المرأة في نقطة المركز: "سأرى بعينيك يا حبيبي"../ عوني صادق

المرأة في نقطة المركز: "سأرى بعينيك يا حبيبي"../ عوني صادق

صدرت مؤخرا، عن دار الآداب في بيروت، الرواية السادسة للأديب الفلسطيني رشاد أبو شاور، تحت عنوان: "... سأرى بعينيك يا حبيبي". وهي عبارة عن "حدوتة فلسطينية" أساسا، لكن يمكن أن تكون "حدوتة فلسطينية- أردنية" ايضا، لأنها تحكي حكاية عائلتين: فلسطينية وأخرى "شرق أردنية"، كلاهما نزحت عن موطنها الأصلي إلى مدينة "ناشئة" في بداية مرحلة انتقالية وتغيرات اجتماعية- اقتصادية زاحفة، حيث نشأت بينهما علاقات جوار انتهت بعلاقات المصاهرة.

لم يحدد الكاتب مكان وزمان أحداث الرواية، لكن "كل شيء" فيها، يقول إنها العاصمة الأردنية عمان، بعد نكسة حزيران 1967، في بدايات تحولها إلى "مدينة". وهكذا تختلط هموم النازحين الفلسطينيين، مع هموم البدو الذين هجروا البادية، مشاكل النزوح والغربة والتشرد، من جهة، وأثقال العادات والتقاليد المختلفة نوعا ما، من جهة أخرى.

على هذه الخلفية الاجتماعية- الاقتصادية تستند أحداث الرواية- الحدوتة. وفي بيئة اجتماعية كهذه، نصف فلاحية- نصف بدوية، لا يستغرب أن تبرز المشاكل "التقليدية"، كالحب والزواج والطلاق، إلى جانب إفرازات الصراع بين المفاهيم والقيم القديمة والجديدة، كالنظرة إلى الدين والأخلاق والحريات، وفي مواجهة مصاعب الحياة اليومية والاجتهاد من أجل العيش، والتطلعات إلى المستقبل، في ظروف تتغير بسرعة. يضاف إلى ذلك هموم الفلسطيني الخاصة، كالهوية، ومشاعر الغربة وما تجبر عليه من ضرورات الاغتراب شبه المستمر، وعدم الاستقرار الدائم. وسط كل هذه وتلك، تقف "المرأة" محورا لأحداث الرواية وتفاعلاتها ومفاعيلها، ذاتا وموضوعا.

كانت المرأة حاضرة، دائما، في روايات وقصص أبو شاور، فهو يعرف كغيره أن المرأة تشكل، على الأقل، نصف المجتمع. لقد رأيناها زوجة وحبيبة، أختا وابنة، وخالة وعمة، وجارة، وزميلة، ورفيقة. لكن "نساء" أبو شاور، في رواياته وقصصه السابقة، كانت تأتي دائما في مكانة ما "بعد الرجل"، تبتعد حينا وتقترب حينا آخر، لكن تظل هناك "مسافة ما" تفصل بينهما لصالح الرجل. وقد رأينا الكاتب يجهد ليجعل من المرأة شريكة وندا مساويا للرجل، كما فعل مع (ندى) في رواية "العشاق"، ومع (فجر) في رواية "البكاء على صدر الحبيب"، ومع (زينب) في رواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع". وتبقى بعد ذلك "حالة خاصة" تقوم فيها المرأة مقام الرجل، حالة اضطرارية هي حالة "المرأة الأم"، وحتى هذه تأتي اضطرارا وعن طريق "الوراثة" عندما تقوم بأعباء "الرجل الغائب"، وفي أغلب الحالات يكون قد استشهد، وترك خلفه أطفالا في حاجة لمن يعتني بهم، ويسهر على أمنهم ومستقبلهم. هذا النوع كثير لدى أبو شاور، شاهدنا أمثلة منه مع (أم محمود) و(أم حسن) في "العشاق"، و (أم زياد) و (أم غالي) في "البكاء على صدر الحبيب".

في روايته الجديدة، "... سارى بعينيك يا حبيبي"، يختلف الوضع تماما. في هذه الرواية، تتقدم "المرأة"، بكل صورها، حتى السلبية أو السيئة منها، على كل الرجال في الرواية، حيث يعلنها الكاتب "بطلة مطلقة"، ويعطيها "كل الحيز" تتحرك فيه براحتها وبحريتها التامة، حتى بدا لي أن هؤلاء "الرجال" كانوا مجرد "ضرورة فنية" و"شاشات عرض" تعرض عليها أفكار وأحلام ورغبات وأقوال وأفعال "المرأة- البطلة". لقد وضعها الكاتب، في "نقطة المركز"، مع سبق الإصرار والترصد.

من أول كلمة في الرواية، يفصح أبو شاور عن نيته، حيث ينفتح المشهد عن غرفة ترقد فيها (أم حسن) وهي تغالب آلام المخاض، ومعها الداية "أم مسعود"، وفي الخارج ابنها الوحيد البكر (حسن)، ينتظر أن يسمع صراخ المولود القادم. لم يطل انتظار (حسن)، حيث خرجت (أم مسعود) إليه وهي تقول:

-"مبروك يا حسن. ربنا رزقكم عروسا حلوة مثل القمر".

لكن صوت الوالدة يرتفع من داخل الغرفة، وهي تقول:

-"مثل نجمة الصباح يا خالتي "أم مسعود" (...) سنسميها (نجمة). (ص- 6).

ويذهب حسن إلى "المضافة" حيث يوجد أبوه (أبو حسن) ليخبره بمقدم (نجمة)، فيجد أباه جالسا مع عمه (أبو صخر) الذي ما أن سمع الخبر حتى قال مخاطبا شقيقه:

-"هذه البنت ستكون لابني (صخر)، فلنقرأ الفاتحة". (ص- 9).

هكذا تبدأ "لعبة القدر" مع (نجمة)، طفلة مخطوبة، أو على الأصح "محجوزة" طبقا للتقاليد والعادات "المرعية"، لشخص لم يؤخذ رأيه في الموضوع، وهي "في اللفة"، كما علقت (أم حسن) عندما علمت بالأمر، في وقت لاحق، واحتجت عليه ورفضته، ولكن دون فائدة. على "الضفة المقابلة"، يسترجع (أبو حسن) كيف طلب أبوه له يد (أم حسن) من والدها (أبو قيس):

-"ما رأيك يا (أبو قيس) أن تشرفنا بمصاهرتك؟" وعندما لاحظ تردد (ابو قيس)، تابع:

-"أتراك تتردد لأننا بدو؟ نحن صرنا أنصاف بدو كما ترى...".

أجاب (أبو قيس):

-"لا، ليس لأنكم بدو، فالدنيا تتغير فعلا، ولكن يجب أن أشاور أم البنت...". (ص 17،18).

نجمة: سلمى

سلمى: نجمة

لم تنجح (أم حسن) في إبطال الاتفاق الذي تم بين (أبو صخر) و(أبو حسن) في شأن (نجمة)، لكنها أصرت أن ابنتها ستذهب إلى المدرسة وتتعلم. وما كان منها إلا أن صحبتها في اليوم الأول من دخولها، في الوقت المحدد، إلى المدرسة، بنفسها. في هذا اليوم، تعرفت (نجمة) إلى (سلمى)، زميلتها وجارتها في المقعد، وأصبحتا صديقتين دائمتين لا تفترقان.

عرفنا، فيما سبق، أن (نجمة) هي الفرع "الشرق أردني"، والدها يتاجر في الغنم، ويمتلك أرضا، وأمها فلسطينية. أما (سلمى)، فهي ابنة عائلة فلسطينية نازحة، والدها هو (أبو سامي)، مع أنهم ينادونه (أبو سلمى)! يمتلك دكانا في الحي، ولديه، كما هو واضخ، ابن هو سامي، وابنة هي (سلمى).

مع الأيام تترسخ وتتوثق علاقة الصداقة بين (نجمة) و(سلمى)، وتتقاسمان معا أسرار البلوغ والمراهقة وأحلام البنات. وتفتح (سلمى) نوافذ لـ(نجمة) من خلال إطلاعها على المجلات التي يحضرها سامي، وتأخذها معها إلى دور السينما، وترتاد معها المطاعم. وتتألم (نجمة) كثيرا عندما يقرر (أبو صخر) أن يتمم زواجها بصخر، ويحرمونها من إتمام دراستها. وتكتمل مأساتها عندما تسافر (سلمى) إلى ألمانيا، حيث شقيقها سامي يدرس الطب هناك.

بسهولة يستطيع القاريء أن يكتشف أن (نجمة) و(سلمى) هما شخصية واحدة، قسمها الكاتب إلى شخصيتين بمقتضى "ضرورات فنية ودرامية"، و(سلمى) هي النصف الإيجابي، الأكثر وعيا والأوضح رأيا ورؤية، والأقوى، وهي المؤهلة موضوعيا لتأخذ دور "البطلة" الأولى في أحداث الرواية، لكن "الضرورات الفنية والدرامية" اقتضت التوزيع الذي استقر عليه الكاتب. والحقيقة أن (سلمى) كانت محرك كل أحداث الرواية، وكل ما كسبته وكل ما اكتسبته (نجمة) كانت (سلمى) دافعه ومحركه ووراءه، على نحو أو آخر. وهو الدور نفسه الذي ستلعبه بالتعاون مع (نجمة)، بعد قليل، مع (وطفاء) "البطلة الثالثة" في الرواية.

تتزوج (نجمة) وتمر الأيام، بحلوها ومرها، ويتأخر حملها فتبدأ متاعبها مع حماتها، وتبدأ الأخيرة بالضغط عليها وعلى (صخر) ليتزوج. ويذهب صخر إلى الطبيب ليفحص نفسه، ويتلقى صدمة قوية لأن الطبيب يخبره أنه عقيم ولن ينجب. يخبر صخر (نجمة) أنه ذهب إلى الطبيب، وفحص نفسه، وأنه لم يجد لديه ما يمنعه من الإنجاب، وأن المشكلة فيها وهي عاقر. قالت له: من حقك أن تتزوج، لكن بعد أن تطلقني، فأنا لا أقبل أن أعيش مع ضرة. تظاهر بأنه لن يفرط فيها وسيبقى عليها لأنها ابنة عمه، ولن يتزوج عليها، في إصرار على خداعها وابتزازها.

تعود (سلمى) من ألمانيا للاستقرار في البلد، بعد أن تكون قد أكملت تعليمها وتخرجت صيدلانية، وتزوجت من صديق شقيقها (فوزي) وأنجبا محسن وزينب. تعرف ما جرى مع (نجمة) وتقنعها بالذهاب إلى طبيبة لتفحص نفسها، وبعد الفحص تخرج كلمات الطبيبة قاطعة:

- "المشكلة عند زوجك... كل شيء عندك تمام. هناك طرف آخر، والمشكلة عنده". (ص- 48).

علقت سلمى مخاطبة (نجمة):

- "الآن تبدأ معركتك يا نجمة. لقد كذب عليك صخر، وابتزك، وجعل حياتك جحيما" (ص-49).

هكذا اكتشفت (نجمة) خداع وكذب صخر، فبدأت بتشجيع من (سلمى) تطالب صخرا بالطلاق، وعندما يصر على الرفض، يأخذها شقيقها عصام إلى محامية ترفع لها دعوى للخلع، وتنجح في الحصول على الطلاق، وتفوز أخيرا بحريتها. وبتشجيع أيضا من (سلمى) تقرر استئناف الدراسة للحصول على الشهادة الثانوية، وتحصل عليها فعلا، وتقرر الالتحاق بالجامعة لمتابعة دراستها الجامعية في كلية الحقوق، وتسجل فعلا.

بعد ذلك تذكر (سلمى) صديقتها بشقيقها سامي، الذي كان قد عاد من ألمانيا ليستقر، والذي كان قد تزوج من ألمانية وأنجبا حمزة ومريم لكنه خسرهما وعاد. قالت لها:

- "هناك حبيب قديم، عاد به الشوق من ألمانيا ليجدد حبه، وهو ينتظر، فلا تجعليه ينتظر كثيرا...". وتوافق (نجمة)، ولكن بعد انقضاء العدة.

وطفاء

أصغر بنات (أبو صخر)، عم وحمو (نجمة)، تعيش معها في بيت العائلة وتحت نفس الظروف، ما قرب بينهما وخلق بينهما علاقة صداقة تجاوزت قرابة الدم. مبكرا أعجبت بابن عمها، شقيق (نجمة) الأصغر، عصام، واعترفت بذلك لـ(نجمة) التي نصحتها بإكمال دراستها الثانوية حتى تقرب المسافة بينها وبين شقيقها المحامي.

تنضم (وطفاء) إلى (ثنائي نجمة- سلمى) ليصبح (ثلاثي نجمة- سلمى- وطفاء). وتفعل بما نصحتها به (نجمة)، وهو ما أكدت عليه (سلمى)، وتقنع أهلها، بمساعدة عصام، أن تلتحق بالجامعة (بشروط تتعلق بلباسها)، وتدرس في كلية الآداب- قسم اجتماع، وتحصل على البكالوريوس والماجستير، وتبدأ في التحضير للحصول على الدكتوراة، وتنتقل إلى السكن الجامعي بعد أن بدأ صخر يضايقها.

تكتشف (وطفاء) ان ابن عمها عصام لا يفكر بالزواج منها، وبعد مراجعة لمشاعرها تكتشف أنها كانت معجبة بابن عمها، لأنه وقف إلى جانبها وساعدها في العودة إلى الدراسة، ولكنها لا تحبه. وتتعرف في الجامعة على أستاذها (يونس) الذي يشرف على رسالتها للحصول على الدكتوراة، الذي يعترف لها بحبه، فيخفق له قلبها، وتعرف أخيرا ما هو الحب.

لم يكن الغرض من العرض السريع أعلاه لأبرز أحداث الرواية هو تلخيصها. فتلخيص رواية يعني مصادرة لمتعة القاريء، وربما إساءة للرواية وصاحبها دونما قصد. لكن الغرض من هذا التلخيص هو تقديم صورة مختصرة لسير الأحداث وتطوراتها، على أمل أن يجعل ما أقوله حولها مفهوما لدى القارئ.

وهنا قد يسأل أحدهم: أين "رجال الرواية"؟ وهنا أيضا أقول: لقد سبق ذكرهم بقدر ما يستحقون! فهم لم يزيدوا عن أن يكونوا: إما أخ، أو حبيب، ل (نجمة) أو (سلمى) أو (وطفاء). لقد كانوا جميعا ليسوا أكثر من (كومبارس)، أو هكذا أراد لهم أن يكونوا الكاتب. "رجل" واحد، قد يبدو أنه كان "مهما"، هو (صخر)، لكنه لم يكن كذلك ولم يشذ عن قاعدة الرواية، بل تبين أنه ليس "رجلا" على الإطلاق. لقد خلقه الكاتب ليمثل في الفيلم دور "الشرير"، بل جعله "محور الشر" كله، وجازاه في النهاية بأن يأتي من يطالبه بنفقة ابن لم يخلفه، من زوجة تزوجها بالسر ثم تخلى عنها!

وإذا كان أبو شاور قد جعل من لحظة مخاض (أم حسن)، وولادة (نجمة) افتتاحية للرواية، فإنه جعل خاتمتها في لحظة استعداد (وطفاء) لمواجهة اللجنة التي ستناقش رسالتها للحصول على الدكتوراة. وكما كانت الافتتاحية موفقة وموحية، كانت الخاتمة كذلك. وإذا كان أبو شاور قد قصد بذلك أن يقول لنا: كل شيء يبدأ عند المرأة، كما كل شيء ينتهي عندها، وأظنه قصد ذلك، فهو لا شك على حق.

وتبقى كلمات قليلة لا بد منها. رشاد أبو شاور كاتب واقعي جدا، يغرف من واقعه وبيئته الاجتماعية، ويضع في طبق يقدمه للقاريء مما وصلت إليه عيناه ويداه، وهذا ما فعله في رواية "... سأرى بعينيك يا حبيبي". لقد لجأ في كتابة روايته إلى كل "فنون السرد": الديالوج، والمونولوج، والحوار المباشر، وظهرت فيها مزايا "الخبرة" الطويلة. لقد توقف أمام "ظواهر" اجتماعية، واقتصادية معقدة، واكتفى بالإشارات البسيطة الدالة، وابتعد عن الثرثرة السياسية المتحذلقة، والرطانة الأيديولوجية المنفرة. وكانت اللغة سهلة معبرة ومطواعة، وكان البناء الفني متماسكا ومتوازنا مع التطورات الحاصلة في المجتمع، وتطورت الشخصيات الرئيسية للرواية بشكل طبيعي، بلا افتعال أو تكلف، جعل القارئ يراها تتحرك أمام عينيه وكأنها تسكن في الحارة التي يسكنها أو الحارة التي تجاور حارته. كل ذلك جعل أحداث الرواية تسيل في ثنايا النفس لدى القارئ، مثل مياه جدول هادئة، حاملة معها المتعة والجمال.


 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018