غسان كنفاني ذاكرة تلاحقنا../ توفيق عبد الفتاح

غسان كنفاني ذاكرة تلاحقنا../ توفيق عبد الفتاح

لست ناقدا أدبيا بل، ربما، قارئاً متوسطاً يدفعني همي الشخصي والعام إلى محاولات حثيثة لقراءة ما وراء السطور، وككل الأمور لربما أفلح في ذلك أحيانا، وقد تخيب في مواقع أخرى. وبالطبع فإن قلقي المستديم وهواجسي، كغيري من القلقين، بأن نصبو إلى شيء من حالة الشعوب الحرة ليتسنى لأطفالنا وأبنائنا أن يظفروا بشيء من الحياة والمستقبل أسوة بالمجتمعات البشرية الحية، بحيث تتسم أنماط حياتها بصفات إنسانية بالسيادة والإرادة الحرة والإحساس بالسلام والأمان.

وقد يدفع كل ذلك بعضنا إلى جعل قيمة الحياة أعلى وأرفع في تبني قيم وأفكار ندفع في سبيلها ما لا يستطيع الإنسان العادي دفع استحقاقاتها أو حتى إداركها، وكأنها ورطة العمر التي نصوغها لأنفسنا بمحض إرادتنا، ولا نريد أن نتخلى عنها.

وقد يبدو ذلك عقيما وعبثيا ونحن نتجاسر ونقسو على ذواتنا وعلى من حولنا ونصر أن نحمل همومنا ووجعنا بأيدينا في ظل هذا التلاطم العبثي.

غسان كنفاني، العنصر والفكرة الحية في مركبات الذاكرة ومدى تأثرنا في هذه أو تلك من العناصر بالوعي والوجدان، هو كل ما يدفع بالذاكرة لتجعل من بعضنا آداة طيعة يرزح تحت سطوتها وهيمنتها، وإلا فلا معنى ولا قيمة فعلية لما يسمى بالذاكرة الجماعية لدى الشعوب والجماعات البشرية، إذ لا تعدو في هذا المفهوم كونها لوحة صامتة، قد تكون جميلة أحيانا وقد تكون على الأغلب مأساوية نازفة. وإذ نقر أن الذاكرة ليست أطلالا نبكيها ولا متحفا متحجرا ولا حنينا نذرفه دموعا متحسرة، فإنما كذلك هو الزمن ليس مقولة مجردة وعارية، بل مفهوما يحمل دلالات الفعل والتفاعل في إطار نشاط إنساني شامل يلعب الإنسان بوعيه وإرادته الإنسانية دورا حاسما في صياغة الحاضر والمستقبل. وهكذا تكون هي الشعوب الحية وهي تصوغ مستقبلها بنزوع إنساني جامح وواع لتحقيق غاياتها وأنسنتها.

إذا كانت الذاكرة الجماعية هي تلك الإرادة السياسية والإنسانية الرافضة لاستمرار الغبن والإجحاف، يجب أن يترجم هذا الرفض إلى عمل ونشاط كفاحي منظم وواع، ليتخذ الوجود معناه الإنساني الذي يستحق، وربما هذا ما يجعل من العظماء أحياءا حاضرين على الدوام في وعي ووجدان الناس وسلوكياتهم، وربما المقرر أيضا إذا كانوا الناس هم أحياء أو غير ذلك.

على ما يبدو لم يكن ذلك تعسفا أو تجنيا عندما طولب الشعب الفلسطيني قراءة غسان كنفاني مرتين، ليس ليعرفوا بأنهم موتى بلا قبور، فحسب، بل ليعرفوا أنهم يجهزون قبورهم (قبور الثقافة بلا ثورة والثورة بلا ثقافة) بأيديهم وهم لا يدرون.

والثورة في وضعيتنا هو ذلك النزوع الجماعي الجامح المتمثل في إرادة التغيير والتخلص من الغبن والقهر.

ولكن الأشد إيلاما أننا لا زلنا نقبع تحت تلك القبور دون أي اكتراث وغير مبالين بأنفسنا لا بعارنا الذي ورثناه ونورثه لأبنائنا ولا بالخجل والحياء أمام المصير. والأمر والأدهى من كل ذلك أن غالبية المشتغلين في السياسة والثقافة لدينا على ما يبدو أيضا أنهم لم يقرأوا ولم يفقهوا شيئا من تلك الصور الفجائعية التي استعرضها أولئك ممن اكتووا بنار الغربة وانصلوا بوهج العار في الشتات والتشرد، بكل ما يحمل ذلك من دلالات المهانة والإذلال والضياع عندما تخلوا عن الوطن فتخلى الوطن عنهم.(الفارق هنا أن التخلي عندنا ليس فقط عن المكان بل عن كل مكونات الوطن)!

ربما قد يكثر الكلام والبلاغة في مثل هذه الأزمات، ويبدو أحيانا أنه شيئ تعويضي في أن نطرق أبواب التاريخ ونتوقف عند أمجاده لنمجد الأفراد العظماء والمبدعين، خصوصا عندما تلتوي حركة التاريخ لدرجة تصبح عملية التصويب أمرا عبثيا.

من الناحية النفسية ربما في ذلك شيء من الصواب فبؤس حالنا ورذالتنا تسشعرنا بأننا بحاجة لشيء من إعادة التوازن الداخلي بعدما اختل هذا التوازن في معمعان المعارك الخاسرة والهزائم المتتالية التي وصلت حد الاستدخال والتذويت غارقة في متاهات ودهاليز تخلفنا وتأخرنا. لكننا ليس من هذا الباب نطرق أبواب هذا الصرح المشع ضوءا ونورا، بل لنعرف كيف ينهض المارد من الدمار لينبت أحياء يعرفون كيف يصنعون المستقبل والمصير .

إنها نافذة تطل على صفحة مشرقة في تاريخنا المعاصر عندما كادت أن تكون البوابة الأوسع للانطلاق لميادين أرحب من الفكر والعقل والتنظيم، وبالتالي امتلاك تلك الإرادة الجماعية الفاعلة دون فقدان البوصلة.

ففي رجال في الشمس كانت وجهة أولئك الأبطال الأموات سلفا تبحث عن النجاة الفردية ويحمل كل منهم همومه الشخصية، كما أن وجهتهم بدلا من أن تكون لجهة الغرب صوب بلادهم، اتجهت نحو الشرق في صحاري العرب حيث الجرذان الكبيرة هناك تأكل الصغيرة. وأبا قيس يحلم بالتعويض عن زيتوناته التي تركها في فلسطين ورغبته بالوصول إلى الكويت ليستظل في ظل الأشجار هناك إلا أن هذه الأشجار لم تكن موجودة إلا في رأسه.

وهناك حيث السائح الأجنبي يلعب دور الوسيط بين العرب والعرب، ليتمكن من تجاوز حدود بلد شقيق، سلموا مصائرهم لرجل أصابته العنة منذ 1948 مهزوما، آملين في أن يقودهم إلى بر الأمان فكيف يا ترى يمكن أن نرهن مصائر بشر أصحاء بأيدي رجل عنين (مخصي) عاجز ولا يهمه إلا جمع المال، وكيف يمكن لأبي الخيزران أن يقود تلك الرحلة المحفوفة بكل مخاطر الموت إلى بر الأمان.

ليس تجنيا على أحد القول أن تلك الصورة لا زالت تعيد إنتاج ذاتها، وهي صورة حالنا الآن، تستمر في تداعياتها مكونة في ذلك، استطالة غريبة لأسباب النكبة التي لا زالت سائدة وماثلة في النفوس والعقول والمسلك السياسي والاجتماعي.

فقيادتنا السياسية والثقافية إلا باستثناءات نادرة لم تتقن حتى الآن تبني القيمة الجوهرية في تلك الثقافات التي دعت إلى اتقان العمل والأداء الجماعي وتعلم صياغة الإرادات بطابع إنساني كفاحي جامع كعقلنة للوسيلة، وواقعية للهدف والغاية.

ومن البؤس والمرارة أيضا أن الانفعالات والارتجال والغوغائية لا زالت طاغية ومهيمنة على مسلك ومواقف غالبية قيادات العمل السياسي والثقافي، وحتى الاجتماعي، مما يلقي بظلاله على النتائج المحققة والمتوخاة في هذه الميادين، وربما هذا ما يفسر افتقارنا للوزن السياسي المؤثر في هذا البلد وعلى السياسات التي تستهدفنا، ولست على الإطلاق مع التفسير والتبرير القاصر الذي يعيز أسباب هذا القصور على المؤسسة الرسمية والسياسة المنهجية التي تتبعها عبر أجهزتها ضد الأقلية العربية في هذه البلاد، لكون الأمر في هذا الجانب بالذات هو من الأمور الواضحة والبديهية، فعندما تصاغ استراتجيات عمل لميدان ما، تتحدد الأدوات والوسائل الناجعة بل الأنجع لمواجهة تلك السياسات، إلا أن شيئا من هذا القبيل لم يحصل وإن وجد فهو هش وهزيل يخضع لأهواء وأمزجة ذاتية ومصالح أفراد وفئات تعاني أمراضا مزمنة، أو قل سكرات الموت لدى البعض، فالغريق لا يهمه من يغرق معه.

وفي هذا السياق ربما يكون النداء القادم إلى أهلنا هنا بأن لا يسلموا مصائرهم ومصائر أبنائهم لأيدي تلك القيادات، شاكلة أبو الخيزران (المخصي)، كي لا يتكرر وينسحب مصير أبطال رجال في الشمس على أبنائنا، بعدما ألقى بهم هذا "الـ أبو الخيزران" على إحدى المزابل هناك في الصحراء، ولم يفوته حتى أن يفتش جيوبهم ليجد شيئا من المال.

وبالتالي غسان كنفاني ليس ذاكرة رصيف عابرة، ولا مجرد حزن عتيق قد يسترجعنا إليه بؤس حالنا ورذالتنا، فهي صفحة مشعة وربما لوحة هي الأجمل والأبهى في هذا التاريخ وهذا الحاضر الموجع.

وهذا ما يدفعنا بجدارة لأن نعتز ونتعلم ونراجع إبداعات هذا الرجل، وهو حي وفاعل في ذاكرة الشرفاء وكأنه مشروع عمل مستديم يحثنا أن لا نتوقف، لأن التراجع قد يسلبك الأعز على نفسك ويسلب أطفالك المستقبل.

أعترف بأنه يمثل أمامي باستمرار منتصبا كالمارد وأنا أنظر وأحدق إليه بخجل لأجيب عما أفعل في هذا الزمن، ولأنني لا أريد أن يتملكني شعور بالهشاشة ولا أريد أن أكون كائنا هزيلا ولا أريد أن أموت كالجرذان داخل صهريج، ولكي لا تكون وجهتي وأطفالي نحو لهيب تلك الصحراء المتوحشة، بل نحو الحياة والمستقبل، فإنني سأنتظم وألتزم بالحدود الدنيا، بمعايير ومسلك البشر في أن أكون فاعلا ضد الطغيان وضد الموت وتجار الموت. ولا أريد أن يكون والدي "أبا قيس" يتفحم في خزانات التهريب في أرض الشتات واللجوء، وعلى مذبح الحلم بعشر زيتونات كتعويض لما تركه في فلسطين، ولا أريد لـ "لميلاد" الطفل الوادع ككل الأطفال أن يكون "مروان" لينتشله أبو الخيزران جثة متفحمة يحملها كالريشة رغم أطرافه المتشبثة بالحياة بعوارض الخزان عندما عزت الحياة رغم قساوتها.

ولا أريد أن احلم لوالدتي أن تكون " أم سعد"، سنوات طوال من الكفاح النازف في الشتات وهي تقول " خيمة عن خيمة بتفرق". وكذلك عندما أنظر في عيني الطفلة "منى" فمن الصعب أن لا أتذكر "لميس" الأميرة الصغيرة وهي تبحث عن الشمس لتدخلها إلى القصر، تلك الطفلة التي حملت بدلالة رمزية أطفال فلسطين، والتي رافقت غسان كنفاني في مصيره عندما استعرت حمى الإبادة الجسدية التي استهدفته عقلا وفكرا ابداعيا فذا.

خافت الفكرة الصهيونية من هذه الندية، فأوعزت لأجهزتها "باغتيال العقل الفلسطيني" " قول غولدا مئير لرئيس الموساد عندما سألها مستهجنا، لماذا غسان كنفاني؟ "

وتعلمت أيضا من عيون الطفل الوديع "أحمد" أن كل دموع العالم لا تتسع لزورق صغير يحمل أبوين يفتشان عن طفلها المفقود(من عائد إلى حيفا).

وهذا ليس كلاما عاطفيا، فحسب، بل كلاما قاتلا وعلى الجيل أن يتعلم ما معنى التهجير أو مجرد التفكير في النزوح وترك البلد والوطن، وما معنى أن تموت هزيلا وذليلا وتافها كالجرذان في خزانات الموت تلك، موتا مجانيا عبثيا لا يساوي تلك القمامة ونفايات تلك المزبلة التي ألقيت جثث أولئك البؤساء ممن تاهت إرادتهم ولا زالت تلك الصرخة تدوي وصدى اللعنة والإدانة يتردد كطبول الموت القادمة كل يوم من بعيد ليستنهض فينا تلك الإرادة الرافضة لنتجه نحو الحياة ونحو المستقبل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018