مسلسل عابد كرمان: تزوير بطولة الفلسطيني!../ رشاد أبوشاور

مسلسل عابد كرمان: تزوير بطولة الفلسطيني!../ رشاد أبوشاور

في كل رمضان أختار من بين المسلسلات العربية الكثيرة مسلسلاً واحدا أواظب، أو أقلع، عن مشاهدته، بحسب موافقته لذوقي، وغالبا يكون للمخرج والممثلين وكاتب السيناريو تأثير على اختياري، إذ من المستحيل متابعة حشد المسلسلات التي تتبارى في عرضها، لجذب المشاهدين، فضائيات عربية تكاثرت كالفطر، التنافس بينها على اجتذاب المعلنين يتحدد بمدى شعبيتها لدى ملايين المشاهدين في شهر رمضان.
 
هذا العام استبشرت، وحددت سلفا ما سأشاهده، وأنا أقرأ عن اللمسات الأخيرة لانجاز مسلسل (عابد كرمان)، بطولة النجم السوري تيم حسن الذي تألق في كثير من المسلسلات السورية، ومسلسل (الملك فاروق) وهو من بطولته، وإخراج السوري المتألّق حاتم، مع بدء مرحلة الإنتاج المشترك المصري السوري، الذي يقرّب بين الفنانين في البلدين، ويجذب الجمهور العربي أكثر، ويجعل من مصر موئلاً كما كان شأنها في زمن مضى قبل القطيعة التي فرضها نظام كامب ديفد الانعزالي.
 
من هو عابد قرمان الذي استبشرت خيرا في نقله إلى شاشات التلفزيون العربية، وأمّلت في تعريف ملايين العرب بسيرة هذا البطل وزملائه الذين لا يقلّون بطولة عنه، والذين وإياهم صنعوا ملحمة (مجهولة)؟!
 
أحسب أن كثيرين لا يعرفون عنه شيئا، فهو (بطل) مجهول، لم يُعرّف به لأسباب ربما يستنتجها القارئ، بعد أن يقرأ هذه المقالة التي أعترف مسبقا أنها لن تفيه وإخوانه الأبطال حقّهم!
هو عبد الرحيم الحاج عبد الرؤوف قرمان، من عزبة (إبطن) قضاء الناصرة في الجليل الفلسطيني المحتل منذ العام 1948.
 
العزبة تعود إلى أسرة قرمان، وفيها مزرعة مترامية كانت تنتج الفاكهة والخضار وتصدّرها للمدن الفلسطينيّة، وهو ما جعل أصحابها يعيشون حياة ميسورة جدا.
 
عبد الرؤوف شاب أسمر، رياضي الجسم، وسيم وسامة رجولية، ملامحه فيها قوّة، يزيدها بهاءً شعره الأسود الكّث الذي يرتفع على جبينه كاللمة، وتحته جبين رحب، وعينان واسعتان قويتا النظرات ذكيتان.
 
كان عبد الرؤوف يزور باريس بكثرة، وهناك التقى بالفتاة الفرنسية (جاكي) التي تنتمي لأسرة عسكرية عريقة، فوالدها جنرال في الجيش الفرنسي، وجدها جنرال أورث حب العسكرية لابنه.
جاكي كانت تشغل وظيفة رفيعة في الخطوط الفرنسية، والحب بينهما، الفلسطيني والفرنسية، تكلل بالزواج.
 
في العام 1965، وتحديدا في اليوم الأول من ذلك العام، ابتدأ العمل الفدائي، أو المقاومة، أو الثورة الفلسطينية المعاصرة، ببلاغ من العاصفة الجناح العسكري لحركة فتح.
 
توالت البلاغات، والبيانات، وشاعت أخبار الفدائيين، وأُسر محمود بكر حجازي، ومن بعده فاطمة برناوي، ودوّت أصداء محاكمتهما في أرجاء الوطن العربي، خاصة بعد أن تصدّى المحامي الفرنسي (جاك فيرجس) للدفاع عنهما، ومن هنا ابتدأت (ملحمة) خليّة فلسطينيّة من فلسطينيين ال48، عُرف منها اثنان: عابد قرمان، والقاص والروائي توفيق فيّاض.
 
اقترح توفيق فيّاض على صديقه عبد الرؤوف- وكان أصدقاء عبد الرؤوف ينادونه تحببا: عبد.. كما هو شأن الفلسطينيين في اختصار الأسماء التي تبدأ بـ( عبد...)- أن يسعى للاستفسار من الروائي الفلسطيني غسان كنفاني عن هذا العمل الفدائي، ومن يقف وراءه!
 
طمأن توفيق صاحبه إلى أن غسانا سيثق به ما دام يحدثه باسمه، فهو قرأ قصص توفيق، وإن لم يكونا قد التقيا.. وكيف يلتقيان وتوفيق في فلسطين ال48، وغسان في لبنان، وأحيانا خارج لبنان؟!
 
في باريس كان لعبد صديق مصري، فطلب مساعدته في البحث عن هاتف غسان كنفاني في بيروت.. وباختصار عاد صديقه المصري الذي كان يعمل في السفارة المصرية بباريس إليه، واقترح عليه أن يلتقي بشخص مهم يمكن أن يوصله بغسان!
 
الصديق المصري كان ضابطا في المخابرات المصرية، وهو نقل لهفة صديقه الفلسطيني على التواصل مع الكاتب غسان كنفاني، فما كان من الرجل المهم الذي كان يزور باريس إلاّ وطلب موافاته بكتب غسان كنفاني.. وعندما فرغ من قراءتها عرف سر البحث عن غسان!
 
باختصار، ذلك الرجل المهم هو مستشار الأمن القومي فيما بعد( حافظ إسماعيل).. وقد طلب الالتقاء بالشاب الفلسطيني وجها لوجه!
 
من هنا بدأت مسيرة عبد وتوفيق وعدد من الفلسطينيين الذين أبوا إلاّ أن يشاركوا في تحرير فلسطين، وأن لا يبقوا منسيين.
 
لم تبدأ المجموعة بالعمليات العسكرية، إذ كان لا بدّ من تنظيم كثير من الشباب الفلسطيني، وجمع أوسع وأعمق المعلومات عن العدو، وتحديد نقاط ضعفه ونقاط قوته.
 
كان الكاتب توفيق فيّاض يعمل ضابط جمارك في ميناء حيفا.. وهذا ما سهّل له معرفة كل حركة في الميناء. وكان (عبد) يتنقل بين باريس بحكم زواجه وإقامته، وبين وطنه فلسطين (المحتلة).. وكان شباب كثيرون قد انخرطوا في العمل، وأبدعوا أساليب تنظيمية تناسب ظروفهم تحت الاحتلال.
 
منجزاتهم قبل حزيران 67 عُرف بعضها، وما زال بعضها مجهولاً.. وكان من أهمها أنهم بواسطة (عبد) نبهوا القيادة المصرية عبر حافظ إسماعيل إلى أن العدو يعد لحرب شاملة، وبالوقائع.. ولكن المعلومات أهملت!
 
بعد حزيران نبهوا إلى تحرّك المدمرة ( إيلات) بعد أن رصدوا حركتها في ميناء ( حيفا).. فتّم تدميرها في عملية مبهرة هزّت ثقة قيادة الكيان الصهيوني العسكرية بنفسها.. خاصة وأنها وقعت بعد هزيمة حزيران 67!
 
تابع هؤلاء المناضلون عملية بناء خط ( بارليف) وتمكنوا من توصيل معلومات دقيقة للقيادة المصرية، وهذا ما أدى في حرب الاستنزاف إلى تدمير أكثر من 80% من ذلك العائق العسكري.. وهو ما سهّل عبور جيش مصر العظيم في حرب تشرين 73.
 
بعد 5 سنوات اكتشفت المجموعة، وقُبض على ( عبد) وتوفيق وآخرين بتاريخ 13/1/1970 ومكثوا في السجن عدّة سنوات عانوا فيها أهوال التعذيب، واعتبرت القيادة المصرية أن أسرهم خسارة قومية من الدرجة الأولى.
 
بعد السجن زار( عبد) القاهرة، وهناك التقى بالصحفي ماهر عبد الحميد، الذي ألح عليه حتى وافق على( رواية) ما قام به أولئك الأبطال، وبعد سلسلة جلسات صدر كتاب ( كنت صديقا لدايان)- وعبد فعلاً تمكن من نسج علاقة صداقة مع الجنرال دايان، واستدرجه إلى بعض الأماكن بحثا عن الآثار!- وعندما اطلع ( عبد قرمان) على الكتاب غضب غضبا شديدا لأن الصحفي قدمه وكأنه ( سوبرمان) وليس واحدا من مجموعة مناضلين دفعهم الإيمان بأمتهم للقيام بمهمات تبدو شبه مستحيلة، وتقدّم ( عبد) بدعوة أمام القضاء المصري، وطلب جمع الكتاب من المكتبات.
 
السينارست بشير الديك يقر بأنه أعد المسلسل عن كتاب (ماهر عبد الحميد)، ولكنه لا يفصح عن اسم الكتاب تهربا من المسؤولية، فكتاب ماهر يروي حكاية قرمان، وليس بطلاً أمه فرنسية كما هو حال ( أبد كرمان) الذي يسعى للانتقام لمقتل والده!.
 
 يضع بشير الديك ملاحظة مفادها أن مسلسل ( عابد كرمان) الذي عرضته فضائية ( الحياة2) طيلة شهر رمضان من وحي الخيال، وأنه لا صلة له بأي شخصيات وأحداث حقيقية!
 
توفي عبد قرمان قبل شهرين، وربما كان هذا لحكمة إلهية بحيث لا يشاهد هذا المسلسل التافه الذي يسلب الفلسطيني بطولته، ويجيرها لشخصيات وهمية.. لماذا؟!
 
التقيت بعبد قرمان في تونس، وكان اللقاء الوحيد، وسأبقى أتذكره ما حييت.
وعدني الصديق الروائي توفيق فياض أنه شرع في كتابة الرواية الحقيقية الصادقة والمنصفة، وأنه سيفرغ منها قريبا، وان الرواية ستكون إضافة لما حققه بروايته المجموعة 778 التي أنصفت أبطالاً دوخوا الاحتلال في حيفا، ويافا، وعكا، طيلة سنتين، بعد هزيمة حزيران 67.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018