بعين ناقدة: الأدباء والمشهد الأدبي في الداخل

بعين ناقدة: الأدباء والمشهد الأدبي في الداخل
من أحد العروض السابقة في مسرح الميدان (أرشيف عرب 48)

تشهد الساحة الأدبيّة في الداخل الفلسطينيّ حالةً من التشظّي والتراجع في مستوى العلاقات ونوعية الإنتاج الأدبي، بحيث تعالت، مؤخرًا، أصوات نقدية تراوحت بين الإشارة بأصبع الاتهام إلى سوء الإدارة داخل المؤسسات الثقافية والعلاقات بين الكتاب والشعراء، الأمر الذي اعتبره البعض مسًا بمصداقية الرسالة التي يحملها البعض منهم، داعين إلى ترميم العلاقات، بعد ابتعاد الكثيرين من الكتاب عن هذه المؤسسات في الداخل.

مصاروة: على المثقف أن ينسجم مع رسالته

الأديبة إيمان مصاروة
الأديبة إيمان مصاروة

الأديبة إيمان مصاروة اعتبرت أنّ هناك مدّعين ولا علاقة لهم بالمشهد الثقافي، وقالت إن الأدب فنٌ جميل، يحدث متعةً للروح وسموًا للقلب ويجد الكاتب فيه متنفسه الذي يعبر من خلاله عن مشاعره ونبض قلبه وخلجات روحه، علما بأنّ أغراضه ومشاربه كثيرة ولا تكتب على هوى القارئ أو أفق توقّعه، كما أن هنالك عدّة اتحادات وتجمعات ثقافية ومنتديات أدبية.

وأكملت مصاروة: "أرى أن هذه المؤسسات تثري الساحة الأدبية عامةً، وتعمل على تشجيع الهواة خاصة، وأضافت أنّ ما يجري اليوم في الساحة من تسيب وتسرب وعدم مصداقية وتراشق بين الأدباء والشّعراء، إنما يتحمل مسؤوليته حاملوا شعار الثقافة ومسؤولو المؤسسات والمنتديات الثقافية في الداخل والخارج، بما فيهم نقادنا وأدباؤنا وشعراؤنا الكبار الذين يجاملون و يسيرون وراء ثلة من المدعين، وممّن لا علاقة لهم بالمشهد الثقافي الذي أصبح فيه الكثير من السلبيات".

وشدّدت مصاروة أنّه "رغم الحراك الذي تشهده الساحة الثقافية في الوطن، أجد أننا بعيدين كل البعد عن واقع الثقافة الحريص على مثقفيه ومبدعيه، نتيجة الخلافات بين أعضاء الاتحاد والبيانات التي صدرت مؤخرًا تؤكد أن الحالة الثقافية يرثى لها وبحاجة لاحتضان من قبل كبار الأدباء الغيورين على المشهد العام داخل الأراضي الفلسطينية في الـ48، وآن الأوان لإيقاف تراشق التهم التي لا تمت بصلة لمبدعينا في الوقت الذي نحن فيه أحوج لأن نتحد ونكون يدًا واحدة، بعيدًا عن هذا التشرذم في المشهد الثقافي والذي أدى إلى ابتعاد عدد كبير من الكتاب والأدباء الحقيقيين عن الساحة، لئلا ينالهم ولو قليل من هذه الخلافات.

وتابعت: "نحن نعلم أن الطابع الثقافي العام في أراضي الـ48 يغلب عليه الطابع الأيديولوجي، وهذا ما يفقدنا الكثير من الحضور الصّحي والمتوازي في الساحة الإبداعية، كما أنّ تطوير الإبداع في الوطن مرهون بتنحية الخلافات الشخصية وتغليب المصلحة العامة ومصلحة الوطن، كي يكون الإبداع للجميع وتصبح الثقافة من مكونات التنمية في المجتمع والوطن".

وخلصت إلى القول "إنّ كل ما أتمناه أن أرى اتحادًا واحدا وليس اتحادين يحتضن الجميع على قدم المساواة بدون تفرقة أو تمييزٍ أو إقصاء لأحد أيّما كانت الأسباب، لأن الإبداع يتحيز للإنسان ورؤيته وأحلامه وطموحاته ويعمل على ترقية الأرواح والأذواق ليتحقق منه الهدف المنشود كمعطى حضاري يحمل القيم النبيلة والأغراض الإنسانية السامية".

كيوان: المشهد ذو وجهين

الكاتب سهيل كيوان
الكاتب سهيل كيوان

الكاتب سهيل كيوان اعتبر، في حديث مع "عرب 48"، أن الأمر ذو وجهين، "فالمشهد الثقافي في الداخل في تقدم على جبهات، وعلى أخرى في تراجع أو يراوح مكانه، مثلًا، لدينا نهضة موسيقيّة كبيرة، هناك فرق موسيقية عديدة وافتتحت معاهد ومئات الطلاب يمارسون العزف والغناء، والعودة إلى الأصالة، وهذا جانب مهم جدا علينا العمل على دعمه وتطويره. كذلك توجد نهضة في القراءة على مستوى الأطفال والمدارس بمبادرة المكتبات العامة ومسيرات الكتاب والمراكز الثقافية، ولكن بالنسبة للكبار، ما زلنا نراوح مكاننا رغم ظاهرة منتديات القراءة فهي ما زالت ضعيفة".

وأضاف: "يوجد إنتاجٌ أدبي متزايد من الناحية الكميّة، في الشعر والرواية والقصة القصيرة، ولكنه في الوقت ذاته يأتي على حساب النوعية. نرى احتفالات وتكريمات كثيرة للكتاب والشعراء أكثر بكثير من السابق، في المدن والقرى وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم أهميتها، إلا أنها عبارة عن لقاءات اجتماعية أكثر من كونها لقاءات أدبية بحتة".

شدّد أن "واقعنا الأدبي يعكس، إلى حدٍ كبير، واقع الجماهير العربية، كتابنا وشعراؤنا الذين يدعون الشعب إلى الوحدة، هم أنفسهم غير موحدين، عانوا ويعانون من انقسامات تتراوح بين الأسباب الحزبية والأيديولوجية الضيقة، وبين الأنانية والمنافسة على قيادة اتحادات الكتاب. اتحادات الكتاب الموجودة تعكس حالة التشرذم التي نعاني منها. لدينا طاقات إبداعية كبيرة، ولكنها للأسف تتبعثر في هذه الصراعات البائسة. محاولة إبعاد الأصوات المختلفة وتهميشها ظاهرة مقلقة".

وأضاف أن تحويل اتحاد كتاب إلى مؤسسة تتعامل بالولاء لجهات سياسية، وتحويل خطابها إلى -سيادة وفخامة ونيافة- هذا المسؤول في هذا البلد أو ذاك، وتحويل الاتحاد إلى تنظيم زيارات ولاء لهذه الجهة أو تلك، أساءت كثيرا لاتحاد الكتاب.

ولفت إلى أنّ "محاولة قمع الأصوات الناقدة والمعترضة موجودة وبقوة، وما جرى للأخت أنوار الأنوار وطريقة الرد عليها كان مؤشرًا خطيرًا إلى المكان الذي وصله البعض".

ولاحظ كيوان ما سمّاه "تدخل سياسيين في وقف نشر مقالات للناقد د. محمد هيبي، وهو أمر لم أستغربه من قبل "الاتحاد"، فهي صحيفة حزب وليس صحيفة أدب ونقد. بغض النظر عن ما جاء في هذا النقد نتفق أو لا نتفق معه، فالسياسيون هم أصحاب السيطرة الكاملة، ومع احترامنا للناقد والمنقود وأنا شخصيا انتميت لاتحاد الكتاب والشعراء الفلسطينيين - حيفا في السابق، وجمّدت عضويتي منذ أكثر من ثلاث سنوات، ثم استقلت نهائيا، علما بأنني منذ سنوات لم أشارك بأي نشاط للاتحاد ولا أجد نفسي بأي تنظيم للكتّاب والشعراء حاليا ولا في المستقبل القريب"".

وخلص إلى القول بإمكان الكتاب والشعراء لعب دور أهم وأقوى لو التصقوا كلهم بإنسانيتهم ووضعوها فوق المناصب وحب الظهور على المنابر وابتعدوا قدر الممكن عن التحزب الأدبي وأدلجته، وحاولة إرضاء جهات رسمية، عربية بشكل خاص، فهو أمر أساء منذ عقود لأدبنا وما زال يسيء.

مواسي: بعض المؤسّسات قائم منذ سنوات طويلة جدًّا، لكنّ دورها هامشيّ جدًّا

الشّاعر علي مواسي
الشّاعر علي مواسي

في حين اعتبر الشّاعر والمحرّر الثقافي علي مواسي أنّ للمشهد وجها مشرقا رغم الملاحظات الكثيرة على المؤسسات الثقافيّة، إذ "تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1948 ظواهر أدبيّة لافتة، خلال السنوات القليلة الماضية، على مستويي الصناعة الأدبيّة، أي السياق المحيط بالإنتاج الأدبيّ وتلقّيه، وكذلك خيارات الكتّاب الفنّيّة في إنشاء نصوصهم وتجاربهم".

وفصّل مواسي ذلك بالقول: "تتجلّى هذه الظواهر، مثلًا، في تنظيم أحداث أدبيّة عربيّة ودوليّة مهنيّة وضخمة، كاحتفاليّة فلسطين للأدب "بالفست"، وكذلك "مهرجان نواحي النهر للأدب"، بالإضافة إلى نزوع الأحداث الأدبيّة بعيدًا عن المهرجانات المنبريّة التي سادت على مدار عقود، لتتّخذ طابعًا حميميًّا؛ ويمكن ردّ ذلك إلى المساحات التي تستضيف الفعل الأدبيّ، وتحديدًا المقاهي والبارات والمسارح والمساحات الصغيرة، في حيفا، ويافا، والناصرة، وغيرها".

وأضاف: كما ثمّة توجّه إلى تنظيم أحداث أدبيّة مخرجة فنّيًّا، تُوَظّف فيها وسائط تعبيريّة متعدّدة، من أداء مسرحيّ، ورقص معاصر، وموسيقى، وفيديو آرت، وفنون بصريّة أخرى، لا بصفتها مرافقة للنصّ، بل شريكة له ومندمجة معه ومشاركة في معناه؛ ولعلّ أشهر الأمثلة على ذلك، الكونسيرت الشعريّ "حبّ في غيمة"، وكذلك الأمسيات الأدبيّة التي ينتجها "مسرح خشبة".

ولفت مواسي إلى نقطو مهمّة، وهي ازدياد "مسرحة الأدب"، "وتطوّره كمًّا ونوعًا على نحو يجعله ملمحًا بارزًا على مستوى أماكن وجود الفلسطينيّين كافّة؛ وقد بلغ عرض مونودراما "المتشائل" عن نصّ إيميل حبيبي، 2000 عرضٍ، جابت مختلف مسارح العالم، وثمّة أعمال عديدة تُمَسْرِح النصوص الأدبيّة، بمستوًى فنّيّ رفيع، مثل مونودراما "طه"، و"عائد إلى حيفا"، و"قناديل ملك الجليل"، و"ابن رابعة"، و"ذاكرة النسيان"، و"رحلة الصحراء"، وغيرها".

ونقديًّا، أضاف مواسي "يمكن الحديث عن إنتاج بحثيّ وأكاديميّ نشط في هذا الحقل، وإن كان يتّسم بعدم المواكبة في غالبيّته، وانشغاله بالأسماء المكرّسة بعيدًا عن تتبّع الجديد. ولعلّ مجمع اللغة العربيّة في أكاديميّة القاسمي، وكذلك مجمع اللغة العربيّة في الناصرة، وهو الرسميّ وفق القانون الإسرائيليّ، يمثّلان هذا الجانب، بما يصدرانه من كتب، ومجلّات، وما يعقدانه من مؤتمرات وندوات علميّة، بالإضافة إلى أكاديميّين فلسطينيّين في مؤسّسات التعليم العالي، أو مراكز الأبحاث، وتحديدًا جامعة حيفا، التي تنظّم سنويًّا مؤتمرًا خاصًّا بالأدب الفلسطينيّ بإشراف فلسطينيّين من أراضي 48".

وحول الأجناس الأدبيّة، "فثمّة ازدياد مطّرد في حضور السرد، مقارنة مع مراحل سابقة، كما أنّ الشعر بغالبيّته، تنازل عن العموديّة والتفعيلة، لينزع نحو "قصيدة النثر" لتحتلّ الصدارة دون منازع".

أمّا على مستوى الجوائز التي تُعَدّ وازنة في المشهد الأدبيّ الفلسطينيّ، فثمّة حضور بارز لفلسطينييّ أراضي 48، الذين يحتلّون المواقع المتقدّمة في "جائزة عبد المحسن القطّان للكاتب الشابّ" مثلًا، وقد بلغت رواية "عليّ" لحسين ياسين، عام 2018، القائمة الطويلة للجائزة العالميّة للرواية العربيّة "البوكر"، وفق مواسي.

وتساءل مواسي في ضوء ما تقدّم، وغيرها من الظواهر الدالّة على نهضة أدبيّة فلسطينيّة جديدة وزخمة، ولا سيّما في أراضي 48، نسأل عن دور المؤسّسات التي تعلن عن نفسها أجسامًا تمثيليّة لكتّاب الأدب: ما علاقتها بهذا المشهد؟ كيف ساهمت في صياغته وتطويره وإغنائه وتنظيمه والتعبير عنه؟ وهل دور هذه المؤسّسات يقتصر على مشاركات تكريميّة وبروتوكوليّة في محفلٍ هنا وآخر هناك، كلاسيكيّة البِنى والمعاني، وليس من أهدافها "مبحث الأدب" بصفتها ممارسة جماليّة وقيميّة؟

وأشار إلى أن "بعض تلك المؤسّسات قائم منذ سنوات طويلة جدًّا، لكنّ دورها هامشيّ جدًّا للأسف، مقارنة مع ما يجب أن تضطّلع به وما هو قائم فعلًا في المشهد الثقافيّ الإبداعيّ من أطر وجهات عديدة، بل تكاد أن تغيب تمامًا لولا بعض الأنشطة القليلة جدًّا، التي يُعلن عنها بين الحين والحين بلا أيّ منهجيّة واضحة أو ملامح إبداعيّة تجديديّة".

وخلص إلى القول "إنّ أكثر ما يحتاج إليه شعبنا، ليتعامل مع تحدّيات ظروفه الاستعماريّة، والاجتماعيّة الداخليّة، مؤسّسات تعمل بمهنيّة وموضوعيّة وتخصّصيّة وشفافية، تمارس النقد وتتقبّله وتعمل على تطوير نفسها وتجديد دمائها على نحو دائم، فكيف إذا كان الحديث عن حقول التعبير الإبداعيّ، وما لها من أدوار حسّاسة".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018