ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 30)/ د.مصطفى كبها

ثورة 1936 -1939 والذاكرة الشعبية الفلسطينية (الحلقة 30)/ د.مصطفى كبها

بعد أن استطاع البريطانيين أن ينالوا من القائد محمد الصالح الحمد (أبو خالد )، الشخص الذي حاول قدر استطاعته، ونجح في مرحلة معينة، برأب الصدع في صفوف الثوار وتوحيد كلمتهم ومجهودهم القتالي، بدأ الثوار بمجموعة من الهجمات على المراكز المدنية بقصد إظهار حالة من الاتزان على أثر الضربة التي تلقوها في معركة دير غسانة.

وقد كانت أهم هذه المبادرات العسكرية هي دخول فصائل الثورة في الثامن من تشرين الأول 1938 إلى منطقة البلدة القديمة والسيطرة عليها ورفع العلم الفلسطيني على الأسوار في أكثر من موقع.

كانت الفصائل المهاجمة تعمل تحت إمرة عبد القادر الحسيني، في حين تولى القيادة الفعلية ثلاثة من قادة الفصائل: الشيخ ياسين البكري من البلدة القديمة، إبراهيم أبو دية من قرية صوريف ومحمد أبو شعبان من قرية لفتا.

سيطر الثوار على البلدة القديمة وبدأوا بتسيير أمورها وقاموا بصد كل المحاولات البريطانية لاستعادتها. في الثاني عشر من الشهر ذاته نجح الثوار المتمركزون في قرية الخضر بإسقاط طائرتين بريطانيتين كانتا تقومان بأعمال المراقبة والتعقب. وقد فقد أحد الطيارين وتم إنقاذ الآخر.

على أثر هذه التطورات، قام كبار ضباط الجيش يطلبون بإلحاح من المندوب السامي الإعلان عن كافة الأراضي الفلسطينية "مناطق في حالة حرب"، الشيء الذي يعني إعلان وتطبيق الأحكام العرفية الصارمة وتمكين سلاح الجو الملكي البريطاني من ضرب أي هدف على الأرض دون اللجوء إلى أعلى المستويات القيادية لأخذ الإذن منها بالقصف.

في التاسع عشر من تشرين أول 1938، أعلنت حكومة الانتداب من خلال جريدتها الرسمية "الوقائع الفلسطينية" عن كافة أرجاء البلاد كأراض تتواجد في حالة حرب، وعليه تم تجريد حكام الألوية والأقضية من صلاحياتهم العسكرية ومنحها لضباط جيش مهنيين، وتم تعيين الجنرال هاريسون قائدا لمنطقة السامرة، الجنرال أواطس قائداً لمنطقة حيفا والجليل، الجنرال ووترول قائداً لمنطقة غزة وبئر السبع والجنرال كريستال قائداً لحرس الحدود والأغوار. وقد طلب من حكام الألوية البقاء في مناصبهم كمستشارين مدنيين للضباط العسكريين الذين أداروا كافة مناحي الحياة في البلاد.

كانت الخطوة التالية التي قام بها المندوب السامي هي تعيين الجنرال هايننغ قائداً لكافة القوات العسكرية البريطانية الموجودة في البلاد ومسؤولاً عن تطبيق حالة الطوارئ والأحكام العرفية بحق كل من يحاول خرق التعليمات الجديدة.

كانت المهمة الأولى التي ألقيت على عاتق هايننغ، في موقعه الجديد، هي استعادة السيطرة على البلدة القديمة في القدس دون أن يحدث ذلك ضجة بسبب تواجد الأماكن المقدسة فيها والحساسيات التي يمكن أن تثار في حالة المس بها.

ألقى هايننغ، بعد التشاور مع المندوب السامي مكمايكل، مسؤولية إعادة احتلال البلدة القديمة على الجنرال أوكونور وقد بدأت العملية في العشرين من تشرين أول 1938 وانتهت في الثالث والعشرين منه. وقد أسفرت عن مقتل أربعة من الثوار وجرح خمسة آخرون في حين قتل جنديان بريطانيان وجرح ثلاثة.
بموازاة عملية إعادة احتلال القدس، بادر البريطانيون لإعادة فرض سيطرتهم على عكا التي غدت هي الأخرى تحت سيطرة فصائل الثوار التابعين للقائد خليل العيسى (أبو إبراهيم الكبير ) والقائد الميداني يحيى هواّش من قرية البروة.

ففي الثامن عشر من الشهر ذاته قاد الجنرال أواطس عملية الهجوم البري على عكا بمساندة السفينة الحربية داغلاس التي قصفت مواقع استحكام وتجمعات الثوار من البحر.

بعد ثلاثة أيام من الحصار وهجوم منسق من اليابسة والبحر، قامت القوات البريطانية بعد سلسلة من المناوشات باقتحام المدينة من جهة البحر بعد أن كان معظم الثوار قد تسللوا خارج الأسوار.

وقد قام البريطانيون باعتقال مائة رجل من سكان عكا وإيداعهم سجن المزرعة حتى نهاية الثورة.

في الحادي والثلاثين من تشرين أول 1938 الموافق الثامن من شهر رمضان 1357 للهجرة، نعت القيادة العامة للثورة استشهاد شاعر الثورة الزجال نوح إبراهيم، ابن مدينة حيفا، في معركة مع القوات البريطانية شرقي قرية طمرة في الجليل الغربي، وقد دفن في جنازة مهيبة هو وثلاثة من زملائه الذين استشهدوا معه في مقبرة قرية طمرة الواقعة بجانب الجامع القديم.

والشاعر من مواليد حيفا عام 1902 وقد اشتهر بأشعاره وأزجاله التي صاغها بالعامية والفصحى. حيث صاغ، على الأغلب، الأغنية الشعبية التي خلدت ذكرى الشبان الثلاثة (عطا الزير، محمد جمجوم وفؤاد حجازي ) الذين أعدمتهم السلطات البريطانية في سجن عكا، في السابع عشر من حزيران 1930، والتي كان مطلعها:
من سجن عكا طلعت جنازة ------ لمحمد جمجوم وفؤاد حجازي

وعند إنشاء دار الإذاعة الفلسطينية اعتمد مطرباً فيها فطارت شهرته وأصبح نجماً مطلوباً بالاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والوطنية وقد كان عضواً مسجلاً في حزب الاستقلال العربي.

عام 1937 انضم للثورة وأخذ يصوغ الأزجال الممجدة لها، في حين انتشرت له، كالنار في الهشيم أهزوجة يخاطب فيها، بلهجة لا تخلو من السخرية، القائد العسكري البريطاني دل حيث قال:
" يا حضرة القائد دل -------- لا تظن الأمة بتمل
لكن أنت سايرها بلكي ------ على إيدك بتحل
دبرها يا مستر دل "

إن كنت عاوز يا جنرال ------ بالقوة تغير هالحال
لازم تعتقد أكيد ----------- طلبك صعب المحال
لكن خذها بالحكمة ------ واعطينا الثمن ياخال
ونفذ شرط الأمة ---------- من حرية واستقلال
دبرها يا مستر دل ----- يمكن على إيدك بتحل

وكان مدير قلم المطبوعات البريطاني في فلسطين، مريديت تويدي، المعروف بإرهاقه للصحف الفلسطينية في حينه، قد أصدر في شباط عام 1938 أمراً يمنع فيه تداول أشعار نوح إبراهيم، وهذا نصه:" استناداً إلى الصلاحية المخولة لي كمراقب للمطبوعات، أحظر طبع ونشر النشرة المحتوية على مجموعة أشعار نوح إبراهيم المطبوعة خارج فلسطين والمعروفة باسم " مجموعة أناشيد نوح إبراهيم " في فلسطين، وأحظر أيضاً استيراد تلك النشرة إليها وآمر بضبط مصادرة جميع نسخ تلك النشرة المطبوعة أو المنشورة أو المستوردة خلافاً لهذا الأمر".

وقد كان الشاعر قبل استشهاده بشهور قليلة قد زار القاهرة وأحيا فيها بعض الحفلات خصص ريعها لدعم الثورة وتجنيد الدعم العربي العام لها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018