"الغرائزيون" وصلوا

"الغرائزيون" وصلوا
توضيحية

"فليجعلِ اللهُ آخرَنا أحسنَ من أوَّلنا"

أحمد بنميمون

وهو مثَلٌ عامي، يتضمن دعاء حارًا صادقًا، يصح على المستوى الذاتي الفردي، أو الاجتماعي العام.
لكنني وأنا أتأمل أحوال هذه الأمة التي أعيش بين ظهرانيها، وأعاني من آلامها المبرحّة، أستغرب كيف أنها تعتقد بدون روية أو تفكير، أي على سبيل التقليد، أن بدايتها كانت خيرًا على جميع المستويات، وأن ما أصابها من تراجع أمر طارئ، وأن سيرها القهقرى داء عضال وإن كانت لا تبحث عن أسبابه، فجهلت الحياة الآخرة آخرها، واستراحت عن وجع الدماغ الذي صور لها مستغلوها أنه لن يعود عليها بخير، فاستسلمت واختارت الموت في الحياة، وكفى الله المومنين القتال، ومن ثمّ أصبح حاضرها لا يتوقف بدوره عن إنتاج عوامل تكرس بطبيعة الحال تخلُّفَها، على كل المستويات بشكل دوريٍّ شديد الانتظام، بحيث لم يعد يشبه في شيء ما كان مهيئًا من عوامل تقدم توفرت لها خلال القرن الماضي، فكبرت أحلامها حتى طاولت الجوزاء.

لا يصدق المثل العامي المذكور حاليًا إلا على دول قليلة في المعمورة، دول لا يمكن لأحد أن يتصور فيها انتصار الماضي على الحاضر، أو اللجوء إليه طلبًا لحلول مشاكل زمننا، فتظهر فيه نزعة دنيوية أو دينية، تدعي أن أمة الصواب مضتْ مع الزمن القديم. فما على الإنسان الحديث إلا أن يهدم كل ما استطاع بناءه ماديًا وفكرياً، وأن عليه ـ حفاظًا على طهرانية إنسانية ـ أن يتخلّى عن كل ما يعينه على فهم واقعه المادي والنفسي والفكري، وعن كل أداة تكنولوجية، وأن يستمر ـ رغم غرائزيته، في عدائه لجسده، وتنكُّره له، رغم إقباله النهم على كل المتع والشهوات في بذخ واغترار تحت جنح الليل، ولدى كل ظلام بهيم.

هذا يطرح سؤالاً في غاية الخطورة، هو: من أين تبدأ حياة الإنسان، في نظر أمتنا، وأين تنتهي؟ لكي يبدأ الوحش الذي لا يعرف إلا باستسلامه لغريزته، وتركه لها أن تسيِّره، وأن تتحكم في حركاته وسكناته، فإذا انطلق في الحياة فهو لا يعرف غير الهدم والإرهاب، وإذا كنتُ على يقين بأن أصل الإرهاب في العصر الحديثِ غربيٌّ، فمن أين بدأت في هذا الغرب نوازعه الإرهابية! أمِنْ تخليه عن ليبيرالية عصر الأنوار؟ أم من توظيفه لجحافلَ جيَّشَها خدمةً لجشع رأس المال في حملات استعمارية لم يسكت المؤرخون عن فضحها، ولا غَضَّ النظرَ عن معطياتها العلماءُ من كل جنس؟ وهل يمكن أن نتهم النزوع المادي في الفكر الغربي؟ فقد صنع النزوع المادي في جميع أشكاله أوجهَ جمالِ باهرةً ساحرةً، وفَّـرَت للأنسان الحديث ومعاصريه من سكان الأرض، وسائلَ لم تكن الأجيال السابقة تحلم بهـا أيام كان الإنسان غارقاً في الوهم وعبادة الأساطير، وأسْطَـرةِ ما كانت تعجز مناهج المعرفة التقليدية عن الإحاطة به!
أخيراً، وبكل رومانسية، ليبيرالية ووجدانية حتَّى، وإن كانت تبدو لبعضهم ساذجةً، أفلا يمكن أن يتعايش رأس المال مع نزعة سَلْمٍ اجتماعية؟ فيحاول الحد من "وحشيته" وتهذيب استغلاله، و"تقليم أظفار" وحشيته، إذا امتنع أن يحد نهائيّاً من تلك الوحشية، أوَلا يمكن أن نؤمن بوحدانية الإنسان بالنظر إليه نظرة تُوَحِّدُه ، ليس من أجل عبادته، بل من أجل جعل حياته على هذه الأرض أكثر سعادة، فإذا كان لون الدم واحدا، كما هو ثابتٌ، فالإنسان أيضاً واحد، وإن تغيرت ألوان بَشرات أجناس بنيه، وهو تغَـُّيرٌ أثبَتَ أن التقدُّمَ والتطور لا يخضعان للون البشرة على أي حال.
وهكذا فما على الغرب إلا أن يقلع عن معتقداته العنصرية، فالإنسان واحد في كل هذه الأرض، شرقيّها وغربيها.
....
وعطفًا على المثل المذكور أعلاه،فهل يمكن أن نقول: إن السير من حسن إلى أحسن هو قانون الحياة الإنسانية، رغم ما يحكمها من تحديات يستطيع الإنسان التغلب عليها بفكره وإرادته، كما نحب له أن يكون، إلا إذا كان هناك ما يفرضُ غير ذلك، فما الذي منع تقدم الحياة العربية إذن؟! بل ما الذي يمنع من انخراط الإنسان العربي في اللحظة التاريخية الراهنة، (إنني أتحدث عن بداية الألفية الثالثة، وليس عن مرحلة حرب النجوم، التي تحدثتْ أصوات عنصرية في الغرب أن العرب لن يشهدوها لأنهم سينقرضون قبلها، أهو اعتقاد العرب بأن أولهم أعني قديمهم في كل مجال، كان أحسن وأعظم من أي جديد تراه الإنسانية اليوم؟ فكل البراهين تؤيد أن معطيات الواقع الإنساني أثبتتْ أن الغرب المعاصر هو أحسن حالاً مما نعيشه، وأن ماضي أمتنا كان أحسن من حاضرها المزري، بشهادة حتى الإخوان، على كافة الأصعدة.
...
اسمحوا لي ، وليس في هذا شيء من مديح الهزيمة قطعاً، ولا عشق جلد الذات الذي برع فيه من لم يروا من الكأس إلا نصفها الفارغ، ولا أي نزعة مازوشية من أي نوع، فلم يدفعني إلى استنتاج هذا الأمر، إلا ما أزعمه حول أسباب تأخر أمتنا، من كوننا أمة تعبد الغرائز بينا تدوس سيد الجمال وقد عميت عن أسمى معانيه، وتمجدها في إعادة إخراج لها يقدمها في نمط سلوكي قديم - حديث، يوحدها مع انفعالات، من أخسِّها الجشع والحسد والشهوة، مما أدانتْه الديانات وخَطَّأته، في محاولة دفع أتباعها إلى التخلص منها إنقاذًا لهم من مهاويها، وقد أصبح "الغرائزي" من أبنائنا يُستشهد ـ غير طاهر ـ مندفعًا على مذبح خطايا انفعالاته وغرائزه الفاجرة الفاسقة، متحليًا بأقسى ما يتطلبه ذلك من تمسك بالعنجهية والاستكبار، إن كان حاكمًا مستبدًا، أو مواطنًا مخدوعًا بما صور له من إمكان إشباع غرائزه الجسدية في جنة اختزلتها أدوات تضليله الأيديولوجية في حور حسان الوصول إلى حضنهن هو خير الجزاء، بعد حياة العذاب.

في أمة لم تجد سبيلاً، من أي نوع، للتغلب على ما حُرم عليها وما حلِّل لها، وتخَطِّي عقلية (ما يجوز وما لا يجوز) إلا بالاستسلام إلى الغرائز إلى حد العمَى عن أي شيءٍ خارج ذات الإنسان.
....
ألا إننا أمة غرائزية بامتياز.
وأنه ما كان للغرب أن يصل إلى المريخ لولا تغلُّبِه على الغرائز وتوجيهها ـ ليتمَّ له السيطرة عليها، ومن ثَمَّ تحقيق المعجزات التي تشهد بأن التقدم الإنساني هو ظاهرة إبداعية حقًا. وأنه لا إبداع مع الاعتقاد بأن الأول أحسن و أعظم من الآخِر.

وأن هذا المبدع الحقيقي قد تكوّن لأنه لم يرضَ بالأشياء على الصورة التي وجدها بين يديه، أو بالشكل الذي قدمها إليه سابقوه، فاختار ثقافة السؤال وركوب الأخطار، وعدم الخوف من المجهول مهما كان، فاختار تنشَّئة أجياله الحديثة على حب الاكتشاف والمغامرة، والانفتاح والحب، وهي صفاتٌ كلها مفقودة في شخصية أمتنا "الغرائزية".
وإذا كان صحيحًا أن الكون لايزال يمتد ويكبر، منذ الانفجار العظيم الذي نشأت عنه ملايين المجرات، فإن التقدم الإنساني لا حدود له، وسيظل ينمو ويمتد ليصل إلى مستويات لا يمكننا تصوره، بمثل ما لا يمكن للإنسان قبل قرننا الحالي، يتصور ما بلغه عالمنا المعاصر من إمكانات وقدرات، كان لا يحلم بها.

ذلك أن إنسان الغرب المتقدم كان لا يستريح حتى يضيف كل يوم اكتشافًا أو اختراعًا، حتى تغير وجه الحياة على هذه الأرض، في هذا العصر، عن وجهها في العصور الغابرة.
....
"ليجعل الله آخرنا أحسن من أولنا"

مثل يعني بصريح العبارة، الدعاء بأن يكون حاضرنا أحسن من ماضينا، وهو ما لو تصوره قائلهُ، ممن لا يزالون يقتدون بالسلف "الصالح"، بهذا الوضوح لملّْيءَ خوفًا، واستغفرالله، لأنه من أمة "غرائزية" لا فكرية ولا مادية، تنظر إلى الماضي على أنه الخير كله، وتؤمن أن الأول "لم يترك للآخر" شيئًا.

 


*أحمد بنميمون: شاعر وقاص من المغرب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018