الفنان نور الشريف أنصفنا/ عفيف شليوط

الفنان نور الشريف أنصفنا/ عفيف شليوط

 تسنّى لي هذا الأسبوع المشاركة في حفل توزيع جائزة القدس للثقافة والإبداع الذي عُقد في قصر رام الله الثقافي، ومما أثلج صدري رقي المستوى الفني والتنظيم والإتقان لهذا الحدث الثقافي الهام، والذي إن دلّ على شيء فإنما يدل على الرقي الثقافي والحضاري لشعبنا الفلسطيني، الذي يثبت يوماً بعد يوم أنه شعب يريد الحياة وإنشاء دولته الفلسطينية الحضارية المستقلة.
تمّ الإعلان أن القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية خلال انعقاد الدورة السابعة عشرة لمؤتمر وزراء الثقافة العرب الذي عُقد في الدوحة ، عاصمة الثقافة العربية آنذاك في الفترة 27 – 28 تشرين الأول، جرى ذلك بعد الاحتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009، الأمر الذي دعا الرئيس الفلسطيني الى إصدار مرسوم رئاسي بتاريخ 21 / 5 / 2011 ينص على تشكيل لجنة وطنية لبرنامج القدس عاصمة للثقافة العربية. تهدف هذه اللجنة الى إبراز الهوية الثقافية لمدينة القدس وتكريسها كعاصمة دائمة للثقافة العربية، وحمايتها والحفاظ على طابعها كمدينة عربية فلسطينية. ويسعى هذا المشروع الثقافي إلى جذب الطاقات الثقافية والإبداعية الفلسطينية والعربية نحو مدينة القدس.
أما بالنسبة لجائزة القدس للثقافة والإبداع، قررت اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية بمنح جائزة القدس للثقافة والابداع لمبدعين فلسطينيين وعرب سنوياً ، إذ يتم تشكيل لجنة تضم نخبة من كبار المثقفين الفلسطينيين وتقوم هذه اللجنة باختيار الحائزين على الجوائز.
جرت العادة أن تمنح جائزة في كل عام لمبدع مقدسي ومقيم في القدس، وجائزة أخرى لمبدع فلسطيني من خارج مدينة القدس، وجائزة لمبدع عربي أو عالمي تناول مدينة القدس في انتاجاته الابداعية ودافع من خلالها عن عروبة القدس .
في هذا العام تم منح الجائزة الأولى للفنان المقدسي الدكتور طالب دويك تقديراً لمساهمته من خلال الفن التشكيلي برسم معالم مدينة القدس ولتوفر القيم الفنية والوطنية والإنسانية في رسوماته. والجائزة الثانية كانت من نصيب الفنانة الفلسطينية ريم تلحمي ابنة مدينة شفاعمرو، تقديراً لمساهمتها من خلال الغناء والمسرح بتقديم القيم العقلانية والديمقراطية والتنوير والدفاع عن عروبة القدس. أما الجائزة الثالثة والتي تمنح عادة لفنان عربي أو عالمي ، منحت هذا العام للفنان العربي الكبير نور الشري ، والذي فاجأنا بكلمة مؤثرة عرضت خلال حفل توزيع الجائزة من خلال فيلم قصير عبّر فيه عن سعادته بتسلمه لهذه الجائزة الهامة، واعتذر عن عدم تمكنه من الحضور لمدينة رام الله لاستلام الجائزة. فوجه كلمة خاصة إلى فلسطينيي الـ48، وهذه كانت مفاجأة هذا الحدث، حيث قدّم اعتذاراً لنا على قرار خاطىء بمقاطعة فناني وأدباء فلسطينيي الـ48 ، قائلاً يجب تصحيح هذا الخطأ، حيث أضاف: "علينا أن نستوعب وندعم هؤلاء ونكسبهم لا أن نعاديهم". وهذا التصريح ومن قبل فنان كبير كنور الشريف يعتبر نقطة تحوّل هامة في طريقة التعامل معنا في العالم العربي، نأمل أن يكون لها ما بعدها.
وفي اليوم التالي عُقد مؤتمر "القدس ثقافة وهوية" في قاعة بهجت أبو غربية في مقر مؤتمر القدس في رام الله، وأُطلق على هذه الدورة دورة الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم، والتي تم خلالها مناقشة مواضيع مختلفة مثل المقدسات الاسلامية والمسيحية في مدينة القدس، وخُصصت جلسة خاصة لمناقشة موضوع مدينة القدس في شعر سميح القاسم ، والتي تحدث عنه الباحث والكاتب الدكتور نبيه القاسم.
إنّ الحديث عن هذه الجائزة وعن هذا المؤتمر لا يمكن اختزاله بمقال قصير كهذا، ولا بد أن تكون لي أكثر من عودة لهذا الموضوع لأهميته، فالاحتفاء بالثقافة والإبداع وتكريم المبدعين إنما هو اعتراف بأهمية ودور الثقافة التي تصبح أحياناً أكثر أهمية وتأثيراً من السياسة، فهي تحتويها وتدرجها في سياق أوسع يتخطى الحدود ويكتسب قيمته من مقوماته الفنية والدلالية.
إنّ توزيع جائزة القدس وعقد المؤتمر هما تأكيد واضح لا لبس فيه بأنه من حق الشعب الفلسطيني الإبداع والحرية والحياة، وأن هذا الحدث الثقافي تحوّل إلى مناسبة وطنية تهدف إلى إبراز مكانة القدس والتحديات التي تواجهها. إن هذا الحدث الثقافي الهام يستمد انطلاقاته المتجددة من خلال ومضة التلاقي وشرارة التفاعل لتجليّات العقل والروح على إيقاع إشعاع ثقافي إبداعي متألق، حتى تبقى القدس مدينة الإلهام السماوي والضوء الساطع الذي ينير لنا الطريق.