الحداثة السينمائية: من طوكيو إلى القاهرة

الحداثة السينمائية: من طوكيو إلى القاهرة

قبل عام 1995 ، لم يكن اصطلاح السينما الأخرى دارجاً في قاموس الثقافة السينمائية المصرية، ولم يكن يتوفر لدى الجمهور العربي سوى افلام الأكشن والعنف و الكراتيه حتي انه من كثرة التركيز على هذه النوعية من الأفلام صار بروس لي و جاكي شان نجمي السينما اليابانية والصينية الوحيدين.

وفي ظل هذا التقييم غابت ملامح السينما الانسانية عن أعين المشاهد العربي والمصري لسنوات طويلة، الى أن لاحت في الأفق بوادر لأنماط أخرى من السينما الجديدة ساهم في رواجها جيل جديد تمرد على الشكل التقليدي لسينما الستينيات والسبعينيات وقرر أن يقدم شيئاً جديدا.. وتعتبر سلسلة تاريخ السينما اليابانية في خمسين عاماً من أهم الأنشطة التي تقدم صورة واضحة لأفلام النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

وقد قدمت مؤسسة اليابان السينمائية مجموعة مختارة من أفلام التسعينيات كآخر جزء من سلسلة الأفلام اليابانية من خلال مهرجانها الذي أقيم بالقاهرة وافتتحه ناو اندو مدير المؤسسة وحضره عدد من النقاد والسينمائيين المصريين واليابانيين بأحد الفنادق الكبرى على النيل. وأعطت الأفلام التي عرضت في ليالي المهرجان التي استمرت أسبوعاً ملمحاً واضحاً عن شكل اليابان الحديثة والتغيرات التي طرأت على السينما والحياة بشكل عام خلال الخمسين عاماً الماضية والتي تمثل على حد قول اليابانيين انفسهم العصر الذهبي للسينما اليابانية.. من حسن المفارقات والمصادفة ان السينما اليابانية بدأت نشاطها مع السينما المصرية، ولعل ذلك هو العامل المشترك بينهما، بالاضافة الى المتشابهات الأخرى والتي تتمثل في وحدة الموضوعات والقضايا والنوازع الانسانية العالية التي تتحلى بها السينما اليابانية وتتصف بها أيضاً السينما المصرية، حيث دأبت الأخيرة على طرح القضايا الاجتماعية المهمة كتلك التي تحذر من أضرار المخدرات والانحلال الأخلاقي والجرائم المختلفة. فضلاً عن اهتماماتها السياسية لرصد تفاعلات المجتمع ومدى تمسكه واحتكاكه بالقرارات الحكومية ذات البعد السياسي لبيان درجة تكيفه معها وحجم سخطه ورضاه.

وعلى الجانب الآخر نرى أن السينما اليابانية تحمل أيضاً نفس الهموم وتضع المواطن في بؤرة اهتمامها ولا سيما البسطاء وذوي الحاجة، ومن هنا نستطيع أن ندرك سر الارتباط الانساني والنفسي بين الثقافتين المصرية واليابانية، خاصة أن البلدين تجمعهما مشتركات سياسية اخرى من أهمها العداء للوبي الصهيوني الأمريكي وهو ما نوه مدير المركز السينمائي بالقاهرة في كلمته بحفل الافتتاح عندما أكد أن أمريكا كانت وراء تأخر السينما اليابانية والحد من نشاطها لسنوات طويلة واحتكرت منافذ التوزيع في العالم بفرض الهيمنة والسيطرة على السوق، ولكنها لم تنجح في عرقلة اليابان عن ممارسة دوره ونشاطه، وضرب مثالاً للعداء الأمريكي الياباني القديم بفيلم بيرل هاربور الذي سجل جرائم الأمريكان التاريخية ضد اليابان ومحاولة ثأر اليابانيين بضرب ميناء بيرل هاربور الأمريكي، الأمر الذي جدد الصراع وأعطاه مضموناً تاريخياً ليس من السهل ازالة أثاره..

ولكن لا يعني ذلك ان الصداقة المصرية اليابانية في المجال السينمائي نشأت بفعل العداء لأمريكا فحسب، وانما جاءت لاعتبارات فنية وانسانية وأيضا وهي رفض البلدين لكافة أشكال القمع والاضطهاد.. ومن الايات الانسانية التي تتضح في السينما اليابانية فيلم كيلوجير للمخرج تاكيشي كيتانو وهو نفسه صاحب السيناريو والحوار، وتدور أحداث الفيلم الذي اختير للافتتاح حول طفل صغير يعيش مع جدته يلح عليه سؤال بديهي: أين أبي وأمي؟ وتأتيه الاجابة دائما بأن الأب توفى والأم مسافرة بعيداً جداً.. ولا يستطيع الطفل تجاوز السؤال رغم انشغاله بالمدرسة والمذاكرة ويظل يكرره على جدته العجوز التي تتركه أوقاتا طويلة في المنزل يعاني الوحدة والاكتئاب.. فيقرر ذات صباح أن يبحث بنفسه عن أمه التي وجد لها صورة شخصية بالمصادفة مسجلاً عليها عنوان مجهول في ريف اليابان. ولأنه طفل صغير ومعدوم الخبرة يتصور أن العثور على أمه أمر سهل فينزل الى الشارع ويبدأ رحلة بحث شاقة وطويلة تضعه في مواجهة حقيقـــية مع مجتمع ليس مثالياً كمـــــا كان يتصور ونماذج من البشر، بعضهم لص محترف والآخر شاذ وندرة من الناس الطيبين بينهم سيدة تحتجزه عندها لعدة أيام لكنه يهرب منها ويواصل البحث الى أن يلتقي برجل في الأربعين من عمره يتعاطف معه ويقرر أن يخوض تجربة حقيقية للبحث عن أمه.. وينتقلان معا من العاصمة طوكيو الي مجاهل الريف الياباني، وأثناء رحلتهما يواجهان بعض المصاعب وتحدث مفارقات كوميدية تحد من ايقاع الفيلم الطويل والمؤلم، ومع الوقت وبطول المعاشرة تتحول العلاقة بين الرجل والطفل الى علاقة أشبه بالأبوة، وهو معنى مقصود الى حد ما للدلالة على ان الأبوة دور انسانى ليس مقصوراً علي صلة الدم والرحم فقط.. وشيئا فشيئا يتعلق الطفل أيضا بالرجل لاحساسه معه بالأمان والحنان المفتقدين، الا ان حاجته الى أمه لم تتحقق والحاحه عليها لم يهدأ.. وهنا يبرز معنى آخر يؤكد ان الأمومة شيء متفرد لا غنى عنه ولا تعوضه مسكنات أخرى تصب في نفس المكان وتهدف الى تهدئة الروع.. يفشل الرجل في العثور على أم الطفل ولم يشأ أن يواجهه بهذه الحقيقة فيلجأ الى الحيل والخدع في محاولة يائسة لنسيانه، وبمرور اللحظات العصيبة يكتشف الطفل بنفسه صعوبة مناله ويطلب العودة الى العاصمة احتماء بحضن الجدة الذي يعفيه من برد وصعلكة الشوارع.

وتأتي لحظات الوداع بين الرجل والطفل الذي صار ابنه بالتبني موجعة وحزينة، ونكتشف أن مصاحبة الطفل الهادئ الرقيق مساؤو تركت تاثيراً ايجابيا في شخصية الرجل وأصلحت من شأنه وحولته من صعلوك يحترف النصب والمقامرة الى انسان طيب يحمل قلب عصفور!!

وهنا تكمن المفارقة والحكمة ويطل المعنى الحقيقي للأحداث من الكدر.

ويعد هذا الفيلم من أهم أفلام المخرج تاكيشي كيتانو الفائز بجائزة الأسد الذهبي من مهرجان فينيسيا الدولي عام 1997 عن فيلم الألعاب النارية ويمكن القول بأن تاكيشي كيتانو يمثل جيلاً جديداً من السينمائيين الشبان في اليابان بدأوا هواة وأثبتوا وجودهم بجانب مخرجين عمالقة مثل ناجيزا أوشيا و ماساهيرو شينوا و شوهي ايمامورا .. وينتمي جيل سينما التسعينيات الي مدرسة نقد هي الأولى من نوعها تعتمد على الارتجال في الحوار والحركة، ويمثل هؤلاء المخرجون نوبوهيدوسوا الذي صنع فيلمه الأم عام 1999 باعتماده اعتماداً على عنصر الارتجال وتحمل كل ما تحويه التجربة من جرأة وتحد ومجازفة.

والغريب أن هؤلاء المخرجين يتخذون من سيرهم وتجاربهم الشخصية مادة أساسية لأفلامهم على اعتبار أن هذه التجارب هي جزء من تجارب وهموم المجتمع.. ومن أبرز الذين انخرطوا في هذا الاتجاه المخرجة الشابة ناؤومي كاواس ونظيرتها كاتا تسوموري والاثنتان حققتا نجاحاً باهراً ومثلتا اليابان في أكثر من مهرجان دولي.

واستطاع هذا الجيل بأفكاره الحداثية غير التقليدية أن يعيد الثقة الي الجمهور الياباني بعد أن هجر السينما اليابانية واتجه الى الأفلام الأمريكية، فضلا عن أن الجيل نفسه دخل غمار المسابقة ونافس العمالقة على الجوائز العالمية، كما هو الحال بالنسبة للمخرج كوري ايد الذي حصل على ذهبية فينيسيا للمرة الثانية عن فيلمه مابوروش نوهياري عام 95 وهي ذات الجائزة التي حصل عليها المخرج الأشهر من جيل الرواد تاكيشي كيتانو عام 1998 عن فيلم هانابي .. ونستطيع هنا القول إنه بهذا التصاعد والتنوع في السينما اليابانية يمكن التنبؤ بفوزها على السينما الأمريكية في جولات المنافسة القادمة والحاق الهزائم بها بعد جثومها على صدر العالم لأكثر من مئة عام!

وتبين كذلك من استعراض مسيرة السينما اليابانية منذ نشأتها حتى الآن وجود هذا التزامن الكامل مع مراحل تطورالسينما المصرية بدءاً من العصر الكلاسيكي ونهاية بنهوض التيار الجديد الذي تقوده مجموعة النجوم الشباب محمد هنيدي ومحمد سعد وكريم عبد العزيز وهاني رمزي، وهو التماثل الحادث بين جيل الشباب في السينما اليابانية، لا سيما وان كلاهما يتمرد على القديم ويعتمد الارتجال والكوميديا منهجاً وأسلوباً ويراهن فقط على شباك التذاكر باعتباره السياج الطبيعي لحماية تيار التجديد والحداثة.. ولكن يظل الجيل الجديد سواء في اليابان أو مصر يعاني من عدم اعتراف النقاد بما يحققونه من نجاح جماهيري ويعتبرون الايرادات حجة غير كافية لانصافهم، وهو في الواقع منطق لا يجافي الحقيقة اذ لا يزال هناك خروجا صارخاً من الطرفين الياباني والمصري على القواعد الدرامية، الأمر الذي يعمق الهوة الفاصلة بين ذوق الجمهور وطموح النقاد ويجعل الجدل مستمرا في البحث عن إجابة للسؤال: أيهما على حق؟!

(كمال القاضي، "القدس العربي")