"ثورة مصر"... تحليلًا وتوثيقًا

"ثورة مصر"... تحليلًا وتوثيقًا

ليس سهلًا أن يقوم الباحث بتوثيق حدث جارٍ وضخم، كالثورة، بل، تصبح المهمة أصعب حين يحدث ذلك في وقت يسير فيه كل شيء عكس ما قامت لأجله الثورة، وذلك إلى الدرجة التي تبدو فيها الثورة المضادة كأنها قد انتصرت، وتسعى جاهدة لكتابة روايتها عن الثورة، كما لو كانت هي الأصل، وما عداها هو الاستثناء. لكن هذا ما فعله الدكتور عزمي بشارة في كتابه الموسوعي عن الثورة المصرية الذي صدر أخيرًا عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في مجلدين ضخمين تحت عنوان "ثورة مصر".

منذ البداية، يحدد بشارة مهمته وهدفه من إنجاز كتابه عن "ثورة مصر" بشكل واضح ودقيق، فيؤكد أن الغرض من ذلك هو "إنتاج بحث توثيقي عن ثورة مصر 2011" وليس مجرد "تأريخ للثورة" أو تشخيص أسبابها وحوادثها. ومن يقرأ الكتاب يكتشف ذلك دون عناء، فهو بحث توثيقي جاد يهدف إلى تحليل وتفكيك مسألة الثورة في مصر ليس من خلال استعراض تاريخي لأهم محطاتها وخطها الزمني، وإنما من خلال فهم دينامياتها وتفاعلاتها ودلالاتها التي لا تزال جارية حتى اليوم. بل يمكن القول إن الكتاب هو أقرب ما يكون إلى بحث رصين في سوسيولوجيا الثورة المصرية، يجمع ما بين التوثيق والتحليل والتفسير والتفكيك، ينطلق من متابعة أدق التفاصيل، من أجل رسم لوحة كبيرة تمكن القارئ العادي، وليس فقط المتخصص، من فهم التاريخ السياسي المصري طيلة العقود الستة الماضية وحتى قيام الثورة.

أما منهجيًا، فقد اتبع الكتاب منهجية جادة في إنجاز مادته، وتراوحت أدواته البحثية ما بين الإثنوغرافيا وذلك من خلال إجراء مقابلات مع عشرات الأشخاص الذي ساهموا في صناعة الثورة المصرية وما تلاها من أحداث، وهذا بحد ذاته إنجاز مهم يُحسب لهذا العمل وصاحبه وكل من ساهم في خروجه، فقد جرى توثيق رواية الثورة على لسان أصحابها وشهودها. في حين تزداد أهمية هذا البعد حين نعلم أن بعضًا ممن جرت مقابلتهم وتوثيق شهادتهم عن الثورة إما قد وافتهم المنية أو يقبعون خلف القضبان أو تركوا البلاد بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 وذلك من خلال فريق بحثي جاد عمل في المشروع طيلة الأعوام الخمسة الماضية.

كما استفاد الكتاب من استطلاعات الرأي التي أجراها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" على مدار السنوات الخمس الماضية، وذلك لرصد تحولات المزاج العام المصري تجاه الثورة وقضاياها. كذلك تمت العودة إلى مئات المصادر المكتوبة والمرئية والمسموعة من أجل توثيق بعض الأحداث من أجل استكمال الصورة. وهو أمر مهم خاصة في ظل ما تواتر عن محاولة نظام "3 يوليو" محو كل ما يتعلق بثورة يناير من أخبار وتقارير ووثائق خاصة في أرشيف الصحف المصرية.

الثورة في سياق تاريخي

يعالج الجزء الأول من كتاب بشارة الطريق إلى ثورة 25 يناير، وذلك من خلال توثيق وتحليل السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وقفت في خلفية الثورة. وتتمثل الأطروحة الرئيسية لهذا الجزء في أن ثورة يناير لم تحدث فجأة، وأن أحداثها اللاحقة لم تكن "عجيبة أو واقعة خارقة سقطت على الواقع من خارج التاريخ" وإنما هي حدث أصيل له دوافعه وأسبابه وبيئته التي صاغته وشكلت تفاعلاته لاحقًا. وفي قراءة تفصيلية لأهم محطات التاريخ المصري خلال النصف الثاني من القرن العشرين، يستعرض بشارة أهم الخلفيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لثورة يناير، خاصة خلال العقود الثلاثة الماضية التي مهدت الطريق إلى قيام الثورة. بل الأكثر من ذلك يرصد هذا الجزء من الكتاب، خاصة في فصله الأول، موقع المؤسسة العسكرية المصرية خلال سنوات ما قبل الثورة. وعلى عكس ما يذهب كثيرون، يشير بشارة إلى أن الجيش لم يكن الحاكم الفعلي للبلاد خلال المرحلة التي سبقت سقوط مبارك، وإنما كانت مؤسسة الرئاسة التي وضع قواعدها السادات، وقام مبارك بتقويتها وزيادة صلاحيتها على حساب المؤسسات الأخرى، وأصبحت هي التي تدير الشأن السياسي بشكل كبير. وكان وضع المؤسسة العسكرية، بحسب بشارة، أشبه بـ"الحكم الذاتي" حيث تتمتع بالعديد من المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي ضمنت لها الاستقلال النسبي عن بقية المؤسسات.

وهنا يشير بشارة إلى نقطة مهمة قد تفسر السقوط السريع لمبارك، وهي عدم تجانس نظام الحكم في مرحلة ما قبل الثورة، حيث لم يكن هناك توافق حقيقي بين مؤسسات الدولة خاصة مؤسستي الرئاسة والمؤسسة العسكرية خلال السنوات الأخيرة لمبارك. ولعل ذلك ما قد يفسر، نسبيًا، موقف الجيش عشية ثورة يناير. فبحسب بشارة فإن المؤسسة العسكرية قد تضررت، شأنها في ذلك شأن قطاعات وشرائح اجتماعية أخرى، من السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي اتبعها مبارك وابنه جمال خلال العقد الأخير من حكمه، والتي أوجدت منافسين جدد للجيش من رجال الأعمال المحسوبين على جمال مبارك، إذ لم يشعر الجنرالات إزاءهم بالارتياح ورأوا فيهم وفي السياسات التي يتبعونها تهديدا حقيقيا لمصالحهم الاقتصادية ومزاياهم الاجتماعية، وهو ما كان له تأثير كبير في حسابات الجيش أثناء الثورة. بكلمات أخرى، فإن موقف الجيش من ثورة يناير والذي لم ينحز فيه إلى مبارك، لم يكن حبًا في الثورة أو إيمانًا بشعاراتها ومطالبها، وإنما رغبة في امتطائها من أجل التخلص من مبارك وابنه، وشبكة علاقاتهم، وذلك من أجل استعادة مصالح المؤسسة العسكرية وحماية وضعها الاجتماعي والاقتصادي.

الطريق إلى ثورة يناير

"لم تكن ثورة يناير حدثًا استثنائيًا في تاريخ النضال السياسي المصري"، هذه إحدى أهم الخلاصات التي يخرج بها القارئ من الجزء الأول من كتاب بشارة. وهي خلاصة لن يجد القارئ صعوبة في الوصول إليها إذا ما تتبع ما كتبه بشارة حول مسارات وحركة الاحتجاج في مصر على مدار القرون الثلاثة الماضية. وبالرغم من أن بشارة لم يهدف من هذا الجزء لتأريخ حركة النضال المصري، إلا أنه قدم عرضًا تحليليًا موثقًا لأهم مراحل الاحتجاج التي مرت بها مصر خلال القرنين الأخيرين، وذلك وصولًا إلى ثورة يناير. وهو هنا يرصد الفعل الاحتجاجي باعتباره أمرا طبيعيًا وليس استثناء أو خروجًا عما هو مألوف في السياق التاريخي المصري كما قد يرى البعض.

يغوص بشارة، باقتدار وإلمام بكثير من التفاصيل، في تحليل العقد الأخير من حكم مبارك الذي مهد الطريق لثورة يناير. وهو العقد الذي يمكن تسميته بـ"العقد الاحتجاجي"، وذلك من خلال تتبع مسارات وتطورات الفعل الاحتجاجي وحركاته وجماعاته حتى وصل إلى لحظة الثورة. يفعل بشارة ذلك دون أن يقع في فخ التحليلات المادية الماركسية التي ترى في الثورة مجرد حالة "تمرد" اقتصادي واجتماعي لا تحمل دلالات سياسية. فمن يراجع سنوات ما قبل الثورة وتفاعلاتها سيجد ترابطًا عضويًا بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تجسد تلقائيًا في الشعار الشهير للثورة المصرية "عيش، حرية، كرامة إنسانية". وعلى عكس القراءات السطحية التي رأت في الثورة فعلًا سياسيًا فقط، فإن هذا الجزء من الكتاب يحلّل كيف ساهم تردي الأوضاع العامة وفشل الدولة في التعاطي مع الكثير من مشاكل الحياة اليومية كالخبز والوقود، فضلا عن انتهاكات وامتهان الأمن لكرامة المواطنين، في تهيئة الأجواء للثورة وتعبئة شرائح اجتماعية كبيرة ظلت لعقود مهمشة وبعيدة عن دائرة الفعل السياسي المباشر، فخرجت للتعبير عن نفسها وعن مطالبها وأصبحت جزءًا أصيلًا من الثورة، وذلك في ما يسميه بشارة بـ"العبور الكبير من الاحتجاج إلى الثورة".

الثورة من الأمل إلى المأساة

في الجزء الثاني من الكتاب، والذي حمل عنوانا فرعيًا "من الثورة إلى الانقلاب"، يوّثق بشارة ويحلل مسار الثورة منذ اليوم التالي لسقوط مبارك وحتى وقوع انقلاب الثالث من يوليو 2013. وهو يفعل ذلك بعين مراقب محايد لم يسقط في فخ "الحتميات" التي تعتبر انتكاسة الثورة وارتكاسها وكأنهما "قدر" أو نتيجة لـ"ضرورات تاريخية أو حتميات"، وإنما يحيل الأمر إلى ما حدث فعليًا، ويعتبر أن ما حدث كان نتيجة لـ"صيرورات ساهمت في تحديد مسارها قرارات وخيارات بشرية مختلفة في التعامل مع المعطيات". الأكثر من ذلك ما يشير إليه بشارة من أن الثورة لربما أخذت مسارًا مختلفًا لو تصرف فاعلوها، على الطرفين الثوري والقديم، على نحو مختلف عما حدث. وهو بذلك يسقط حجج من يرون أن الانقلاب كان مجرد "مؤامرة" دُبرت بليل، وذلك لأجل رفع المسؤولية عمن ساهموا في الوصول إلى ذلك الوضع المأساوي، سواء بقصد أو من دون قصد.

لكل ثورة ظروفها وملابساتها الخاصة التي تحدد نتائجها ومخرجاتها. وهنا يضع بشارة يديه على أهم ما يميّز الثورة المصرية عن غيرها من ثورات الربيع العربي. وبحسبه فإن أهم خصائصها، أولًا، أنها لم تكن ثورة كاملة منذ بدايتها، وإنما احتوت على عنصرين أو جناحين هما: الثورة والانقلاب، وظل الصراع بينهما طيلة المرحلة الانتقالية إلى أن انتصر الجناح الثاني في نهاية المطاف. ثانيًا، لم تهدف الثورة، على الأقل في بدايتها، إلى تغيير النظام من خارجه، وإنما "قرعت جدران النظام .. لدفعه إلى إصلاح نفسه" وبالتالي فهي "لم تطرح بديلًا عنه من خارجه ينتزع السلطة منه كما الثورات"، كما أنها، ويا للمفارقة، "لا وجدت، ولا أوجدت، له تيارًا إصلاحيًا داخل النظام يمكنها الوثوق بإصلاحاته بالتدريج". وعليه فإن الثورة ظلت عالقة في حالة من عدم الحسم، فلا هي غيرت النظام، ولا هي أصلحته. ثالثا، وهو الأهم، لم تحظ الثورة بنخب ديمقراطية أو ناضجة سياسيًا يمكنها التفاوض من أجل إنجاز التحول الديمقراطي المأمول، وهو ما سهّل المهمة للعسكر من أجل التدخل للإطاحة بهذه النخب والاستيلاء على السلطة.

لا يمكن للمرء الإحاطة الكاملة بما يقرب من حوالي 1400 صفحة، هي حجم كتاب "ثورة مصر" بجزأيه، في هذه المساحة الضيقة، فما قدّمه بشارة ليس مجرد سرد ليوميات الثورة وأحداثها، وإنما توثيق وتحليل لديناميتها وتفاعلاتها ونتائجها. وسيظل هذا العمل، برأينا، من أهم الأعمال التي سوف يرجع إليها الباحثون عن رواية حقيقية وموضوعية عن الثورة، وذلك بعيدًا عن رواية الفاعلين السياسيين السطحية والمجتزِئة.