لن تستطيع العنصرية أن تنتج ثقافة رفيعة /راحلا مزراحي

لن تستطيع العنصرية أن تنتج ثقافة رفيعة /راحلا مزراحي

ولم يحدث سوى تغيير بسيطْ
مات أبو محمّد في المنفى.. ومن زمانْ
في بيته.. الرّسام بن نتانْ

I
قفزت ذكريات منسية إلى البال وأنا اقرأ مقال الياس خوري الذي يحمل عنوان "مستقبل الماضي" صبيحة يوم الجمعة في 27 أيار.

يتناول الياس خوري في هذا المقال لقاء أ. ب. يهوشوع مع اليهود الأميركيين قائلا: "وبدا الروائي الاسرائيلي وهو يشكك في هوية اليهود الأميركيين، كمن يستعيد أطروحة عتيقة نشأت مع الحركة الصهيونية، ومفادها أن يهودية اليهودي لا تتحقق الا على أرض فلسطين.

بدأ يهوشوع هجومياً، اذ اشار إلى ان اليهود الأميركيين هم يهود من الدرجة الثانية، معلنا انه لا يستطيع تحقيق يهوديته الا من خلال الأرض واللغة".

وذكر أن "كارثة يهود اوروبا على يد الوحش النازي، قادت إلى مجموعة من الكوارث، كان ابرزها ربما، انهيار التراث اليهودي العربي، واضمحلال الثقافة والوجود اليهوديين في العراق، وهو الوجود الثقافي والتاريخي الأقدم. وقد لعبت الصهيونية بالتواطؤ مع النظام الملكي العراقي، الدور الاكبر في تحطيم ذلك الوجود ودفعه إلى الاندثار كما ان مؤسس الدولة، دافيد بن غوريون، قام بتحطيم اليديش، لغة الثقافة اليهودية في اوروبا، واصدر قرارا بمنعها في اسرائيل، معلنا القضاء على تراث ثقافي كبير".

ويطرح خوري سؤالين وسأبدأ بالسؤال الثاني: هل تريد اسرائيل وأد ثقافة اليهود ايضاً؟" وقد قصد خوري وأد ثقافة اليهود الأمريكيين، فقد وأد بن غوريون والصهيونية كل من ثقافة اليهود العرب واليهود الأوروبيين.

يغيب عن كلام خوري فرقا مهما بين اليهود الأوروبيين الذين وأدوا ثقافتهم (تحطيم اليديش) وبين وأد ثقافة الآخر، اليهود الأوروبيين الذين وأدوا ثقافة اليهود العرب. كما يوجد فرق بين من هجَر وهجَّر (اليهود الأوروبيين) ومن هُجِّر (الفلسطينيون) أو بين من هجَر ثقافته وهجَّر الآخر (اليهود الأوروبيين) ومن هُجِّر من ثقافته بقوة وذل (اليهود العرب).

دلالة محو اليديش ومحو العربية مختلفان تماما.
وكان السؤال الأول الذي طرحه خوري: هل تستطيع العنصرية ان تنتج ثقافة رفيعة؟

II
حظي مؤخرا ميناشي كاديشمان، من أهم الفنانين الإسرائيلين، بمعرض "استعادي" في متحف تل أبيب. والسؤال المطروح لمن هذا الرمز؟ من هو الراعي الأصلي سلب منه كاديشمان هذا الرمز؟


III
عندما كنت في المدرسة الثانوية عملت في متحف "بار-دافيد" في كيبوتس بارعام، الكيبوتس المعروف من قضية "إقرث وبرعم". عندما أفكر اليوم في هذه القضية اعتقد أن الوظيفة الأساسية لهذا "النضال المشترك" بين ما يسمى "اليسار الإسرائيلي" وعرب 48 من أجل إقرث وبرعم - وهذه الوظيفة قصدها اليسار الإسرائيلي وليس العرب الذين شاركوا في هذا النضال - "تضبيب" بقية 528 بلدة أخرى هدمها نفس اليسار الإسرائيلي خلال نكبة فلسطين.

المتحف قام في أعقاب مجموعة متحفية تبرع به والد أحد مؤسسي الكيبوتس. واحتوت هذه المجموعة على عدة أعمال فنية بينها أعمال كبار فن الرسم الإسرائيلي الحديث شتريخمان وستيماتسكي وزاريتسكي وغيرهم وكثير من الفن المقدس اشتراه هذا الشخص، بار-دافيد، من اليهود العرب في الخمسينيات، واضطر هؤلاء الناس الذين سُلب جميع ملكهم في أعقاب اتفاق صهيوني-وملكي عربي لبيع هذا الفن المقدس بالرخيص.

في أحد الأيام جاء للمتحف شتريخمان وزوجته. اتضح أن لهم بيتا في حي الفنانين في صفد يسكنون فيه في موسم الصيف. وأنا، الفتاة التي كانت تحت هذا الضباب الكثيف علقتُ قائلة بأن حي الفنانين في صفد هو مكان جميل جدا. صمت ثقيل انتشر في الغرفة. ولم أفهم السبب.

IV
عندما كبرت انتقلت إلى القدس لتعلم الفنون في الاكاديمية الرائعة "بيتساليل" المشروع الصهيوني بحد ذاته. كانت هذه السنة مليئة باكتشافات ساحرة وانا كنت استوعب بعطش كل كلمة خرجت أفواه معلميّ.

تعلمنا طبعا عن كبار فن الرسم الإسرائيلي شتريخمان وستيماتسكي وزاريتسكي، ولكن سعى أغلبية الطلاب إلى الشهرة في نيو يورك ولم يهتموا كثيرا بالثلاثة. فقد بدت أعمال الطلاب الفنية محاكاة نيو يوركية تامة، أو على الأصح، محاكاة ما كان في المجلات النيو يوركية من الفن، ولكن بتأخر غريب شيئا ما لعدة شهور أو أسابيع ولربما بحجم يختلف عن حجم العمل الفني الأصلي. مع أن الطلاب قد أطلقوا على هؤلاء الكبار الثلاثة النحت الساخر "شتريخماتسكي"، لم يكن هناك شك بأهميتهم.

تعلمنا أيضا عن الفنان مارسيل يانكو الذي كان من عظماء الحركة الفنية الأوروبية المهمة "دادا" التي ازدهرت في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية. زار مارسيل يانكو فلسطين بعد 48 وأعجبته قرية عين حوض المهجَّرة، فأقنع بن غوريون بعدم تدميرها وانتقل إلى إسرائيل لتأسس قرية الفنانين "عين هود".

V
رفض سمير نقّاش الكاتب العراقي اليهودي كل حياته الكتابة باللغة العبرية ويقول في مقابلة مع عاميئل إلكالاي:
Getting back to the issue of language: in Arabic, despite everything, there has been continuity. But there are layers of Hebrew that have been cut off. Because of the exaggerated connections between language and ideology, there often seems to be something missing in a lot of contemporary Hebrew prose, something that makes it difficult for writers to express themselves in a fully personal way, their work doesn’t fully address the human condition but ends up being somewhat programmatic. I think here of things like pain, which do not come into a full personal expression within what can be considered the consensus.
I think a lot of Israeli writers were brought up, almost exclusively, on what I would call “Zionist” literature, that is, modern Hebrew literature in its early stages […] Because of this I wanted to speak of my writing as opposed to Israeli literature.

يعبر هذا الكلام عن وجهة نظر سمير نقّاش تجاه لغة القصة العبرية المعاصرة، وكونها حسب رأيه "ملوثة" بالإديولوجية، وهي الإديولوجية الصهيونية، ويمكن استنتاج نتائج أوسع لهذا الكلام حول توجّه الكتابة العبرية المعاصرة بشكل عام وما في ذلك من ترجمة أدب اللغات المختلفة إلى اللغة العبرية، وما في ذلك من ترجمة الأدب الفلسطيني إلى اللغة العبرية. يمكن، للأسف، حتى ترجمة باب الشمس إلى اللغة العبرية.

VI

أثارت فيّ مقال الياس خوري "مستقبل الماضي" هذه الذكرايات المنسية. اليوم بعدما انقشع الضباب الكثيف عن عيوني حول نكبة فلسطين أفهم هذا الصمت الثقيل. قد ينتمي حي الفنانين في صفد، مثل حي الفنانين في عين حوض ومثل أحياء الفنانين في عدة بلدان فلسطينية أخرى لإحدى الظواهر الأقبح في الثقافة الإسرائيلية. لم تُختزل هذه الظاهرة في الفنانين الذين يسكنون في هذه القرى والأحياء وإنما هي ظاهرة نموذجية عامة لم يشذ عنها تقريبا أي إنتاج إسرائيلي فني، وإن كان تشكيليا أو أدبيا أو موسيقيا. وعلم ذلك شتريخمان وعلمت ذلك زوجة شتريخمان وعلم ذلك حينها الكبار حولي.

واليوم بعدما انقشع الضباب الكثيف عن عيوني حول هجرة اليهود العرب إلى فلسطين أفهم وجود ما يحتوي هذا المتحف من الفن المقدس لليهود العرب. وبعدما انقشع الضباب الكثيف عن عيوني حول تهجير اليهود العرب من اللغة العربية وثقافتها قد رجعت إلى هذه اللغة – مع العودة إلى الفرق بين محو اليديش وثقافتها ومحو العربية وثقافتها.

ومنذ أصبحت أعي حجم الدمار الوحشي التي نشأت فوقها الثقافة الإسرائيلية ومنذ بدأت بقراءة الأدب العربي والصحف العربية، يصعب علي قراءة ولو كتاب اسرائيلي واحد أو قصيدة اسرائيلية واحدة ويصعب علي أن أرى حتى مسرحية إسرائيلية واحدة أو فيلم إسرائيلي واحد..

لم تبق تقريبا ولو كلمة لا يوجد لها معنى أو ظلال معاني عسكرية أو "ديموغرافية"- عنصرية. الروتين اللغوي من أجل جعل اللغة "politically correct" تبدل مصطلحات بسرعة محاولةً لتنظيف اللغة: "جدار الأمن" حوّل إلى "جدار الفصل" الذي حوّل إلى "جدار التجميع" (התכנסות) وإلى آخره. واللغة العبرية معجمها فقير الكلمات، تنتهي كلماتها بسرعة.

لم ينج أي إنتاج فني تقريبا من هذا التلوث. سوى، أمثلة عديدة ربما مثل "عربسك" لأنطون شماس وترجمات إميل حبيبي (إخطيّة أساسا) التي تتناول جميعها هذه الظاهرة الثقافية واللغوية داخل الكتابة. وفي "عربسك" باروديا ممتازة عن "يهوشوع بار أون" أو "يهوشوع ب. أ." لقد قلب شماس اسم أ. ب. يهوشوع على ظهره. ونعم، يمكن أن تكون قد نجتْ ترجمة "يوم حبلت وأجهضت الدنيا" لسمير نقاش التي تُرجمت إلى العبرية المحرمة، عبرية اليهود العرب.

هل مرضتُ؟ ممكن. وممكن أن تكون الثقافة الإسرائيلية هي التي مرضتْ. على أية حال ببدو أنه لا دواء لهذا المرض في السنوات القليلة القادمة سوى الانتقال إلى المتعة الفنية بلغة أخرى. أنا أخترت العودة إلى العربية. فإن اللغة العربية هي لغة أجدادي، ويمكن القول إنه إذا تم تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، فإن الجمهور اليهودي من أصل عربي قد هُجِّر كذلك من اللغة العربية. والمهجِّر واحد. هل يمكن العودة إلى اللغة العربية بعد جيل كامل أنكرها وأنكر نفسه وانضم لمشروع ليس له؟ لا اعلم.

ستحتاج الثقافة الإسرائيلية بل اللغة العبرية لعشرات أو حتى لمئات السنين لتصحيحها.
ولن تستطيع العنصرية ان تنتج ثقافة رفيعة. بل، لن تستطيع الوحشية ان تنتج ثقافة غير وحشية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018