جوديث بتلر في إهاب أدورنو: "بَسْ الوفا عَ الـحُر" / عبد الرحيم الشيخ ورنا بركات

جوديث بتلر في إهاب أدورنو: "بَسْ الوفا عَ الـحُر" / عبد الرحيم الشيخ ورنا بركات

- جوديث بتلر لحظة تسلمها الجائزة -

إن نيل الفيلسوفة العالمية جوديث بتلر جائزة أدورنو في 11 أيلول 2012، وما أثير حول استحقاقها "أخلاقياً" لتلك الجائزة الألمانية الرفيعة من سجال، يقتضي من المتأمل، وبخاصة غير اليهودي، في هذه المسألة الإتيان على ثلاث قضايا مركزية وعلائقية: أولاها، السياق الفكري والسياسي، الأوروبي عموماً والألماني بخاصة، الذي تثار فيه هذه السجالات ذات العلاقة باليهود وإسرائيل وما يكتنفها من سرديات "أخلاقية" احتكارية كبرى ممركزة أوروبياً؛ وثانيتها، موقف المثقفين اليهود وغير اليهود من هذه السجالات بمن فيهم بتلر في إهاب أدورنو وجائزته؛ وثالثتها، المحاولات البائسة لابتكار لاهوت معياري، وريشة "معات" أوروبية ذات هوية يهودية حصرية واحتكارية لوزن قلوب المثقفين غير اليهود، ومطاردة نواياهم، ودوافع أفعالهم التي لا ينبغي لها أن تجترئ على اللاهوت الغربي، الممركز أوربياً، تجاه إسرائيل.  

 

مدرسة فرانكفورت والثورة على الأداء اليهودي حسب النوتة الألمانية

كمجاز مبكر لمآلات التلقِّي لنتاجات مفكري مدرسة فرانكفورت النقدية، يمكن للمرء أن يستدعي القصة الأثيرة عن الشاعر الألماني-الفرنسي (بولندي الأصل) بول سيلان (1920-1970)، الذي كان الحاضر الأكبر في مشهدية الشعر الألماني بعد الحرب العالمية الثانية. وهي قصة إلقائه للشعر، إذ كان سيلان، يهودي الهوية والهوى، يلقي الشعر المكتوب بالألمانية بتنغيم توراتي التقطه، كسائر الأطفال اليهود، في الكُنس والمناسبات التي تُتلى فيها الترانيم الدينية بالعبرية القديمة: لفظاً وأداءً. غير إن الذائقة الشوفينية للسياق النازي ألزمت أساتذة سيلان وسامعيه بإرغامه على إعادة الإلقاء "بشكل صحيح"... مراراً وتكراراً، حتى يشرع الطفل بالبكاء. بكى بول سيلان، ويا لبكائه المرِّ، لكن مرارة البكاء تلك كانت قدح الزند لمقولته الشهيرة: "ما من شيء يمكن أن يمنع المرء من الكتابة حتى لو كان الشاعر يهودياً واللغة التي يكتب بها قصائده هي الألمانية."

بعد أقل من نصف عقد من ولادة سيلان، ولدت مدرسة فرانكفورت، التي توالت سلالاتها من المفكرين والفلاسفة الذين ولدوا لعائلات يهودية أوروبية، نسباً أو انتساباً، من أدورنو حتى بتلر، بين الحربين العالميتين كردة فعل على أمرين: الأول هو ثورتها على الاستغراق في الأسئلة النظرية وما تُرمى به الفلسفة من تعقيبية غير منتِجة، تفسِّر الحدث ولا تشارك في صناعته وتوجيهيه حالها حال "بومة منيرفا" التي أحسن هيغل (1770-1831) حين وصفها بأنها "لا تحلِّق إلا في الغسق." والآخر، هو ثورتها على مآلات مشروع تنوير كانط (1724-1804) الرومانسي الذي ابتدأ في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، في جانب مهم منه، كمحاولة لمصالحة الهسكلاه اليهودية على حصرية "العقلانية" الممركزة أوروبياً ضمن "دولة القومية،" وانتهى باستيقاظ العقلانية الانتحاري على أفظع مذابح دولة القومية في أوشفيتس ومثائله في أواخر النصف الأول من القرن العشرين. غير إنه لمن الإجحاف الكبير وسم مدرسة فرانكفورت، بأجيالها الثلاثة، أو وصمها بأنها كانت ردة فعل وحسب، إذ جاءت بالعديد من المنظومات النظرية والاجتماعية والإنسانية والجمالية التي لا تزال مدارس "الفلسفة القارِّيَّة" تتناسل من رحمها. ولعل أبرز ما ولَّدته تلك المنظومات، أخذاً بعين الاعتبار يهودية المولد لأبرز منظِّريها، هو الحقل الموسوعي والإشكالي في آن معاً، والموسوم بـ"الأخلاقيات اليهودية" التي مارست باقتدار نظرية-التطبيق.

لا شك أن قيام دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيونية في فلسطين، كإحدى الاستطالات الأكثر إشكالية في التاريخ العالمي الحديث لاستعمارية المركز الأوربي، وبوصفها، كما وصفت نفسها، "الوطن القومي ليهود العالم" وحاميتهم ضد "نزعات اللاسامية ومعاداة اليهود،" كان مثار جدل واسع لسلالات هذه المدرسة، وبخاصة فيما يتعلق بمصير الشعب الفلسطيني الذي كسرت دولةُ الاحتلال حداثَته، وشرَّدته، وحالت دون قيام دولته وتقرير مصيره. وفيما بدا وكأنه اكتفاء بإعلاء سؤال النظرية على سؤال التطبيق في كتابات آباء مدرسة فرانكفورت من أمثال تيودور أدورنو (1903-1969) وفالتر بنيامين (1892-1940)، انخرط آخرون من سلالاتها الفرعية، من المنظرين يهود المولد، في التطبيق الأخلاقي للأسئلة من حنه آرنت (1906-1975) ومارتن بوبر (1878-1965) وغيرشوم شوليم (1887-1982) إلى بريمو ليفي (1919-1987) وجوديث بتلر (1956-) وجيل النجار. وعليه، فقد كان مصير شعب فلسطين، والسياسات الاستعمارية العنصرية التي تقترفها دولة إسرائيل في صميم اهتمامات هؤلاء كلُّ باسمه ورسمه كـ"مثقف يهودي." لكن اللافت، في هذه النسابية (المختزلة لضرورات المقام) أنه على الرغم من مرور قرابة قرن من الزمان على ولادة بول سيلان ومدرسة فرانكفورت، إلا إن معادلة "الأداء اليهودي حسب النوتة الألمانية" لم تغيِّر اتجاهها، بل عززته بعد أن أتـمَّت الماكينة السياسية والثقافية الألمانية "تحوُّلها" إلى الدور الجديد كجبهة أولى في حماية دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، والدفاع حتى عن سياسات الفصل العنصري، وجرائم الحرب التي تقترفها ضد الفلسطينيين والعرب من رفح حتى قانا.

وراثة أدورنو "في موطنه،" وتهويد اليهودي

لم يكن مفاجئاً، إذن، أن تنطلق حملة الاحتجاج على منح بتلر جائزة أدورنو من ألمانيا. لكن المفاجئ الذي لا يفقد خاصية الدَهش، هو المزايدة على حساسيات بتلر كـ"مثقفة يهودية،" إذ لا بد للمثقف اليهودي أن يحظى بـ"شهادة منشأ ألمانية" حتى يُقبَل في النادي الفعلي أو "الفخري" لمدرسة فرانكفورت التي لم تعد كذلك على أية حال. وهنا، لا يتسع المقام لاستعراض سيرة بتلر الفكرية والسياسية، ولا نقاش التعالقات الشائكة لكتابتها مؤخراً حول إسرائيل والقضية الفلسطينية، إذ عالجنا ذلك على نحو  تفصيلي في دراستنا المنشورة في (العدد 87/2011) من مجلة الدراسات الفلسطينية، بعنوان: "المثقفة اليهودية الأخيرة: جوديث بتلر قارئة لسعيد ودرويش.. حول المقاطعة والحرية الأكاديمية"  والتي عمدت إلى تحليل النسيج الثقافي الذي ولَّد تقاطعاً إشكالياً بين "المسألة اليهودية" و"المسألة الفلسطينية" لدى بتلر، وما نتج عن هذا التقاطع من مواقف أخلاقية تجاه قضايا مقاومة إسرائيل ومقاطعتها لأجل فلسطين. وقد قرأت الدراسة هذا التقاطع، رأسياً، على ثلاثة مستويات: أولها، ظهور تيار تقدُّمي عالمي في الثقافة اليهودية الناقدة لحصرية الفكرة الصهيونية وتمثُّلات تلك الحصرية في التحقق الفعلي للفكرة بالأنموذج الدولاني لإسرائيل وما اقترفته بحق فلسطين والفلسطينيين؛ وثانيها؛ تجدد هذا التيار في الثقافة والأكاديميا الإسرائيلية ابتداءً من عقد الثمانينات في القرن الماضي وحتى اللحظة؛ وثالثها، كيفية تلقِّي هذين التيارين في الثقافة الفلسطينية، وما أحدثه من أثر على خطاب المثقفين اليهود المؤيدين لسياسات مقاومة إسرائيل ومقاطعتها لأجل فلسطين. هناك، اتخذت الدراسة من بتلر، فكراً وممارسة، مثالاً للإجابة على ثلاثة أسئلة مركزية في هذا السياق تستقرئ كتابات إدوارد سعيد ومحمود درويش ذات العلاقة، وهي: ما معنى أن يكون المثقف يهودياً؟ وما معنى أن يكون اليهودي مثقفاً؟ وما معنى "مسؤولية المثقف اليهودي الأخير،" بالمفهوم السعيدي، على مستوى المثقفيَّة والفعل الثقافي في آن معاً تجاه القضية الفلسطينية؟

وفي هذا المقام، سنكتفي بالإشارة إلى بتلر في ردها على من وصفوها بـ"اليهودية الكارهة لذاتها" و"المعادية للسامية،" وبخاصة ردُّها المنشور على موقع "موندووايس" الإلكتروني بتاريخ 27 آب 2012، بعنوان: "أنا أؤكد يهوديةً لا علاقة لها بعنف الدولة" على المقالة الاحتجاجية المنشورة في صحيفة الـ جيروساليم بوست الصهيونية بتاريخ 26 آب 2012، بعنوان: "فرانكفورت تمنح (جائزة) لداعية أمريكية لمقاطعة إسرائيل." في مقالتها اللامعة، قدًّمت بتلر دفاعاً بليغاً عن نفسها كمفكرة وكيهودية، إذ بقيت الأفكار الناظمة لما يعرف بـ"الأخلاقيات اليهودية" المحرِّك الأساس وذروة السنام في معظم أعمالها. وحسب بتلر، فقد منحها وجودها ضمن مَعين يهودي، وفي حاضنة الأخلاقيات اليهودية، أساس التزامها الفكري والسياسي بقضايا العدالة الاجتماعية. فقد لعبت بتلر دوراً محورياً في الدفاع عن حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، وكانت بتلر على الدوام صوتاً مدوياً ولافتاً في دوائر الفكر الغربي، وبخاصة في المعاقل المعادية لفلسطين في العواصم الأوروبية والأمريكية. 

وكما يظهر من النداء الذي وجهته الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، بتاريخ 11 أيلول 2012، فإن السجال الدائر حول نيل بتلر لجائزة أدورنو وما أثير حوله من جدل، شأنه شأن أعمال بتلر نفسها ومواقفها، استوقف الفلسطينيين عموماً قراءة، وتقديراً، ودعماً، واستوقف بخاصة تجمعات فكرية ونقابية مرموقة كالاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، واتحاد نقابات أساتذة وموظفي الجامعات الفلسطينية.   

وعلى الرغم من ذلك، فإن وسم السجال الدائر وتأطيره في حلقة يهودية داخلية، أخذاً بعين الاعتبار اللاعبين الأساسيين فيه (من أدورنو الذي تُخلِّد الجائزة ذكراه، إلى مانحي الجائزة، إلى بتلر نفسها، إلى المحتجين على نيلها الجائزة)، يسهم في قصر السجال الدائر على فحوى وتبعات "الهوية اليهودية." ولا شك أن تأسيس دولة الاستعمار الاستيطاني (إسرائيل)، التي تعمل على نحو هستيري أن تكون "دولة لليهود" بأكثر من كونها "دولة يهودية" تحقيقاً لحلم هرتزل الكابوسي، وأن يتم الاعتراف بها كذلك (وطلبه، للمفارقة الجارحة، حتى من الفلسطينيين أنفسهم شرطاً للعودة إلى المفاوضات!)... لقد كان تأسيس إسرائيل وهوس يهوديتها فيصلاً مركزياً بين داعمي هذه الدولة ويهوديتها (أي حصريتها العنصرية) والمعادين لها جرَّاء هذه الحصرية سواء كان ذلك على نحو جزئي أو كلِّي.

صحيح أن الحرية وحق تقرير المصير لم تكن يوماً حكراً على الأخلاقيات اليهودية، وصحيح أن بتلر لم تقصد، في ردِّها بطبيعة الحال، أن تدشِّن ذلك الادعاء... ولكن السياق السجالي يظهر وكأنه حشر للموضوع برمته في هذه الزاوية الخطابية، ما يعني أنه حتى تشارك في هكذا سجال، فإنه ينبغي عليك أن تدشِّن مألوفية من نوع خاص مع "هويتك اليهودية" التي لا بد وأن توجد في مكان ما من ضميرك الخاص والجمعي، أي أن تكون واحداً ممن "يعنيهم" السجال كيهود يريدونه، ويديرونه، ويدورون حوله، ويدور حولهم! 

قد يكون "سؤال العنف،" أي المقاومة المسلحة وبخاصة التي يقوم بها كل من حزب الله في لبنان وحركة حماس وفصائل المقاومة المسلحة في فلسطين، والموقف منها، بأكثر من ذلك، هو أحد القضايا الحساسة التي تندرج ضمن هذا التأطير السجالي الذي وقفت منه بتلر موقفاً واضحاً ومنحازاً بلا تلعثم إلى خيار "المقاومة السلمية." لكن بتلر ضمنت لنفسها موقعاً متقدماً في جينيالوجيا الفلسفة الأوروبية الحديثة كوريثة لأدورنو وآرنت وبنيامين الذين كان السياق الأوروبي في القرن العشرين حاضنتهم الفكرية ومناطهم التراجيدي بامتياز. وفي ظل هذا السياق الفاشي، فقد لعبت الهوية اليهودية دوراً مركزياً، وبخاصة لمن يحاولون منا الاشتباك سجالياً مع المنظومات الفكرية المركَّبة لهؤلاء الفلاسفة الذين أسسوا مدرستهم الفكرية على أنقاض مشروع التنوير الأوروبي الكلاسيكي الذي كانت أوشفيتس، بالقطع، واحدة من كبريات دلائل استحالته، ولمن يحاولون، كذلك، نقض أو نقد ما يوصف بـ "تقاطع المصائر" النتائج عن المسألتين "اليهودية" و"الفلسطينية."

إن حقيقة أننا لا نزال في ذلك السياق الأوروبي تعزز، بلا شك، مأساة "الحداثة" الأوربية، وتؤكد الاتجاه المركزي في تعريفها ونقدها بأنها لم تكن إلا حكاية سيادة للمركزية الأوروبية التي كان الاستعمار ذروة سنامها. وعليه، فإن اشتراكنا في هذا السجال، بوصفنا "يهوداً" (فكريين!) غير يهود، يعمِّق هذه المأساة، إذ إن أصداء الوسم الأوروبي الاستعماري لنا (في تصريح بلفور مثلاً) كـ"غير يهود" لن يذهب هدراً! وعليه، فإن هذه اللحظة، "الآن" و"هنا"، هي موعد الثورة على هذا السجال وإخراجه من دائرة معاداة اليهودية واللاسامية إلى دائرة معاداة الحصرية الناتجة عن استخدام متطرف لإحدى نسخ الهوية اليهودية واللاسامية التي يتبناها كيان الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل ومناصروه في العالم.

وراثة أدورنو في "منفاه،" وتهويد الفلسطيني

إن التناقض في هذا الخطاب الديني الحصري، ذي البعد الصميمي في هذا المقام "المتعالق" بالأخلاقيات اليهودية والهوية سياسياً، وإن لم "يتعلَّق" بها فلسفياً، يبقى بطبيعة الحال مكنوناً في مفهوم "العلماني" الذي دشَّنه إدوارد سعيد في الإنسانوية العلمانية... هذا إن أخذنا بعين الاعتبار إرث أدورنو كأحد الأساطين الفكرية المقاومة للفاشية الألمانية (والغربية عموماً)، إذ كانت أطروحته حول الإنسانوية والعداء للسامية من أبرز الإسهامات الفكرية في السياق الأوروبي المتوحش. إنه الإرث الذي جسَّدته بتلر عبر العديد من التجليات، نظريةً وممارسة. أما سعيد، فلم يعترف وحسب بهذا الإرث، بل وضع نفسه وبشكل سافر ضمنه سواء حين كان يكتب عن الغرب أو عن فلسطين، وسواء كان في المنفى أو في الوطن. لقد كان سعيد، وبمحض إرادته، المثقف اليهودي-غير اليهودي الذي اشتغل بموضوعة أوروبا واللاسامية على الرغم من علمه بالامتدادات والتداعيات الهائلة لهذا الموضوع خارج أوروبا، وخارج المكوِّن اليهودي للسامية واللاسامية على حدِّ السواء. لقد جاوز سعيد ذلك ونعت نفسه بـ"المثقف اليهودي الأخير، والوريث الحقيقي الوحيد لأدورنو،" وذلك على الرغم من، ولربما بسبب، انتمائه، من حيث الهوية الوطنية، إلى الفلسطينيين العرب الذي كانوا ضحايا "الضحايا" التي أفرزها السياق الأوروبي في غمرة الانشغال الفكري والسياسي بـ"المسألة اليهودية" ليس على شكل "دولة يهودية" عنصرية وحصرية وحسب، بل وعلى شكل لاهوت آخذ في التنامي يؤبد لها دور الضحية حتى في أقسى لحظات جنون قوتها ضد الفلسطينيين والعرب وأقصاها، ويزيد من "حجم دماغها العسكري الأكبر من جسمها" كما وصفه محمود درويش مرةً. لقد كان على "ضحايا الضحايا،" كما وصف سعيد الفلسطينيين، وعلى سعيد نفسه للمفارقة، أن يدخلوا حظيرة "الهوية اليهودية" حتى يجوز لهم المشاركة في هذا السجال.

ولعل هذا يعيدنا إلى المسألة الفلسطينية في هذا السياق الموسوم بـ"العلمانية" لنسأل: هل السجال الدائر حول الدين، والأخلاقيات الدينية، وإرث الأساطير الدينية، هو سجال مفتوح حول الإنسانوية، أم يمكنه أن يكون كذلك؟  وهل يمكننا الحديث عن فلسطين دون الحديث عن الأخلاقيات الدينية، أو عن الدين على الإطلاق؟ ربما كانت  هذه النتيجة الفرويدية التي أراد سعيد الوصول إليها مراراً، لكنه لم يعلنها تماماً. لقد فنَّد جيل النجار، التلميذ الفعلي لبتلر والمعنوي لسعيد والذي ربما يكون قد تجاوزهما، باقتدار هذه الدائرة المغلقة للهوية اليهودية (الممركزة أوروبياً) عبر قراءته الشجاعة لجينيالوجيات المثقفين الأوربيين. وقد نشرنا ترجمة لأطروحته الهائلة في (العددين الثالث والرابع، 2012) من مجلة الكرمل الجديد، بعنوان: "اليهودي العربي: تاريخ العدو." لم ينقد النجار "المثقفين" بالمفهوم الأنجلو-ساكسوني وحسب، بل ونقض لاهوت المثقفين بالمفهوم الفرانكفوني، الكلاسيكي ممثلاً بجوليان بندا (1867-1965) والحديث ممثلاً بجاك دريدا (1930-2004) في آن معاً، وذلك بتدشينه للمقولة الجريئة بأن العلمانية الغربية (والألمانية جزء صميمي منها بلا شك) إنما هي مكوِّن أساسي من مكوَّنات المسيحية الغربية التي تمت علمنتها، لإقصاء اليهودي العربي من المنظومة الأوروبية، في دولة القومية منذ العام 1492 الذي شهد هدم الدولة العربية في الأندلس وبدء حملة الاستعمار الأوروبي الذي دشَّن مشروع الهيمنة الذي أفرزته المركزية الأوروبية. هنا، لا بد من القول، إنه على تلامذة بتلر وسعيد أن ينتبهوا، كما انتبه النجار، إلى البعد "العلماني" في هذه الدائرة، الذي ينبغي أن يتم كسر حاضنته الأوروبية التي تحيطه بهالة من اللاهوت الأخلاقي والحصري شكلاً ومضموناً.      

هنا، للمرء أن يتساءل كيف يمكن للفلسطيني، غير اليهودي، أن يدخل هذا السجال ويحقق انتصاراً دون أن يلتحق بجموع المثقفين اليهود الرافضين لحصرية "شهادة المنشأ" الألمانية والصهيونية لأخلاقية المثقف اليهودي، والمثقفين غير اليهود الذين يجري "تهويد" مرجعياتهم الفكرية وحساسياتهم الجمالية لنيل تلك "الشهادة"؟ قد نجد إجابة فكرية شافية عند إدوارد سعيد، وأخرى شعرية وافية عند محمود درويش. لكن كلاً منهما، حين حاول ذلك باقتدار، جرت محاولة تهويده في أكثر من سياق: سواء في فلم سيمون بيطون الذي غدا فيه درويش "موسى على جبل نبو" أو "يهودا هاليفي على تلة زفرة العربي الأخيرة في الأندلس" (1997)، أو في مقابلة آري شفيط مع إدوارد سعيد التي انساق فيها سعيد نفسه إلى الإعلان أنه "المثقف اليهودي الأخير، ووريث أدورنو الوحيد" (2000)؛ أو كتابات أنجليكا نويفرت التي أحالت محمود درويش إلى شاعر يهودي من "سليمان النبي إلى بول سيلان المتنبي" (2010)، أو مقابلة ساره أدلر التي بدا فيها درويش "يهودياً دون قيد أو شرط" (2007)!

وعلى الرغم من ذلك، ومن ترديد محمود درويش، وفي أكثر مناسبة، لصرخة أدورنو الشهيرة حول "إمكانية كتابة الشعر بعد أوشفيتس،" الصرخة التي أفاض روبرت كوفمان في القول عليها وتفنيد لاهوتها اليهودي باقتدار في كتابه "الشعر بعد (الشعر بعد أوشفيتس)" (2010)، واقتراب إدوارد سعيد في سيرته ومسيرته من إريك أورباخ (1892-1957)، المثقف المنفي من برلين إلى إسطنبول في ثلاثينيات القرن الماضي، إلا إن إدوارد سعيد أعاد إنتاج أدورنو فكرياً، وربما تجاوزه، عبر كثير من كتاباته، ومواقفه التي نستذكر منها هنا، لضيق المقام، موقفين اثنين. أما الموقف الأول، فيتبدَّى في محاضرات ريث التي إذاعتها محطة الـ BBC البريطانية، التي صارت كتاباً، بعنوان: "صور المثقف" (1996)، وذلك حين طُلب منه إلقاء محاضرات ريث الشهيرة في العام 1993، وأثيرت، حينها، ضجة اعتراضية مشابهة للضجة المثارة حول استحقاق بتلر لجائزة أدورنو حالياً. في محاضراته الست، استخدم سعيد خطاباً نقدياً إنسانياً لإدانة ما حلَّ باليهود من كارثة سببتها حداثة أوروبا، لنقد موقف المثقفين من ضحايا آخرين واقعين تحت الاحتلال ويحتاجون إلى اصطفاف المثقفين الذين لا يعرفون لون من يطلب الحرية ويناضل من أجلها، بل يلتفتون إلى مظلمته وحسب. وبذا يستوي الفلسطيني المضطهد إسرائيلياً باليهودي المضطهد أوروبياً.

وأما الموقف الآخر، فيتمثل في الضجيج الإعلامي الغربي والسعار السياسي الصهيوني حول زيارة إدوارد سعيد للبنان في مطلع تموز من عام تحرير الجنوب اللبناني، في العام 2000. إذ رغب إدوارد سعيد، ضمن هذه الزيارة العائلية التي ألقى على هامشها محاضرتين أكاديميتين، في زيارة الجنوب المحرر بعد اثنين وعشرين عاماً من الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وقد بدأ سعيد زيارته إلى الجنوب بزيارة إلى معسكر التعذيب الرهيب، سجن الخيام، الذي ردد سعيد بعد رؤيته، فارغاً، صرخات أعلى من صرخات أدورنو حول أوشفيتس سمعها الكثيرون على صفحات "ذا نيشن" و"الأهرام ويكلي" وغيرهما. واستمرت الزيارة إلى حين وصول سعيد إلى بوابة فاطمة الحدودية مع شمال فلسطين حيث مكث مدة لا تزيد على عشر دقائق، وشاركَ ابنَهُ، ومجموعة من الشباب اللبنانيين، في إلقاء حجرٍ صغير على الجانب الجنوبي للسياج المعرَّف على أنه "إسرائيلي." وبغير علم سعيد، قام أحد مراسلي وكالة الأنباء الفرنسية بتصويره، ومن ثم قام بترويج الصورة التي أعقبتها موجة انتقادات وتهديدات شرسة على إدوارد سعيد طالب بعض أدعيائها بمحاكمته بتهمة "المشاركة في إلقاء الحجارة لقتل يهود إسرائيل،" وطالب آخرون بفصله من جامعة كولومبيا التي درَّس فيها ثمانية وثلاثين عاماً، ونجح فريق ثالث في التأليب عليه وإلغاء محاضرته الأخيرة، قبل رحيله، حول "فرويد وغير الأوروبيين" التي كان قد دُعي لإلقائها في معهد فرويد في فينا، وألقاها بعدئذ في متحف فرويد في لندن، ونشرت بعدها في كتاب، قدَّمه كيستوفر بولاس (2004).

واجه إدوارد سعيد الهجمة المسعورة التي شُنَّت عليه، جرَّاء هذه الحادثة، بشجاعة وجذرية قل نظيرهما، وعلى جبهتين: دافع في الأولى، إعلامياً، عن "سلوكه،" وحقه في إلقاء حجر كإشارة رمزية على الحق في المقاومة التي تستمد شرعيتها من إنسانية من يقومون بها في وجه الاحتلال الذي يفرض الموت والمعاناة، ويحرم الآخرين من حريتهم وحقهم في تقرير مصيرهم، إلى جانب حقوقهم السياسية والإنسانية الأخرى. ودافع في الجبهة الأخرى، فكرياً، بقلمه الفذ حين فاجأ العالم بتناوله النقدي لمفهوم "حصرية الهوية" كما ناقشها فرويد في شخصية موسى النبي كـ"مصري،" ووظف ذلك النقد للقول على حصرية الهوية الثيو-قومية لإسرائيل وكون ذلك عقبة كأداء في وجه حل القضية الفلسطينية. ذلك أن تلقي قراءة إدوارد سعيد الطِّباقية لفرويد وغير الأوروبيين كان ذا علاقة بالسياق الذي كتب فيه سعيد ذلك العمل بأكثر مما كان ذا علاقة بالقراءة نفسها. فقراءة سعيد لعمل فرويد عموماً، و"موسى والتوحيد" بشكل خاص، وغيره من الكتابات إنما كانت قراءة سافرة في معاداتها للصهيونية عبر قراءة فرويد الخاصة ونظريته حول يهودية اليهود. وقد هوجمت تلك القراءة، السعيدية، بوصفها قراءة غير مراعية للحساسيات اليهودية التي كان من المفترض، وللمفارقة مرة أخرى، أن تتم في إهاب الفلسفة الأوروبية الحديثة. أي إنه بالرغم من كافة التناقضات والسجالات "الداخلية،" كان على هذا السجال بالتحديد (حول فرويد، وموسى، وغير الأوروبيين) ألا يبارح دوائر "الهوية اليهودية،" أي الفلاسفة اليهود، وبخاصة من لم تشب تاريخهم "شائبة" نقد إسرائيل كدولة استعمار استيطاني والحركة الصهيونية كحركة عنصرية حصرية.

لا حدَّ لمديح مثقفي الموقف، ولا حدَّ لاستذكارهم وإن بتحية عابرة. وهذه تحية عابرة من فلسطين ولبنان إلى جوديث بتلر في إهاب أدورنو، وإلى أدورنو في إهاب جوديث بتلر، وفاءً للأحرار المنافحين عن قضية الإنسان في فلسطين ولبنان والعالم، بلساننا ولسان أحمد فؤاد نجم وغناء الشيخ إمام، إذ "مُرِّ الكلام زَيْ الحسام يقطع مكان ما يمر، أما المديح سهل ومريح، يخدع لكن بيضُر، والكلمة دِيْنْ من غير إيدين، بَسْ الوفا عَ الـحُر."

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018