قراءة في تجربة عبد الناصر صالح الشعرية. وقفة مع ديوانه: " فاكهة الندم ".. (1) / بقلم: محمد علّوش*

قراءة في تجربة عبد الناصر صالح الشعرية.
وقفة مع ديوانه: " فاكهة الندم ".. (1)  /  بقلم: محمد علّوش*

إن الالتزام ليس مقولةً سياسيةً اجتماعية إيديولوجية فقط، بل هو مقولةٌ جماليةٌ وإبداعية، أيضاً.
إنّ الابتكار الحقيقي لا يأتي حين يتأمل الإنسان، ولكن حين يعمل، ويكون ذلك نتاج تجربةٍ غنية.
يقول د. عز الدين إسماعيل في كتابه: " التفسير النفسي للأدب": أن الأديب المعاصر لا يستطيع أن يعيش بعيداً عن قضايا شعبه، بل يجب أن يساهم، برؤيته الشعرية العميقة، في إيجاد الحلول اللازمة لها، وتغيير هذا الواقع. ( ص 374 ).
ويقول محمود درويش في كتابه: " شيء عن الوطن ":
نحن نكتب الشعر وليس مهماً كثيراً أن نعرف لماذا نكتب وكيف نكتب..إننا نصرخ وننزف..ليس لدينا وقت للسقوط أو الانكسار أو الانهزام النفسي..إننا نخوض المعركة، ونعيشها لحظةً تلو لحظة، وتكاد لا تمضي دقيقةٌ من عمرنا، إلا ونحسُّ أنّنا أمام التحديّات الكبرى المستمرة. إنّنا عندما نكتب نتحدّى. (ص 299).
إنّ الشعر هو أكثر الأجناس الأدبية تعميراً، وهو المحرك الوجداني الأول والمحرض المتفاني على ثورية الكلمة، وهو الأكثر عمقاً وكثافةً، والأقرب إلى القلب لاختزاله لكل الدلالات من خلال الإشارة دون الدخول في التفصيل، والشعر، وحده، القادر على التحليق عالياً، ويكفي أن تكون لغته مختلفة عن غيرها من فنون اللغة، حيث ترتقي بكلماتها إلى المستوى الجمالي الذي لا يبلغه سواها. والشعر توأم الفلسفة، وهو ديوان العرب.
إنّ الشعر الفلسطيني وجد ليَبْقى، ليكون سجلاًّ حافلاً بالمجد والعطاء، ليكون أداةً نضالية، يحمل رسالة تعبوية بين ثنايا، فمنذ تبلوره المعاصر عند أبي سلمى وإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وحنا أبو حنا ومن جاء بعدهم، وصولاً إلى آخر شاعر، ما زال في رأد ضحاه، يتهجأ دالية الحرف الأولى، ليقودنا إلى الحرية والتحرر، ويعزّز فينا قيمة الوطن والتفاني من أجله، ويخلق لدينا جمالية الأشياء حتى تتحسس مواطن الفن والإبداع فيها، ويولّد لدينا ذائقة أدبية فريدة.
عبد الناصر صالح من الجيل الثالث لشعراء فلسطين، عرف عنه بأنه من رواد شعر المعتقلات في فلسطين، كتب العديد من قصائده داخل أسوار السجن الإسرائيلي وصدرت له مجموعة شعرية وهو يرزح في زنازين الاحتلال ولا غرابة في ذلك.
اذكر مقالة للكاتب سلمان ناطور نشرتها جريدة " الإتحاد "، كان عنوانها: (2145، اسم إسرائيلي لشاعر فلسطيني !، عبد الناصر صالح، في الخيمة مجرد رقم، وفي المدينة يكتب الشعر ).
يتميز شاعرنا بأصالة التجربة وصدق الانتماء والقدرة الموفقة على الإبداع، واجتراح الرؤى والأفكار والمعاني التي تنسجم مع إيمانه، لذا فكتاباته مؤدلجة، لأنه يكتب في مواضيع يؤمن بها على أسس فكرية يرتئيها ويجاهد في سبيلها، وبديهيّاً فإن الشعر أو الأدب، عموماً، إذا كانت تنقصه الفكرة فإنه يكون ضعيفاً وسرعان ما يموت، فلا بدّ للشاعر، أو الأديب، أن يرسم نهجاً وطريقاً يكون قادراً فيه على العطاء الأدبي والإنساني، مع أرقى ما في الأداء من قيمة.
شاعرنا من المواكبين لتطور الحركة الثقافية والشعرية، وهو يقيم مدماكاً حداثياً جديداً في بناء الحركة الثقافية من خلال الشعر، متّخذاً من الالتزام كما بيّناه، سابقاً، منهجاً وطنياً صادقاً في التعبير عن الحالة الفلسطينية والعربية، وعن واقع المأساة وآلام جماهير الشعب، مصوّراً أهدافهم وطموحهم، ممتازاً بالشمولية في شعره، وهو شاعر طموح وَقَعَ في غرام القصيدة، وما زال ممسكاً بناصيتها، بإشراقةٍ صادقة في تجسيد لقداسة الانتماء.
وشاعرنا يشارك بقوة في النسيج الثقافي الفلسطيني، استطاع مواصلة مسيرته بزخمٍ وإبداع، لافتاً الأنظار إلى شعره منذ البدايات، لصدقه في الأداء والتعبير وللعفوية والبساطة الآسرة التي يُغلّف بها قصائده، ولطاقته الشعرية المبدعة والراقية التي يتنفس من خلالها.
أصدر الشاعر عدة مجموعات أو ( مجاميع ) شعرية، استقبلت بالترحيب، وقد عالجها النقاد بالنقد والدراسة والتحليل، وقد اطّلعت على كتاب الزميل محمد مدحت أسعد " نبوءة الكلمات "، حيث يدرس فيه تجربة عبد الناصر صالح الشعرية، كما اطّلعت على عشرات الدراسات النقدية عن دواوينه، وقرأت، أيضاً، بعض الأبحاث والمراجع الجامعية عن تجربة شاعرنا، وجميع من قرأت لهم أثنوا على الشاعر وقدّروا فيه قيمته الشعرية والإبداعية، ولم أجد ناقداً واحداً، رأى غير ذلك، سواءاً عندنا، أو ما يردنا من دراسات من العالم العربي.
ومن دواوينه الصادرة:
1. " الفارس الذي قُتل قبل المبارزة " ـ الأسوار ـ عكا 1980.
2. " داخل اللحظة الحاسمة " ـ اليسار ـ باقة الغربية ـ 1981.
3. " خارطة للفرح " ـ وكالة أبو عرفة للصحافة والنشر ـ القدس 1986.
4. " المجد ينحني أمامكم " ـ اتحاد الكتّاب الفلسطينيين ـ القدس ـ 1989.
5. " نشيد البحر " ـ منشورات مجلة عبير ـ القدس ـ 1991.
6. " فاكهة الندم " ـ بيت الشعر الفلسطيني ـ رام الله ـ 1999.
وهناك مجموعة أخرى مُعدّةٌ للنشر، وكذلك، هناك قصائد ومقالات أخرى عديدة، منها ما نشر في الصحف والمجلات، ومنها من لم يرَ النور بعد.
في هذا المقال، نحاول قراءة " فاكهة الندم "، دون الالتزام بأي قواعد أو أسس أو نظريات نقدية معينة.
نلتقي مع شاعر الأمل والصدق والوثبة، مع شاعر يعانق الجرح ويسكن الألم، مرفرفاً فوق سماوات الإبداع والتواصل، مع شاعر الوطن والخيمة والشمس والسجون، مع مكافحٍ مقاتل بالكلمة والقصيدة، خاض التجربة منذ فتوته متوارثاً، كل ما هو أصيل وقيم، من والده المرحوم الشاعر محمد علي الصالح، المناضل من الرعيل الأول الذين كافحوا وقاتلوا ضد الوجود البريطاني والصهيوني على فلسطين، وتعرض للاعتقال والتعذيب والنفي والإقامة الجبرية مرات عديدة، وقد غرس هذا الرجل الوطنية وصدق الانتماء في وجدان ونفسية ولده عبد الناصر، الذي سار على نفس الخطى، واقتدى بوالده دون أن يؤثر ذلك على خصوصيته، فمثلما دخل السجن هو وكتب عنه و منه، فقد دخل والده السجن من قبله وكتب قصائد مازالت تذكر إلى الآن، وهناك من يحفظونها.. ما يميّز بينهما هو زمن الكتابة، فقديماً كان الشعر تقليدياً وكلاسيكياً، أما الآن فهو حداثي على مستوى الشكل و المضمون.
استطاع عبد الناصر صقل موهبته مبكراً، وكتب الشعر منذ كان طفلاً، وقرأ ما تيسر من كتب كانت متوفرةً في مكتبة والده، كان يقرأ ما يكتب والده، أيضاً، ومازال، إلى الآن، محتفظاً بالكنز، فمتى سيرى هذا الكنز النور يا أبا خالدٍ ؟.
في " فاكهة الندم "، نرى الشاعر مسكوناً بالهمّ العام ومنحازاً لفلسطين وشعبها وشهدائها وتاريخها، تتجلى في كلماته روح ثائرة تحطم القيود وتواصل التحليق، فمن أكرم من الشهيد والوطن، من الأرض المجبولة بالحنين و الدّم والأفئدة التي تنتظر الخلاص.
" دمهم على الطرقات قلعتنا بوجه الموتِ،
قال السور: كانت صيحةُ الميلادِ
واجتمعت على دمهم أبابيل السماءِ
وقبّلتهُ،
فطاف فوق المسجد المحزونِ
يقرأ آيةَ التكوينِ
يرمي بالحجارة جوقة الغرباءِ،
يُخرس كل ضوضاء الرصاصِ
ويرشمُ الساحات بالورد النديِّ،
فشيّدوا للكبرياء صروحهُ
وتعمّدوا من طهر هذا العرس يا عشاق ".
( أفقٌ مطرزٌ بالندى ص 80 ـ 81 ).
الواقع المأساوي المرير يلقى بظلاله على نفسية الشاعر، وعلى لغته المتوترة المغموسة بالألم والفجيعة وخيبة الأمل، وهذا واضح في كلمة الإهداء في بداية الديوان: " إلى مرحلة الفجيعة من مائدة العشاء الأخير، فاكهة بلا تراب، ونديمٌ من ندمٍ طاغٍ ". ( ص1).
القصيدة هي الوطن، الحلم، الحرية، الجرح الذي لا يندمل، الذكريات التي لا تُنسى، التجربة النضالية، الحس الإنساني المرهف، الواجب الوطني، المقدّس في كل شيء، الحبّ حد الجنون، والحبيبة التي لا تغفر خيانة الحبيب.
في هذه المجموعة، نجد شاعراً متفاعلاً مع الحدث، يعايشه بدقة ويجعل منه شعراً ذا ملامح إنسانية، يؤَنْسِنُ كل الأشياء، سَلسُ اللغة، سهلٌ ممتنع، أنفقَ عمرَهُ شاعراً ومحارباً في علاقة جدلية متداخلة:
" هذا الجنوح العظيم إليكِ
انفجار القصيدة في ورق الذكريات،
سيكتمل الآن ما بعثرته فتوحاتهم
واحتفالاتهم بالهزائمِ،
ـ هذا دمي بلسم العصرِ
ملحمة النصرِ،
قلتُ: توحّدتُ في شجر الانتظار
وعلقت روحي على كتفيك قلادهْ.
وعانقت وجهكِ:
إنّ رحيلي كفرٌ
وإنّ رجوعي عبادَهْ ".
( على غير عادتها ص 20 ـ 21 ).
هذا الديوان، الذي بين أيدينا، يأتي نتاج مرحلة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني كانت تسمى ( مرحلة السلام، 1994 ـ1999 )، إلاّ أن شاعرنا، وهذه عادة الشعراء الصادقين الذين يمتلكون رؤية ويستكشفون عن بعد، لم يبرح فلسطين وقصيدتها الخالدة المتجددة، وظل وفياً لها، وبقيت قصيدته مقاومة وحاملة للهموم بشموليتها، رغم ابتعاد الكثيرين، ليشكّل توحّداً معها وتداخلاً في وجدانها.
وفي ديوانه هذا، عمقٌ وثورةٌ ورسوخٌ على قمة الأشياء التي تبدو للبعض باهتة، للذين آثروا الخروج إلى تجارب أخرى يسمونها ما بعد الحداثة، وهي غامضة وسريالية بعيدة عن النبض المرهف، ولا تفي بمتطلبات المرحلة التي كانت أحرج مراحل التاريخ الفلسطيني:
" فمن يمنح الريح تاج المليكةِ ؟
من يمنح الغيمةَ السندسيّةَ ـ في آخر الليلِ
أثوابها المطريّةَ ؟
من يمنح القبّراتِ ـ على قمة التلِّ
برقَ خواتِمها ؟
من يعيد إلى النهر وشمَ طفولتِهِ ؟
النوارسُ قادمةٌ والخيولُ
وقافلةُ الشهداءِ،
فمن يرثُ الأرضَ،
أبناؤها أم لصوص الخزائنِ
أم ثُلّةُ الأدعياء ؟ " ( فاكهة الندم ـ ص5 ).
هذه أسئلة استنكارية عن واقع مزرٍ يشرحه الشاعر، عن زمن الخديعة والزيف والانبهار، أنِ ابدأوا من نزيف الشوارع، ومن دموع تثمر ورداً في اليباس، ومن كحل عينين لا تعرفان النعاس، حتى لا يطأ الخوف جفنيهما كما يقول الشاعر، ويكمل الرؤية ببشرى، بنبوءة، بحلمٍ يتحقق وقلبٍ يصدح بالحب والإيمان:
" ها هم العاشقونْ
يطفئونَ جراحاتهم،
ينسجون من الفرح الآدميّ بشائرَهُم
ويعودونْ ". ( فاكهة الندم ـ ص6 ).
وينهي قصيدته ـ فاتحة الكتاب وعنوانه ـ بشيءٍ من اليقين والإصرار والطموح الكبير، للوصول إلى سدرة منتهاه:
" النوارس تملأ محرابَها،
والعناقيدُ تنهض خضراءَ
والماءُ يصفو،
وقد ورث الأرضَ
أبناؤها ". ( ص8 ).
شاعرنا لم يفارق فلسطين من خلال كتاباته منذ البداية، ومنذ بواكير قصائده وأحلامه، كانت دائماً البطل في جميع أعماله، بينه وبينها علاقة جدلية تأبى التشظي والانشطار، ولكن ذلك لم يمنعه من الدخول في سياق آخر مرادف، كما في قصيدته: " ثمة امرأةٌ في الحديقة "، مسجّلاً فيها مشاعره الصادقة وحبَّهُ، كل هذا دون الاقتراب إلى نفسية الحبيبة، فهناك جدار يمنعهما من اللقاء، وتفصل بينهما قيود منعته من المبادرة والوصول، قصيدة تحمل معاني جديدة تقرأ في سِفرها قصص العشق ببراءةٍ وطهرٍ وإنسانية:
" قلتُ: أحثُّ الخطى نحوَها
وتقدّمْتُ،
لكنني عدتُ منكسراً مثل غيمة صيفٍ
وتملّكَني الخوفُ،
حين سمعتُ صدى الصوتِ يأتي
ورأيتُهما...
كانت الشمسُ ترسو بمينائِها
وتواريتُ في الظلّ ". ( ص 86 ـ 87 ).
ولم يمنعه اندماجه بالهاجس الفلسطيني من التحليق في سماء عروبته، ناشداً صورتها البهية، مستمدّاً قوته النفسية والمعنوية، ومحققاً تواصله مع أمته العربية كما في قصيدته: " مرحباً أيُّها النّيل "، التي يحقق فيه ذاته بوجدانيةٍ صادقة ورومانسيةٍ جانحة:
" إني تعشّقتُ ماءً يعمّده النّيلُ
كلَّ صباحٍ،
فداوَيْتُ روحي بهِ
وتوضّأتُ في ضوءِ أمواجهِ السّابحاتِ،
وحطّت عصافيرُ قلبي عليهِ
ارتقيْتُ لسُدّتهِ، ( ص14 ـ15 )
* * *
عارياً كان صوتيَ
منطفئاًَ،
والحروف أمامي مغاليقُها
فادخلِ الآن مملكتي
مرحباً،
مرحباً أيّها النّيلُ
يا ملكي ورفيق دمي
في الفصول الجديبة ". ( ص16 ).
شعرهُ في تجدّدٍ دائمٍ على مستوى القصيدة الواحدة في المبنى والمعنى، يحاول دائماً أن يقدم تجربةً جديدةً تليق به كشاعرٍ مبدعٍ، له تجربته وخصوصيته ورؤيتهُ الممهورة بالصدق والحميمية والانتماء، وقد دفع عبد الناصر صالح ثمن ما كتب أكثر من مرة خلال الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، وما قبلها، بالاعتقال المتكرر له من قبل سلطات الاحتلال التي كانت وما زالت رقيباً في كل شيء وعلى كل شيء، وكان أول اعتقال لشاعرنا عام 1976، وهل بعد ذلك من شرف؟.
شاعرنا ما زال فارساً في محراب الكلمة الصادقة والشريفة والمبدعة والمقاومة، مقاتلاً على دروب الحرية وإنجاز المشروع الوطني وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، مبدعاً ومتفانياً في حمل الرسالة الوطنية الخالدة إلى جانب شعبه المتطلع لسيادته الوطنية على أرضه التي لا بدّ بأن تتحرر عاجلاً أم آجلاً، طوّر شاعرنا أدواته ولغته وصوره الشعرية التي أرى أنه من كبار مبدعيها في شعرنا الفلسطيني في هذه المرحلة، وقد شحذ همته للمزيد من العطاء الأدبي كمّاً ونوعاً.
عبد الناصر صالح، في مجموعته " فاكهة الندم "، صاحب حساسية لغوية، نراه مفتوناً باللغة ومسكوناً في مكنوناتها، يوظف التراث والأسطورة بفنيّةٍ عالية وبشكلٍ ملحوظ.
عندما يكتب، فهو يكتب من الأعماق، فتأتي مشاعره صادقةً ولغته واضحة، لا يكتنفها الغموض والإبهام، تنبض بالحياة والحب والتوهج والاشتعال.
قصائده حالات من العشق تنتفض فيها الإنسانية مكتملة الصورة في خيال شعري واسع يتعدى، أحياناً، الزمان والمكان.
قصائده لا تنفصم عن الرغبة المتواصلة في البحث عن كنوز اللغة والإضاءة في توحدٍ عضويّ، يحاول بأكبر طاقة تعبيرية ممكنة أن يكتب الشعر، فالشعر هو الخلاص والإنعتاق من ربقة الأهواء، وهو الأسمى في هذا الوجود.. تتدفق الصياغة الشعرية كلحن سيمفوني، يتصاعد ويرق وينساب قوياً، عنيفاً وجميلاً.
والانطباع الأهم، أننا أمام مجموعة متقنة على مستوى الأداء والصياغة واللغة، فيها تطوّرٌ مدهشٌ على قدرٍ كبيرٍ من إبداع الصور الشعرية، وإخضاع اللغة لمرادفات يريدها الشاعر حتى يخترق الواقع.
رغم شفافية قصائده، إلا أنه يحمّلها دلالاتٍ متعددةً، ويحمّلها أفكاراً ثوريةً وتعبوية متقدمة، ويبدع في صقلها باللغة الشعرية السلسة والممتنعة، ويخلط الرمز الشفاف بشعرية الأداء، فيتداخل الزمان مع المكان مع الإنسان، هذا الثالوث الذي يشكل محور قصائد الديوان، يفجّر من خلالها، شعرياً، كل الاقتحامات اللغوية والنفسية والأيديولوجية.
في قصيدته: " سندس المدينة، كحلها "، والمهداة لصديقه، فارس الناصرة، الشاعر الراحل، صاحب ( أشدُّ على أياديكم ) توفيق زيّاد، تتجلى معاني الوفاء والحبّ من شاعر صادق في رثاء شاعر صادق بحميمية ووفاء، لغةُ القصيدة مذهلةٌ رائعة وصورها حيّة، تطوف حول المدينة، قصيدة تُفلسِفُ الموت وتنتصر لشاعرها الراحل/ الباقي:
" أيُّ موتٍ سيفضحُ سرَّ الدمِ المتألقِ
هذا المساءَ ؟
أيّ لحنٍ سيُعزَفُ
في حضرةِ الفارس الناصريّ
لتأتي النجوم الطليقةُ من غابة السروِ،
تأتي المدينةُ:
دفءُ منازِلها
ألَقُ الرّيح فوق مآذِنها،
ووجهُها المشرئبُّ
وميضُ لآلئها في الكنائسِ
بهجةُ أعيادها ". ( ص 44 ).
وفي قمة الفجيعة والغياب، يرى الشاعر ظلال شاعره المرتحل، ويعاهده على المضيّ على الدرب والبقاء على العهد، وأن تبقى ذكراهُ حيةً خالدة، فالبحر لا يخذل رُبّانَهُ والقصيدة لا تخونُ كاهِنَها، ثم أنّ العطر يملأ الأعراس حين يأتي، والأيائل تعزف لحنه، والخيول ترقص في ساحاته، وأشعاره في كل مكان خبزٌ للفقراء أو جرحٌ أو خيمةٌ تأوي التائهين، فكيف لا يحنّ إليه ولا نحنّ إليه:
" نحنّ إلى وجهك المطمئنِ،
وطهرِ يديك
نحنّ لبَيدر عينيكَ،
فاكْتُم جراحك
يا أيُّها العابر الأبديّ
إلى وطنٍ مرهفٍ بالحياة ". (ص47،48).
إلى هنا تم اختزال القصيدة، إذ لا يمكننا نشرها كاملة ضمن هذا المقال، وأعتقد بأن القصيدة يجب أن تُقرأ كوحدةٍ متكاملة، وأرى أنها من أجمل ما كتب، في الشعر العربي المعاصر، في باب الرثاء، وكنت قد قرأتُ له قصيدةً في رثاء والده في ديوان " المجد ينحني أمامكم "، وقرأت له، أيضاً، قصائد في رثاء فارس عودة وعزت الغزاوي وفدوى طوقان، وجدتُ فيها طاقة إبداعية كبيرة وقوة تعبير وتواصيف مبتكرة، وهي لون من الكتابة المتوهجة التي أحسن الشاعر صنعها.
عبد الناصر شاعر مبدع، لا بدّ من دراسة شعره من كافة جوانبه، وقد كُتِبتْ العديد من الدراسات حول تجربته الشعرية.
مجموعته، التي بين أيدينا، مختلفةٌ عن غيرها من نتاج الشاعر، واعتقد بأنه وصل فيها إلى ذروة الإبداع ولحظات التوهج الإنساني الخلاّق.
يقع الديوان ب 88 صفحة من القطع المتوسط، ويضم ست عشرة قصيدة بنفس الطول تقريباً، متباعدةً في مواضيعها، وجميعها من الشعر الحديث ـ شعر التفعيلة ـ الذي يحافظ على الوزن كقيمة من قيم الشعر، وقد صدر الديوان عن المركز الثقافي ( بيت الشعر الفلسطيني ) في رام الله 1999.
شاعرنا من مواليد طولكرم، يعيش فيها، ويعمل مديراً عاماً لوزارة الثقافة.. أتمنى لأبي خالد العمر المديد، وأن يبقى شعلة مضيئة، منتجاً للشعر وحارساً أميناً للحلم الفلسطيني.
*شاعر وكاتب فلسطيني / طولكرم.


(1) عبد الناصر صالح، فاكهة الندم، شعر، منشورات بيت الشعر الفلسطيني، رام الله، 1999م
.