ثورة 1936-1939 والذاكرة الشعبيةالفلسطينية (الحلقة 29 )د.مصطفى كبها

ثورة 1936-1939 والذاكرة الشعبيةالفلسطينية (الحلقة 29 )د.مصطفى كبها


اشتداد هجمات الثوار وضراوة الرد البريطاني: في هذه المرحلة، كان الثوار، كما أسلفنا الذكر، قد أخذوا زمام المبادأة، وأخذوا يهاجمون طرق امداد القوات البريطانية وأماكن تجمعها، بل تجرأوا وهاجموا بعض المدن وسيطروا على بعضها، سيطرة كاملة لبضع ساعات.

وقد أقلق ذلك القادة البريطانيين وجعلهم يفعلون كل ما بوسعهم لحفظ ماء الوجه واستعادة الهيبة التي اهتزت بسبب تحقيق الثوار لبعض المنجزات في ساحة القتال.

جرت هذه المعركة بين قوات الثوار وأرتال بريطانية قادمة من طبريا في سهل كبشانة، الواقع بين كفر كنا ومفرق مسكنة إلى الجنوب من قرية طرعان.

وصف أكرم زعيتر في يومياته في اليوم المذكور أعلاه (ص441) هذه المعركة حيث قال: في تقارير اليوم نبأ عن معركة تتلخص في أن خمسة وثلاثين مجاهداً ذهبوا إلى الطريق العام بين كفر كنا وطرعان (الناصرة ) ونسفوا جسراً ثم رابطوا على بعد مئة متر. ولما وصلت سيارة الجند إلى ذلك المكان أمطرها الثوار وابلاً من الرصاص، ونشبت معركة استمرت أربع ساعات اشتركت فيها الطائرات، وفي الليل انسحب الجند. وقد استشهد ثلاثة عشر عربياً بعد أن استبسلوا وكبدوا العدو خسائر فادحة وأوقعوا في الجند أضعاف ما وقع فيهم من ضحايا ".

وقد أنبأني الشيخ سالم صقر من كفر كنا (والذي شارك بنفسه في هذه المعركة)، في مقابلة أجريتها معه في صيف عام 2001، تفاصيل أخرى عن المعركة، فقال:" إن فصيل كفركنا هو الذي نصب الكمين للقوات البريطانية، وبعد اندلاع القتال بعد تفجر اللغم الذي نصبوه للبريطانيين جاءتهم "الفزعة" من فصيلين آخرين جاءا من عين ماهل والبعنة. وقد استشهد في هذه المعركة سبعة ثوار من فصيل عين ماهل وأربعة من فصيل كفركنا وثائران من فصيل البعنة ".

أما الرواية البريطانية حول المعركة فتتلاءم مع الرواية من حيث عدد القتلى من العرب بينما تتحدث عن مقتل جنديين بريطانيين وإصابة خمسة آخرين بجراح. وهذا، بطبيعة الحال، يختلف كثيراً عن رواية أكرم زعيتر والشيخ سالم صقر فيما يتعلق بعدد الخسائر البشرية البريطانية في المعركة.
حصل ذلك في التاسع من أيلول عام 1938، عندما قام فصيل من الثوار بقيادة القائد عبد الحليم الجولاني، قائد منطقة الخليل وبئر السبع، بمهاجمة دائرة البوليس في مدينة بئر السبع واشتبكوا مع حاميتها من أفراد الشرطة البريطانيين والعرب.

وقد نجح الثوار بقتل قائد الحامية وجرح وأسر من تبقى من أفرادها. وقد سيطر الثوار على المبنى وعلى كل مافيه من بنادق وذخيرة ووثائق. ثم سيطروا على باقي الدوائر الحكومية وقد استقبلهم الأهالي برش ماء الورد والزغاريد.

وقد انسحب الثوار من المدينة بعد أن فرضوا سيطرتهم عليها مدة يومين كاملين. وقد فاجأت هذه المعركة البريطانيين كثيراً وذلك لأنها حصلت في مكان لم يعده البريطانيون من بؤر الثورة. في قمة فترة المد في الثورة بدأت تظهر الخلافات على التنسيق بين قادة المناطق وتقسيم مناطق النفوذ، خاصة في منطقة الوسط بين القائد عبد الرحيم الحاج محمد وبين القائد عارف عبد الرازق.

وكي لا تتسع شقة الخلاف، بادر القائد محمد الصالح الحمد (أبو خالد )، أحد أبرز القادة القساميين والذي عرف بنزاهته واستقامته وحرصه الشديد على نجاح الثورة، إلى عقد مؤتمر عام لقادة الفصائل البارزين، وذلك للتنسيق واختيار قيادة عليا موحدة لكافة الفصائل.

كان الاجتماع في قرية دير غسانة، الواقعة على بعد عشرين كم إلى الشمال من رام الله، في بيتي القائد الاستقلالي المحامي عمر الصالح البرغوثي وبيت والده الشيخ صالح عبد الجبار البرغوثي.

وقد حضر الاجتماع من قادة المناطق كل من عبد الرحيم الحاج محمد، عارف عبد الرازق، حسن سلامة، يوسف أبو درة ومحمد الصالح الحمد.

وفي زيارة قمت بها عام 1999 لمكان الاجتماع حدثني بعض شهود العيان من أبناء القرية عن أجواء المؤتمر فقال سعود الحسن البرغوثي:" ابتداء من وقت الضحى (يوم الخامس عشر من أيلول، م.ك) بدأت قوات الثوار تتوافد على دير غسانة. جاؤوا على الخيول وفي الباصات وسيراً على الأقدام.

وقد جاءت وفود من القرى المجاورة لدير غسانة (بيت ريما، النبي صالح، كوبر، عابود ومزارع النوباني وغيرها ) للسلام على القادة والاحتفاء بمجيئهم.

في مدخل دير غسانة كان دوار البلد، الذي كانت تقام عليه المناسبات، وعلى يمين الداخل كانت شجرة تين قديمة (لم يبق منها إلا جذع متهالك ينبئ عن مجد غابر، م.ك) وحولها أقيمت حلقات الدبكة.....

كان الضيوف بالآلاف، في ذلك اليوم كان في البلد مهرجان جلس الثوار في البيوت والمضافات وفي الحقول وبين الأشجار، كان هناك جو مرح واحتفال وغناء ورقص شعبي. وقت الظهر أقيمت مأدبة كبرى، إذ قام أهل البلد بشراء الذبائح وقام اللحامون بذبحها وتوزيع اللحم على البيوت لطبخه وتجهيزه. كنا نغني ونحن نحمل المناسف للثوار:
حطّوا البيارق على الجبل وتباشري يا بلادنا

وكانت الجموع تردد:
سيف الدين الحاج أمين على سوريا وفلسطين

أما النساء فكن يغنين:

يلّلي تعادي الحاج أمين ما أجهلك
يلّلي تعادي بوصلاح ودّع هلك
لا بد ما تدور الليالي والفلك
ننصب لهم في البر أكثر من شرك
ونصيدهم صيد الغزال والسمك
ب
عد الغذاء استأنف الناس والثوار الغناء والرقص. وقدّم الناس العليق ( طعام الخيل من الشعير المخلوط بالتبن ) لخيل الثوار التي انتشرت في جفّانة القواّس وفي العقيّدة عند الجامع الجديد ".

بالنسبة لجلسة القادة في ديوان صالح عبد الجبار فيقول مسعود" رأيت القائد عبد الرحيم الحاج محمد يجلس على كرسي على سطح ديوان الشيخ صالح، وجلس من حوله القادة والضباط، وكان يرتدي بدلة ضابط وحطّة وعقال، وكان الجميع جالسين على الكراسي.

وقد كان عبد الرحيم أكبرهم رتبة لذا كان هو الذي كان يدير الاجتماع ". وكما يبدو تم تشكيل قيادة جماعية ضمت كلاً من عبد الرحيم الحاج محمد ( القائد العام ) وعضوية كل من عارف عبد الرازق، حسن سلامة، يوسف أبو درة ومحمد الصالح الحمد على أن يكون هناك تناوب على القيادة العامة مرة في العام.

أما توفيق أحمد الإبراهيم من بيت ريما والذي شارك بنفسه في المعركة التي جرت في السادس عشر من أيلول فقال: " جاءت الطائرات قبل غياب الشمس بربع ساعة حين كان الثوار غير المتواجدين في قاعة الاجتماعات يتبارون في إصابة الأعلام ( الأهداف ) في مكان يدعى "حقل العبيد "، بدأت الطائرات بإلقاء القيزان (قنابل ضخمة وحارقة ) على تجمعات الثوار، رأيت رجلاً يقف على شجرة زيتون ويطلق النار على الطائرة التي ردت عليه النار فأردته قتيلاً. هربت إلى المدرسة وتحصنت فيها من ضرب الطائرات. حسن الدحبور، من بير زيت، كان يطلق النيران من بندقيته، وهو في بناية في المدرسة، على الطائرات".

تقدر المصادر المختلفة عدد القتلى من بين الثوار بالخمسين ومن البريطانيين إثنين من الطيارين تم اسقاط طياراتهم.

أما أهل دير غسانة فيتحدثون عن ثلاثة شهداء فقط سقطوا في قريتهم. بينما سقط الباقون ( ومنهم القائد أبو خالد ) في أعمال المطاردة التي قامت بها الطائرات البريطانية لجموع الثوار خاصة في سرطة وبديا وعبوين، حيث سقط هناك أبو خالد وعلى الأغلب أن يكون ذلك قد حدث في السابع عشر من أيلول.

كان لاستشهاد القائد أبي خالد على الثوار وكافة فئات الشعب الفلسطيني وقع مؤلم لما تمتع به من نزاهة واستقامة.

وقد وصف أكرم زعيتر الأجواء التي كانت بين الأهلين حين تلقي خبر سقوط أبي خالد فقال: "وما علم الأهلون باستشهاده حتى هرعت عشرات الوفود لتسلم جثته التي سير فيها بموكب عظيم حاشد إلى قريته ومسقط رأسه سيلة الظهر (جنين). وقد أضربت مدينة نابلس حداداً على البطل وبعثت وفودها وأكاليلها إلى موكبه خارج قرية سيلة الظهر حيث كانت وفود القرى تنتظر الجثمان ". (يوميات أكرم زعيتر، ص 452).

ثم يلخص زعيتر فداحة خسارة أبي خالد بالنسبة لمسيرة الثورة فيقول:" والواقع أن استشهاد أبي خالد خسارة وطنية. وما نعرفه عن أمانته وتجرده وتقواه قد ضاعفت شعورنا بالخسارة بفقده. وما أعلمه أن شهيدنا شاب أنجبته سيلة الظهر ( قرية الأبطال وبلدة الشهداء ومنجم البطولات). وقد كان في مطلع صباه انتقل إلى حيفا حيث اشتغل عاملاً فتاجراً بسيطاً ثم أحكم اتصاله بالشيخ عز الدين القسّام فعهد إليه برئاسة شبكة فدائية في مدينة حيفا، فأبلى أحسن بلاء.
وفي بداية الثورة التحق بالمجاهدين في جبال الجليل مع صديقه المجاهد عبد الله الأصبح الذي ما لبث أن استشهد قرب صفد ".


يتبع.......


ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019