ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 23)د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 23)د.مصطفى كبها

كنا قد خصصنا الحلقة السابقة من هذه السلسلة، لقضية التناول التاريخي للثورة، وذلك بمناسبة الذكرى السبعين لانطلاقة الإضراب الكبير والتي حلت في العشرين من هذا الشهر.

في هذه الحلقة نعود إلى ما كنا قد بدأنا به في الحلقة ما قبل الأخيرة وهو استعراض المعارك والتحركات العسكرية الأساسية في المرحلة الأولى للثورة والتي أطلقنا عليها "مرحلة المد ".
جرت هذه المعركة في الرابع عشر من شهر تشرين الثاني عام 1937، وذلك عندما وردت للقيادة البريطانية في منطقة الجليل إخبارية مفادها أن قائدين كبيرين من قادة فصائل الثورة الفلسطينية وهما عبد الله الأصبح ( من الجاعونة ) ويوسف أبو درة ( من السيلة الحارثية ) قد اجتازا الحدود مع لبنان، بعد أن كانا في زيارة تشاورية مع لجنة الجهاد المقدس في دمشق، وقد كان برفقتهما قرابة الستين ثائراً، هذا عوضاً عن التجهيزات والمعدات وكميات من الذخيرة.

قامت قوات بريطانية تابعة لوحدات الزنار الأحمر وكتائب أكساس وهامب شاير الخاصة بمهاجمة الثوار أثناء تحركهم بين فسوطة ودير القاسي. في المناوشات التي استمرت ساعات عديدة قتل جنديان بريطانيان وجرح ثلاثة في حين استشهد من الثوار ثلاثة وجرح خمسة.

وقد استمرت أعمال ملاحقة الفصيلين حتى الثالث والعشرين من الشهر ذاته بمساعدة حرس الحدود الفرنسي وقوات الجندرمة اللبنانية.

ولكن هذه المعركة ونجاح الثوار بعبور الحدود اللبنانية مع معداتهم وذخائرهم وقدرتهم على التخفي السريع والاختلاط مع السكان المحليين، جعل السلطات البريطانية تفكر ملياً في الأمر، وتكلف لجنة أمنية فنية برئاسة الضابطين تيجارت وبيتري ببحث الوسائل الممكنة لإحباط عمليات العبور ومنع نقل الذخائر عبر الحدود السورية واللبنانية.

عينت هذه اللجنة في بداية كانون الأول 1937 وقدمت تقريراً أولياً في السابع عشر من الشهر نفسه. في هذا التقرير اقترح الضابط تيجارت إقامة جدار من الأسلاك الشائكة على الحدود، وبناء خط متواز من نقاط البوليس على طول هذا الجدار، يكون من شأنها إجراء أعمال الدورية والمراقبة والتفتيش ومحاولة تجنيد المخبرين والمتعاونين من السكان المحليين على جهتي الجدار. ( عرف هذا الجدار لاحقاً باسم "خط تيجارت " على إسم مقترحه وما زالت بعض نقاط البوليس التي اقترحها قائمة حتى يومنا هذا).

كما واقترح تيجارت ورفيقه اجراء اصلاحات واسعة في جهازي الشرطة وجهاز الإستخبارات العسكرية (الـCIDׂ) واستقدام ضابط متمرس من القوات البريطانية في الهند يكون بوسعه القيام بعملية الاصلاح الجذري هذه.

وقد وقع الاختيار على الضابط جانكين الذي خدم في منطقة البنجاب واشتهر بقسوته ورعونته، وقد كان حينها في الثامنة والثلاثين من عمره، وقد أطلق عليه فور وصوله لقب "المرشد العام " حيث طلب منه تدريب الطاقم المهني الجديد للاستخبارات العسكرية. وكان أول ماقام به من أعمال، استحداث وسائل الحرب الليلية التي كان الثوار غير قادرين على مجابهتها، الشيء الذي قاد في النهاية لإنشاء "السرايا الليلية " بقيادة الضابط البريطاني وينجيت، شديد الحماس للفكرة الصهيونية، والذي حاول أن ينقل الحرب إلى قلب القرى العربية حيث ارتكبت هناك بعض الفظائع كانت أشهرها المذبحة التي جرت على أحد البيادر في قرية دبورية.في الثاني والعشرين من شهر تشرين الثاني 1937 وردت إخبارية للقوات البريطانية في جنين حول وجود الشيخ فرحان السعدي، قائد فصائل إخوان القسّام، في قريته المزار، قضاء جنين.

فور سماعهم الخبر، جرًد البريطانيون حملة عسكرية كبيرة وطوقوا القرية واعتقلوا الشيخ موجهين له تهمة حيازة بندقية في بيته. وهي تهمة ، حسب قوانين الطوارئ للحكم العسكري البريطاني في فلسطين، عقابها الإعدام!

وقد سارع الانجليز إلى تقديم الشيخ ( كان حينها في السادسة والسبعين من عمره) إلى محكمة عسكرية في الخامس والعشرين من الشهر ذاته ومن ثم إعدامه بعد ذلك بيومين وهو صائم. وقد امتلأت الصحف الفلسطينية غداة إعدامه بالمقالات والكلمات المنددة بفظاعة العقاب وقسوة الانجليز والمنوهة بمناقب الشيخ السعدي وصدق وطنيته ونقائه الثوري ونقاوة أكفه.

وقد كتب الصحافي والمناضل الفلسطيني أكرم زعيتر في مذكراته يوم 1937 . 11 .28 قائلاً : " يا لنذالة الإنجليز !! إن المحكمة العسكرية الإنجليزية التي قررت قتل شيخنا الجليل لم تكن لديها أيه بينة ضده سوى وجود بندقية في بيته. فيا للعدل الانجليزي الزائف!. كل من لقيته اليوم كان يلعن الانجليز ويترحم على الشهيد فرحان. وصدرت الصحف المسائية حافلة برثاء فرحان السعدي. واصدر المجاهدون بياناً يقسمون فيه أن يثأروا له. إنني لا أعلم أن استشهاد بطل هز مشاعر الأمة بعد استشهاد القسّام كما هزها وأثار مشاعرها استشهاد فرحان السعدي. وسيذكر أبناؤنا وأحفادنا أن بريطانيا لم تر من الإنسانية أن ترجئ إعدام شيخ جليل صائم إلى بعد رمضان"! جرت هذه المعركة في جو ماطر في المنطقة الواقعة شمالي -غرب مجد الكروم على الشارع الرئيس عكا -صفد.

وقد شاركت فيها قوات تابعة لحرس الحدود البريطاني والتي حاولت الاطباق على فصيل ثوري يقوده عبد الله الأصبح بلغ عدده قرابة الستين ثائراً. وقد انضم إليهم فيما بعد، على شكل "فزعة " ، عشرات من شبان القرى المجاورة الذين هبوا لكسر الطوق عن الفصيل.

استعمل البريطانيون في هذه المعركة الطائرات بعد أن نجح رجال الفزعة من تطويق القوات البرية البريطانية المشاركة في المعركة. أحدثت الطائرات الخمس التي اشتركت في المعركة إصابات مؤئرة في صفوف الثوار بلغت 18 شهيداً في حين قتل جندي بريطاني واحد وجرح طيار بريطاني اضطرت طائرته للهبوط بعد أن أصابها رصاص الثوار . جرت هذه المعركة في الحادي والثلاثين من كانون الثاني والأول من شباط 1937، في المنطقة الواقعة بين قريتي أم الفحم وعنين وفي الجهة الجنوبية الغربية من أم الفحم على وجه التحديد .

قاد القوات البريطانية في هذه المعركة الكولونيل لوري في حين كان الثوار، الذين وصل عددهم قرابة المائتي ثائر، تحت قيادة الشيخ عطية أحمد عوض ( من بلد الشيخ ) ويوسف الحمدان طميش (من أم الفحم) .

هاجم الثوار سيارات الجيش البريطاني تحت ستار المطر الغزير الذي انهمر بكثافة في المكان مستغلين توقف هذه السيارات وعدم قدرتها على الحركة بسبب الأرض الموحلة.

ولم يكن هناك بد، أمام البريطانيين، من الاستنجاد بقوات إضافية وبالطائرات التي قصفت الثوار المهاجمين وقوات الفزعة التي هبت لنجدتهم. في حين استمرت المناوشات حتى صباح اليوم التالي.

وقد استشهد في هذه المعركة من الثوار عشرون ثائراً وهدمت بعض البيوت في عنين وأم الفحم، في حين قتل ثلاثة جنود بريطانيون وجرح خمسة.




وللحديث بقية ....

ملف خاص | الإجرام المنظم: دولة داخل الدولة