فنون العصر الجليدي وهاجس الإبداع قبل 40 ألف سنة

فنون العصر الجليدي وهاجس الإبداع قبل 40 ألف سنة

- منحوتة "الرجل الأسد" -

يحتضن المتحف البريطاني للفترة من 7 شباط/فبراير ولغاية 26 أيار/مايو 2013، معرضًا متميزًا يحمل عنوان "فنون العصر الجليدي"، مُعزّزًا بعنوان ثانوي: "ظهور العقل البشري الحديث"؛ وقد ضمّ المعرض العديد من التُحف واللُقى الفنية النادرة التي تعود إلى أربعين ألف سنة.

تأخذ هذه الروائع الفنية شكل المنحونات والرسومات والأعمال المنقوشة أو المحفورة على أنياب الماموث، أو قرون غزال الرنّة، وبعضها مفخور بدرجات حرارة ليست عالية جدا، لتتحول إلى أعمال سيراميكية ظلت صامدة خلال هذه المدة الموغلة في القِدم. ويحتوي المعرض على عدد من الأعمال الفنية لفنانين معاصرين، وهم هنري مور، موندريان، ماتيس، وبيكاسو، في محاولة لعقد مقارنة بين المُنجَزين المُتباعدين زمنيًّا.

ما سر النفس الإبداعي الذي يتوفر عليه فنان العصر الجليدي؟

لعل السؤال الأسرع الذي يخطر في ذهن الزائر وهو يلج هذا المعرض المذهل حقًّا هو: ما سرّ النَفَس الإبداعي الذي يتوفر عليه فنان العصر الجليدي، وكيف استطاع أن يتجاور في قدرته الإبداعية مع فنان العصر الحديث الذي يحظى بهذا الكم الكبير من وسائل الراحة والتقنيات الحديثة؟ 

وتبدو الإجابة واضحة من خلال التحف الفنية المعروضة، بأن فنان العصر الجليدي كان يمتلك الخبرة والمهارة والجرأة التي تحرِّضه على التجريب في غالبية معطيات العملية الفنية التي تتمحور حول الشكل والمضمون في آنٍ معًا، هذا إضافة إلى تفعيل قدراته الذاتية على " التخيّل والتجريد والإيهام."

الأنثى

سنتوقف في هذا المقال عند بعض المنحوتات الفنية القديمة، وأولها تمثال صغير جدًّا لامرأة ناضجة وُجد في حوض مورافيا التشيكي، ارتفاعة "111" ملم وعرضه "43" ملم في أوسع منطقة منه، مصنوع من الصلصال، ومفخور بدرجة حرارية واطئة. إنّ ما يلفت الانتباه في هذا التمثال الذي يعود إلى نحو 30 ألف سنة هو ترهل النهدين، وضخامة الورك، وخلّو الوجه من العينين، وبالقرب منه ثمة لوحتان عاريتان لماتيس تستدعيان في ذهن المتلقي حالة المقارنة والمضاهاة بين الفن القديم والفن المعاصر.

أمّا المنحوتة الثانية التي وُجدت في مدينة "لسبيّوغ" الفرنسية، فهي الأخرى صغيرة الحجم، ويبلغ طولها 15 سم تقريبا، وهي منحوتة على نابٍ عاجي، وقد تضررت قليلاً أثناء عملية الحفر. تكشف هذه المنحوتة عن المبالغة في الأعضاء الأنثوية كالنهدين والوركين، وقد أُعجب بيكاسو بهذه المنحونة المُتقنة، وسُحِر بتكويراتها البصليّة التي تركت تأثيرها الواضح على بعض أعماله الفنية.

تشخيص الحيوان وتجريد الإنسان

تحتل بعض الحيوانات مساحة كبيرة في هذا المعرض، كالخيول، والغزلان، والثيران الأميركية (البيسون كما تعرف الآن)، فثمة منحوتة لثور أميركي أنجزت قبل 20 ألف سنة، تبدو للناظر وكأنها "بيسون" حقيقي توشك أن "تسمع خواره أو وقع أقدامه"، بتعبير الناقد جوناثان جونز، وهي أعمال تشخيصية بامتياز، حتى ليحار المتلقي في السبب الذي دفع فنان العصر الجليدي إلى أن يجرّد الكائن البشري إلى هذا الحد الغريب الذي يجعلنا نفكر بعمق في هذه المسألة الإشكالية.

وفي السياق ذاته، نتوقف عند منحوتة "بيسون زرايسك"، التي سُميت باسم المدينة القريبة من موسكو، وتعتبر عملاً فذًّا وغامضًا يدفع المتلقين إلى التساؤل عن السبب الكامن وراء العملية الإبداعية، ففنان العصر الجليدي لا يقلّد فحسب، وإنما يتخيل ويبدع مقدمًا رؤاه الجديدة الصادمة التي قد تغيِّر ذائقة المتلقي، وتطوّر حساسيته الفنية.

"الرجل الأسد"

حظيت منحوتة "الرجل الأسد" بالكثير من النقد والتحليل، ربما لأنها تعود إلى 40 ألف سنة من جهة، كما أنها تثير لدى المُشاهد الدهشة وهو يرى فنانًا قديمًا يهجِّن الإنسان بالحيوان ليخلق هذا الكائن الغريب، المنتصب، الذي تفوح منه رائحة الأحلام، والطقوس السحرية، والأساطير القديمة التي كانت رائجة آنذاك وهي تفتح من دون شك نافذة إلى الفضاء الخرافي الذي رافق الإنسان منذ بدء الخليقة وحتى الآن.

يزوِّدنا المعرض بمعلومات تاريخية عن هجرة الإنسان من شرق أفريقيا إلى أوروبا التي عاشت عصرها الجليدي الأخير، حيث كان الناس يسعون للبقاء أحياءً في ظل الظروف المناخية القاسية آنذاك، فمنحوتة "الرجل الأسد" قد استغرقت مبدعها 400 ساعة عمل متواصل قبل أن تبلغ شكلها النهائي الذي نراه أمام أعيننا.

العُري لم يبدأه الفنانون اليونانيون

فالفن ليس تزجية للوقت، ولا ترفًا جماليًّا، إنه حاجة ضرورية للإنسان، تؤمِّن له التواصل مع الآخرين، كما تثبِّت أفكاره ورؤاه وهواجسه الداخلية في العمل الفني الذي يبدعه.

لابد من الإشارة إلى أن هذا المعرض، قد قطع الشك باليقين، بأن العُري في الأعمال الفنية لم يبدأه الفنانون اليونانيون، لأن قصب السبق يعود إلى فناني العصر الجليدي الذين أنجزوه بدوافع فنية وجمالية حينًا، وبدوافع طقوسية حينًا آخر. 

من الجدير بالذكر أن تُحف هذا المعرض وروائعه الفنية قد استُعيرت من أربعة متاحف: ألمانية، وفرنسية، وتشيكية، وروسية.

خلاصة القول، إن هاجس الإبداع لدى الإنسان لم يطرأ عليه أي تغيير منذ العصر الجليدي وحتى الوقت الراهن، وسوف يظل الكائن البشري مسكونُا بهذا الإبداع الخلّاق إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

* عدنان عيسى أحمد - العرب أون لاين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018