نحن أسقطنا لغتنا بأيدينا

نحن أسقطنا لغتنا بأيدينا
لافتة بـ"العربية" في مكان عام

بعد أن تمّت المصادقة على "قانون القومية" من قبل الكنيست،"قامت الدنيا وقعدت" لما ينطوي عليه هذا القانون من أبعاد سياسيّة عنصريّة تمس بمكانة المواطنين العرب وبمكانة اللغة العربيّة، التي أسقط القانون عنها صفة "الرسميّة" بشكل صريح ومعلن.

د. إيمان يونس

والحقيقة أدهشتني هذه الهبّة من قبل العديد من المواطنين العرب، الذين أصبحوا غيورين على اللغة، وأصبحت العربيّة عزيزة عليهم! فتهافتت الشعارات والبيانات من قبل المؤسسات الرسميّة وغير الرسمية تعلن استنكارها ورفضها للقانون وتناشد العامة والخاصة بأن تشبثوا بلغتكم وحافظوا عليها. ونشر مجمع اللغة العربيّة بيانًا دسمًا غذّاه بالشعارات والوعود والنداءات لدعم اللغة العربية وإعادة مكانتها معلنًا أننا أمام حرب على الوجود! ثم توّج تصريحاته بإطلاقه "عام اللغة العربيّة" وذلك بالتعاون مع المؤسسات المختلفة في المجتمع المدني، ودعا جميع الأطر الفاعلة لوضع اللغة العربية في سلم الأولويّات. فأرسلت لجنة المتابعة من جهتها بيانًا إلى جميع المدارس حول المشروع وأرفقته باقتراحات لفعّاليات وبرامج ممكنة!

ولو كنت أعلم أن هذا القانون سيثير حفيظتنا، ويجعلنا نهبّ هذه الهبّة القوميّة للدفاع عن لغتنا وللمحافظة على كرامتها وصيانة مكانتها، ووضعها في سلم أولوياتنا لتمنيت لو أقر ّ هذا القانون منذ زمن!

ولكن الآن، بعد أن مرّت موجة الذعر وهدأنا قليلا، أرى أن نعيد النظر في الأمر من جديد، فنضع النقاط على الحروف، ونسأل الأسئلة الصحيحة: هل كانت اللغة العربيّة لغة رسمية في البلاد بكل ما تعنيه هذه الصفة على الصعيد العملي حقّا؟ هل كانت العربية - قبل القانون - تتمتع بحضور قوي ومكانة مرموقة وبارزة في المشهد العام حتى نخشى على كل ذلك الآن من الفقد والغياب؟ وما الدور الذي لعبناه نحن العرب في إسرائيل في تحديد مكانة اللغة العربيّة؟ ألا تنبع مكانة اللغة أصلا من مكانة الناطقين بها ومن دورهم الفاعل إزاءها؟ 

الجميع يعرف أن اللغة العربيّة فقدت مكانتها في هذه الدولة منذ عقود، أي قبل قانون القومية بكثير! فاللغة العربيّة لم تكن رسمية يوما إلا على الورق، والمسؤول الأول عن ذلك ليس الدولة ولا سياستها العنصرية وإنما "نحن"، نعم نحن!

لقد اتخذ "اندماج" العرب في إسرائيل وجوها عديدة من ضمنها الاندماج اللغوي، فباتت العبرية جزءًا من كلامنا اليومي ولم يعد الصغار يميّزون أصل الكلمات أهي عربية أم عبرية، لأن آذانهم اعتادت على سماع كلمات بالعبرية منذ الولادة. وأصبحنا نجتهد أحيانا في إيجاد البديل العربي لمفردة ما في العبرية، والأدهى من ذلك وأمرّ، أن لغة التفكير لدى البعض أصبحت بالعبرية، ولربما يحلم البعض في منامه بالعبرية أيضا.

والمدهش حقا أن بعض المثقفين بالذات يفاخرون بالتحدث بالعبرية، ويجيدون التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بها بشكل أفضل دون جهد وعناء، فكأنّ العربية عاجزة عن مدّهم بالمفردات والمصطلحات والعبارات المناسبة، وقد بلغ الأمر بهم أن أصبحوا على قناعة تامة بأنّ التحدث بالعبرية هو دليل على فكر متنوّر، ورؤية متقدمة، وثقافة عالية فكأن لسان حالهم يقول "أنا أتحدث العبرية إذًا أنا أفضل". 
فدعونا إذًا نواجه أنفسنا. نحن أسقطنا لغتنا حين بدأنا بتبني العبريّة في كل مجلس وفي كل نقاش وفي كل حوار بيننا وبين أنفسنا.

لقد أسقطنا لغتنا حين أقنعنا أولادنا أن العربيّة ضعيفة وعاجزة، وأن العبريّة هي لغة المستقبل التي سيرتقون بها اجتماعيّا وعلميّا.

لقد أسقطنا لغتنا حين خصصنا لها "يوم" و"أسبوع" و"عام" في المدارس والمؤسسات، فكأنّها مناسبة تنقضي بانقضائها. 

لقد أسقطنا لغتنا حين أخذنا نتكاتب بالعبرية عبر هواتفنا.

لقد أسقطنا لغتنا حين استبدلنا حروف العربية بحروف عبرية وإنجليزية في رسائل "الواتساب" وغيرها.

لقد أسقطنا لغتنا حين رفعنا لافتات بالعبرية والانجليزية على واجهات محلاتنا التجاريّة.

لقد أسقطنا لغتنا حين اخترنا أسماء أجنبية لمطاعمنا ومقاهينا.

لقد أسقطنا لغتنا حين كتبنا اسماءنا بالعبرية والإنجليزية على صفحاتنا في "فيسبوك" دون العربية.

لقد أسقطنا لغتنا حين تغاضينا عن الأخطاء اللغوية في اللافتات، واكتفينا بتصويرها ونشرها ولم تقم أي جهة مسؤولة بتنزيلها.

لقد أسقطنا لغتنا حين بدأت مدارسنا بتهميش موضوع "الخمس وحدات" في اللغة العربية.

لقد أسقطنا لغتنا حين ذوّتنا لدى طلابنا القناعة بأن "ثلاث وحدات" في العربية تغني وتكفي.

لقد أسقطنا لغتنا حين قمعنا المواهب الأدبيّة لدى أطفالنا لأنها لا تطعم خبزا.

لقد أسقطنا لغتنا حين بدأنا نتحدث مع أطفالنا بالعبرية منذ الولادة ليصبحوا مواطنين أكفاء في هذه الدولة.

لقد أسقطنا لغتنا حين سمحنا لأنفسنا بتبني مناهج تعليم مترجمة عن العبرية.

لقد أسقطنا لغتنا حين أدخلنا إلى مدارسنا كتب تعليم بالعبرية.

لقد أسقطنا لغتنا حين لم نعد نعرف ما البديل العربي لبعض المفردات العبريّة.

لقد أسقطنا لغتنا حين أسقطناها فينا.

نحن أسهمنا بطريقة مباشرة وغير مباشرة في تهميش لغتنا، ونحن أسهمنا في بلورة دونيّتها لأننا ترفّعنا عنها برفع سواها! فلماذا نلوم قانون القوميّة، أنعيب زماننا والعيب فينا.

اللغة العربيّة لا تحتاج إلى شعارات وتظاهرات، ولا إلى تخصيص أعوام دراسيّة ومؤتمرات لرفع مكانتها، بل تحتاج إلى إحداث تغيير جذري في كيفية تعاملنا معها ونظرتنا إليها وتصورنا لها. إنها تحتاج قبل كل شيء إلى ناطقين معتزّين بها مقدّرين لدورها الفاعل في تعزيز هويتهم وثقافتهم وحضارتهم. ولن يتمّ ذلك من خلال المؤسسات بل من خلال الأفراد، فيبدأ كل بمحاسبة نفسه أولا، ويتساءل ماذا قدّم للغته وكيف أسهم في المحافظة عليها، وقبل أن نطالب الدولة برفع مكانة اللغة العربيّة يتوجّب علينا أن نرفع مكانتها فينا.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018