إبراهيم جوهر... المثقف الفلسطيني النـزيه / محمود شقير

إبراهيم جوهر... المثقف الفلسطيني النـزيه / محمود شقير

من يتعرّف إلى إبراهيم جوهر عن قرب تتأكّد له حقيقة أن هذا الرجل وثقافته صنوان لا يفترقان. بمعنى أن السلوك اليومي لابراهيم جوهر وعلاقاته الطيبة مع الناس، وسعة أفقه وتوخّيه الصدق في ما يصدر عنه من مواقف وأحكام، إنما هو التعبير الحي عن ثقافته التي لا تنفصل عن شخصه وعن طبيعة تعاطيه مع الحياة. وبمعنى أن ثقافة ابراهيم جوهر المبنية على الاجتهاد الخلاق، والابتعاد عن التزمت و الانغلاق، إنما تستمدّ حضورها من حضور الشخص نفسه في الواقع وفي المشهد العام الذي يتحرك من خلاله، وينشط فيه بفاعلية، للتأثير فيه وللذهاب به ومعه نحو ذرى أعلى من دون ادّعاء أوتظاهر أو استعراض.

     ويبدو لي أن عوامل شتى تضافرت على تكوين شخصية ابراهيم جوهر على النحو الذي جعل هذا الإنسان النبيل محبوبًا من معارفه وأصدقائه وتلميذاته وتلاميذه ومريديه، وجعله في الوقت نفسه مجبولاً على حب الخير، وعلى تقصي نواقص الأعمال الأدبية ليس من باب النكاية أو تثبيط الهمم، وإنما للارتقاء بمستوى ما  يكتبه الأدباء، وبالذات جيل الشابات والشباب. وهو في الوقت نفسه لا يتوانى عن الاحتفاء بكل إنجاز إبداعي جيد، مشيدًا به على النحو الذي يمهّد السبيل لمزيد من الإبداع الجيد الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه، وذلك بالنظر إلى ما تتعرّض له بلادنا، والقدس في القلب منها، من إجراءات إسرائيلية احتلالية، تستعين من أجل تزوير المشهد الأصيل لبلادنا ولقدسنا، بالأسطورة وبقوة المدفع والجرّافة، وكذلك بقوة النص الأدبي الذي يحاول استيعاب القدس باعتبارها مدينة لليهود عبر التاريخ.

     لقد كان لإبراهيم جوهر حظّ التحدّر من أسرة، تجمّعت لديها عناصر وعي متقدّم، مقارنة بالوعي الذي كان سائدًا في محيط العشيرة التي تنتمي إليها أسرة إبراهيم. ربما كان للمهن التي مارسها بعض أفراد الأسرة علاقة بهذا الوعي. وهو الوعي الذي قاد الأخ الأكبر لإبراهيم إلى التطوّع في أول شبابه للدفاع عن القدس في العام 1948 وإلى العمل مدرّسًا للتلاميذ، ومن ثم إلى  دخول ساحة النشاط الحزبي في خمسينيات القرن العشرين، لتحقيق حلم الوحدة العربية والتحرر من الاستعمار وتحرير فلسطين.  ولقد تعرّض هذا الأخ الأكبر الذي ترك إشعاعه الأكيد على أفراد أسرته وعلى محيطه الأوسع،  للسجن والاضطهاد على أيدي الجلادين، جرّاء انتمائه السياسي. وكان من نتيجة ذلك كله أن عبّر هذا الأخ الأكبر، القائد النقابي محمد جوهر عن تجربته السياسية والنقابية في كتاب من كتب السيرة الذاتية، نشره أوائل تسعينيات القرن العشرين.

     وكانت لإبراهيم جوهر نشأته الخاصة التي جعلته مهتمًا بالتحصيل العلمي وبالتفتح على الأدب والسياسة والفكر التقدمي، في زمن كان فيه للفكر التقدمي حضوره المتميز، فكانت لإبراهيم فرص وافرة للتعرّف إلى قادة سياسيين، وللعمل مع بعض هؤلاء القادة في ميادين الصحافة إلى جانب السياسة وتجلياتها اليومية، الأمر الذي انعكس لاحقًا في تجربة ابراهيم العملية في الحياة، حيث الرغبة الملحة في الاستزادة من المعرفة، والميل المشروع إلى مناقشة الفكرة في أبعادها المختلفة، والابتعاد عن التحيز الأعمى الذميم.

     ولعلّ ممارسة ابراهيم جوهر لمهنة التدريس في المدرسة وفي الجامعة أن تكون عنصرًا محفّزًا للرغبة الكامنة في نفسه، تلك الرغبة التي تعني التوسّع في مغزى أن يكون المرء معلمًا، فاختار إبراهيم عن قناعة، كما يبدو لي، بأن يكون منشّطًا ثقافيًّا مثابرًا على تلك المهمة النبيلة، قدر اهتمامه بإنجاز إبداعاته السردية في أدب الأطفال، وفي السرد الحكائي الذي يستفيد من أسلوب المقامات في التراث العربي، وكذلك  في تكريس جزء غير قليل من كتاباته، لكتابة النقد الأدبي، الذي تعامل وما زال يتعامل مع نصوص أدبية فلسطينية وأخرى عربية وغير عربية.

     إن مسحة الجدّ التي تبدو على وجه إبراهيم جوهر، بشعره الأبيض الكثيف وبشاربيه الأبيضين الكثّين، تخفي على نحو بالغ التمويه، مزاجًا انبساطيًّا لرجل ساخر مرح، بعيد عن ضيق الأفق وعن نعرات التعصب والنزق والأنانية. ولأن الإبداع، والنقد الأدبي منه بالذات، يحتاج إلى قلب كبير، فلا غرابة في أن يكون إبراهيم جوهر هو ذلك الناقد الذي لا يجامل ولا يحابي، ويقول صراحة ما يعتقد أنه الصواب. وهو ذلك المثقف النزيه الذي نحن أحوج ما نكون إليه في هذا الزمن الملتبس.

     فتحية لإبراهيم جوهر مع تمنياتي له بالصحة وبدوام التألق والعطاء.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018