنا أمام الخيار بين غاندي وغيفارا، نحن أمام احتلالات تدمّر وطننا العربي، وتعيده إلى زمن ( الطوائف)، فهل الاحتلال هذا ( آخر)؟ هل قوّات بوش وبلير ( آخر)؟ وهل المجلوبون من أمريكا، وأوربة ليحتلّوا بيت الفلسطيني وحقله ( آخر)؟

اسمح لي أن أقول لك بأن العدو شيء و( الآخر) شيء آخر !
العدو هو الذي يحتّل أرضي، يعتدي على إنسانيتي، يستولي على بيتي وحقلي، يشرّدني بالقوّة، مردداً أن هذه _ فلسطين_ أرض أجداده قبل ألفي سنة، وأنه ( يعود ) إليها، ومع ذلك يراد منّي أن أعتبره ( آخر)، وأن أعتبره ( تقدميّاً ) و( يساريّاً ) إذا ما أبدى شيئاً من الشفقة على أوضاعي، وصعوبة حياتي المعيشيّة أنا العربي الفلسطيني، وأن أحاوره، وأجلس معه فقط لسبب واحد وهو أنه يستقوي بما لدى ( دولته) من أسلحة، دولته التي ترقد على عشرات الرؤوس النووية، دولته التي تقوم على وعد إلهي ( ديني) ( أصولي) مغرق في التعصّب، ذلك الوعد الذي ما كانت له قيمة أو جدوى لولا وعد ( بلفور) والانتداب البريطاني الاستعماري؟

كيف يكون الحوار، واللاعنف، والغاندية مع هؤلاء؟
ألا ترى كيف يقتلون، ويجرحون المتظاهرين الفلسطينيين _ والأجانب المتعاطفين _ سلميّاً، ويخنقون النساء والأطفال بقنابل الغاز، علماً أنهم يحتّجون سلميّاً ضد جدار النهب المدان في محكم العدل الدوليّة في ( لاهاي)؟ ألم يقتلوا الشّابة الأمريكية ( راشيل كوري ) بأنياب الجرّافة وهي تتضامن مع الفلسطينيين؟

عن أي غاندي يا أدونيس تتحدّث؟
ثمّ تذهب إلى الهدف من المقالة المكتوبة في هذا الوقت: ( لقد أثبتت التجربة أن مثال غيفارا كان طريقاً ملكيّة لتهديم طاقاتنا، لتخريب حياتنا، لتبديد ثرواتنا، لفشلنا، ولتشويه وجودنا وحضورنا في العالم.)
ياااااااه، أكّل هذا جنته علينا الغيفاريّة؟
لا يا أدونيس: الذين جنوا علينا هم من قسّموا بلادنا، وأذكّرك بهم: فرنسا وبريطانيا، ومن بعد أمريكا، ثمّ الربيبة: ( إسرائيل)...
والذين جنوا علينا هم من كرّسوا تقسيم بلادنا، المتحكّمون بشعوبنا العربية المنتميّة لأمة واحدة، وهؤلاء لهم مصلحة في تخلّفنا، وفرقتنا.
الذين جنوا علينا هم من استحوذوا على الثروات التي شاءت الأقدار أن ( تنبع) من تحتهم وهم يبركون في الصحراء، بالمصادفة، وهؤلاء العشائر صاروا دولاً شتّى، وارتبطت ( دولهم) بناهبي ثروات الأمّة التي ( تحميهم) من ( شعوبهم) ومن غضب وقهر وجوع عرب محرومين تواّقين للحريّة، والعدل...

الغيفاريّة كما تقصد، وكما هو واضح من خطابك يا أدونيس العزيز، هي المقاومة، وهنا أذكّرك بأن المقاومة حررت: تونس، الجزائر، المغرب، اليمن، جنوب لبنان، وأنها تحشر الإمبريالية الأمريكية في ورطه لا مخرج لها منها في العراق، وأنها تتأجّج في فلسطين رغم كّل مؤامرات خنقها وإطفاء نارها، وانكشاف زيف الشعارات الديمقراطيّة التي فضحتها نتائج الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة والتي أسقطت الفساد، وحشرت مسيرة ( أوسلو) في الزاوية، وما نراه من تآمر على نتائج صناديق الاقتراع والخيار الفلسطسيني الشعبي.

عندما اقتحمت القوّات الأمريكيّة بغداد يوم 9 نيسان كتبت شخصيّاً بأنها ربّما تكون نهاية الإمبراطوريّة الأمريكيّة، ولعلّ هذا ما أدهش بعض الأصدقاء في لحظة اليأس تلك، وها نحن نعيش ونرى أن نهاية إمبراطورية الشّر ستكون بتضحيات العراقيين ومقاومتهم الباسلة، رغم عظم التضحيات.

مأزقنا الذي نحن فيه كعرب تكرّس في ( كامب ديفيد) و( أوسلو ) و( وادي عربة )، وخيار السلام الذي ما فتئت تروّج له نظم الفساد، والخراب، والتفتيت، والسلط المستبدّة، وثقافة التضليل بكّل تجليّاتها.
تقول ب(أن السلاح منذ يلبس رداء العنف ينقلب إلى عدو للحريّة نفسها، يصبح نوعاً من العدوان على الذات والآخر، معاً..).
يبدو أنك يا أدونيس لم تقرأ دراسات أحد منظّري الثورات في القرن العشرين، الدكتور فرانز فانون، الذي توقّف عند فكره مطوّلاً إدوارد سعيد، المارتينيكي الذي انحاز للثورة الجزائرية، وكتب من خلال التجربة الميدانيّة في الجزائر، من داخل مجتمعها، وثورتها: ( معذبو الأرض ) و( سوسيولجية ثورة )، لترى كيف اكتشف طبيب الأعصاب النبيل، أن ( الثورة ) هي التي تحرر المجتمع، والأفراد، من أمراضهم، وعقدهم، وبؤس حياتهم، وتحقق لهم التوازن النفسي، واحترام الذات، وتفجّر القوى الكامنة في روح المجتمع...

هل لديك فكرة عن الأمراض التي يعاني منها أطفالنا في فلسطين بسبب جنود الاحتلال؟ بسبب المداهمات الليلية لجنود ( الآخر) المتحضريّن القادمين من ثقافة وحضارة الغرب؟!
هل تعرف أن نساءنا يلدن في السجون الاحتلالية؟ ماذا كان يقترف النازي الهتلري اكثر من هذا؟!
تصرخ يا أدونيس لا سلاح للحريّة إلاّ الحريّة – إلاّ السلام.)
يعني شو ( ماذا؟) يا أدونيس !
قل لي: كيف تتحقق الحريّة في فلسطين، في العراق؟!
الحريّة تنزع، تؤخذ ولا تعطى، لا يهبها أي ( آخر ) لك، خلط الكلام لا ينفع، العبارات المبهرة تزول ما أن توضع أمام المساءلة، وهذا ما يحدث للعبارات التي تسوقها مغطّاة بالتفجّع على حالنا، وعلى ( الآخر)، أي ( آخر) !

هل تقول الغيفارية بالتوريث في بلاد العرب؟ هل تبارك النهب والسرقة؟ هل تبرر مراكمة أرقام عوائد النفط في البنوك، وحرمان الشعوب من تحويلها إلى صناعات، تنهي البطالة، وتمكننا من اللحاق بالدول المنتجة، وتنهي كوننا عالة، نستورد، نبذخ، نبذّر ( ليس نحن بالطبع، ولكن العربي السفيه الذي تعرفه، والذي يجلب لنا العار والخزي بسلوكه المنحّط الفاجر في بلاد ( برّه)!.

الغيفارية مقاومة _ أنظر إليها تتجدّد في أمريكا اللاتينيّة، وتكنس الهيمنة الأمريكيّة اليانكيّة، نحن نصغي لأصوات شعوبها عبر حناجر: كاسترو، تشافيز، موراليس، وغيرهم من ثوّارها البواسل _ ولذا احترمناها وما زلنا، فنحن جزء من الإنسانيّة، وغيفارا مثل هوشي منه، وماوتسي تونغ، ومانديلا، وغاندي، ومحاضر محمّد ومعلّم شافيز، وموراليس و.. هؤلاء هم ( آخرنا) وليس بوش، وبلير، وبقيّة تجّار الحروب ( لا نأخذ شعوبهم بجريرتهم، ولذا نصغي جيّداً لروعة ونبل مواقفها، ونأخذ من ثقافتها بجوانبها المشرقة التي هي لها وللإنسانيّة جمعاء ).
أتوقّف أمام هذه الجملة التي تبدو لي مفيدة جدّاً: (لم نكن أسياداً على حياتنا، طوال هذه الفترة. ولم يكن وجودنا إلاّ كمثل كرة يدحرجها الآخرون...).

نعم، هذه جملة مفعمة بالصواب: نحن كنّا، وما زلنا كرةً يدحرجها الآخرون _ أولئك الآخرون المستعمرون هم جحيمنا، بالإذن من سارتر _ ولذا يتوجّب علينا ذوداً عن إنسانيتنا أن نوقف الآخرين عن دحرجتنا، بأن نكّف أرجلهم وأقدامهم عن مواصلة دحرجتنا، وتدويخنا، وإفقادنا اتزاننا، واللعب بنا كأننا كرة، فلننه هذه العلاقة بين أقدام اللاعبين، ورؤوسنا!
إنها لعبة دموية، إجراميّة ليس فيها تكافؤ، ولا رحمة، ولا أخلاق، ولاإنسانيّة، فما العمل يا أدونيس العزيز؟!

تسأل نفسك:( من أنت، أيها العربي الذي يسكنني؟ )
وأنا أسألك: ما العمل الذي ينقذ العربي الذي يسكن أدونيس( عربيّنا)؟ وما دور الشاعر، والمفكّر؟
أسألك: لمن كتبت هذه المقالة يا أدونيس؟ إن كنت كتبتها لنا فهي لن تدفعنا للتخلّي عن المقاومة فكراً وسلوكاً، عن ثقافة المقاومة التي يحاربها بوش وبلير وأتباعهما في بلاد العرب...

غيفارا وغاندي ثائران، الفرق بينهما في الأسلوب، واختيار الوسيلة المناسبة، ولكنهما مقاومان عنيدان، وهما ميّزا بين العدو والصديق، بين من يحتل القارة الأمريكيّة اللاتينيّة، والهند، ومن يؤازر ويتعاطف مع شعوبهما، فالخلط يناسب من يتقاعسون عن خوض معارك حريّتهم حتى النهاية، من يحسبونها شخصيّاً، من لا يختارون الأدوار الفادحة التكلفة...
كان غاندي يردّد: فلتهب على بيتي المشرع النوافذ كل الرياح، ولكنها لن تقتلعني من جذوري...

المقاومة هي دفاع عن الجذور، عن الأرض التي تنبت فيها الجذور، عن أصحاب الجذور، عن ثقافة الجذور،والمثقّف الذي لا يخوض معركة الجذور، وينشغل برضى ( الآخر) البعيد ينبّت ويخسر دوره وجذوره، ولن تضرب جذوره في أرض ( الآخر)...



* نشر هذا المقال في عدد مجلّة ( الآداب) اللبنانيّة الأخير، لشهري أيّار وحزيران 2006.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018