مركب الشمس... رحلة "رع" بين الشروق والغروب

مركب الشمس... رحلة "رع" بين الشروق والغروب

وجد علماء الآثار، في عام 1954، حفرتين مسقوفتين عند قاعدة هرم خوفو الجنوبية، وبعد البحث والتنقيب عثروا في قاع إحداهما على سفينة مفككة متقنة النحت من خشب الأرز ومتصلة ببعضها بالحبال، ولا ينقص منها أي جزء، وبعد تجميع أجزاء المركب التي بلغ عددها 1224 قطعة، اكتشفوا أن بها سفينة خوفو أو ما يعرف بـ"مركب الشمس".

بلغ طول أول مركب شمس بعد تركيبه حوالي 42 مترا، وسُميت بمركب الشمس كما أطلق عليها سفينة خوفو، ومن أبرز السفن في مصر القديمة، مركب خوفو الأولى، ومركب خوفو الثانية، ومركب حتب حرس، ومراكب خفرع.

كانت المراكب الشمسية تستخدم كسفن جنائزية في مصر القديمة للذهاب لاستعادة الحياة من الأماكن المقدسة، وتروي أسطورة رع "قرص الشمس"، بأنه يكون طفلا عند الشروق، ثم رجلا كاملا ظهرا، ثم عجوزا في المساء، يركب مركبين، بحسب عقيدة الفراعنة، وهي مراكب رع، يعبر بها النهار حيث يعلو في السماء ثم يختفي عن الأنظار وقت الغروب ويبدأ رحلة البحر السماوي خلال الليل.

وكان للملك سنفرو أسطول من أربعين سفينة، استخدمت في استيراد ألواح خشب الأرز من لبنان، وتنوعت معالم وتصميمات المراكب المصرية القديمة وفق وظائفها، وإذا ما كانت للاستخدام في الإبحار على النيل أم عبر البحر المتوسط أو البحر الأحمر. وأبحرت المراكب الدينية والمراسمية  في النيل والبحيرات المقدسة.

وانتشرت عبادة الشمس على الأخص في شمال مصر في عهد الفرعون خوفو، وبدأ الملوك الفراعنة في تسمية أنفسهم بابن رع منذ عصر خفرع، عصر بناة الأهرام، وظلت هذه القرابة الشمسية في الألقاب الملكية حتى نهاية التاريخ المصري الفرعوني.

وكان المقر الرئيسي للإله رع في هليوبوليس، حيث كان يرأس التاسوع، وهو مجموعة من كبار وآباء المعبودات المصرية القديمة، وتدور حولهم الأساطير المصرية القديمة التي تتحدث عن بدء الخلق والصراع بين الخير والشر، أما في الجنوب فكانت تغلب عبادة آمون، ومع الوقت تم توحيدهما في عبادة آمون – رع. وعندما تربع أمنحوتب الرابع، المنحدر من الأسرة الثامنة عشر، عرش مصر فكر في أن يكون قرص الشمس هو الإله الأوحد، وسماه آتون، وترك عبادة آمون – رع. وغير اسمه الشخصي إلى إخناتون، ودعى لعبادة آتون، وبنى مدينة أخيتاتون ليبتعد عن كهنة أمون الموجودين في طيبة، ورمز لإلهه آتون بقرص الشمس داعيا للتوحيد.

ويوضح الباحث في علم المصريات، د. أحمد صالح، أن مراكب الشمس كان لها رمزية خاصة مقدسة في العقيدة الفرعونية، حيث كانت تستخدم لاستعادة الحياة من الأماكن المقدسة، ولذلك سميت بسفن روح الآلهة، لافتا إلى أن أسطورة رع الذي يرمز لقرص الشمس، تروي أنه يحيا في سفينتين نهارية وليلية تمثلان رحلتي الشروق والغروب، ووصفت النصوص القديمة شروق الشمس على الشاطئ الشرقي البعيد، حيث تحييه فرقة من القردة بمجرد ظهور الشمس في المياه، فإذا استيقظت هذه الحيوانات بدأت في الرقص طربا لظهور الشمس، وكانت القردة أيضا مقدسة لدى قدماء المصريين، ويركب رع بعد ذلك سفينته النهارية التي تبحر به عبر السماء حتى المساء، مضيفا أن الرحلة بعد ذلك تنتقل من سفينته النهارية إلى الليلية، التي تنتظر به في العالم السفلي قبل شروق الشمس مرة أخرى.

ويشير صالح إلى أنه نسجت أساطير وقصص حول رحلة الشمس ومراكب الشمس أو سفينة الشمس كما في عقيدة المصريين القدماء، حيث سمى الملوك الفراعنة أنفسهم بابن رع منذ عصر خفرع في عصر بناة الأهرام، موضحا أن هذه القرابة الشمسية في الألقاب الملكية ظلت حتى نهاية التاريخ الفرعوني.

وتابع صالح، كان الإله رع يرأس التاسوع المقدس، وهذا لا يعني أنه يشمل تسعة آلهة، فهناك عدة أشكال له، ففي بعضها يكون عدد الأفراد سبعة آلهة، ويزيد في أشكال أخرى على العشرة، وترأس رع مجموعة الآلهة الرسمية في الأسرة الخامسة.

وفي نفس السياق، يشير أستاذ التاريخ الفرعوني بجامعة القاهرة، د. جمال عيسي، إلى أن المراكب والسفن كانت من وسائل النقل الهامة على نهر النيل، فلقد تنقل المصريون داخل البلاد كما سافروا إلى السودان والأقطار الأفريقية الأخرى لجلب الحيوانات مثل الأسود والأفيال واستيراد المنتجات الأجنبية، مثل الجلود والذهب والعاج، موضحا أنهم استخدموا الأشرعة في الإبحار عبر النيل جنوبا، أي عكس التيار ولكن السواري كانت تدلى وتستقر أفقيا على ظهر السفينة عند الإبحار شمالا مع التيار.

وأضاف عيسى أنه على الرغم من أن عدد المراكب المتبقية غير كبير، فإن الكثير عرف عن أشكال وأغراض استخدام المراكب في مصر القديمة عن طريق مئات من نماذج القوارب التي عثر عليها بالمقابر في عموم البلاد، وأهمها نموذج مركب رع. وقد صنعت نماذج لقوارب البردي من الخشب المطلي، وإن كانت المراكب الحقيقية تصنع من الخشب، وقلة منها فقط كانت تصنع من عيدان البردي، كما تطورت السفن الحربية في الحجم والإمكانيات والتجهيزات، وأضخمها تلك التي بنيت في عصر الرعامسة، حيث وصل وزنها إلى نحو خمسين طنا.