الشاعر الفلسطيني حنا ابو حنا: جمال حيفا مأساوي وعميق الجراح

الشاعر الفلسطيني حنا ابو حنا: جمال حيفا مأساوي وعميق الجراح

يعيش في مدينة موجودة لهدف واحد هو ان تستدرج الجمال اليها، من خارجها او من داخلها، فهي وطن الجمال ومعبده وجرحه ووحشيته، وغرابته، ورقته، وسرابه وحقيقته، وعموضه.
تصطاد بجمالها العشاق والوحيدين والشهوانيين والفنانين، هي مدينة يختارها الله دائما لقضاء عطلته الاسبوعية، مفضلا اياها على كل مدن العالم، فهي حافظة سره، وهي رسولة غضبه وتسامحه وندمه، وهي التجلي الاعظم لجبروته واتساعه، وهي مسجد سري للشمس والشتاء، وبوصلة للعواصف والنجوم والجبال، انها حيفا سيدة بهجة الرسامين وتعب الشعراء ودوار الصوفيين، وبيت المشردين والمتروكين، هنا لقاء مع احد عاشقيها، هو:

حنا ابو حنا الشاعر الفلسطيني الغني عن التعريف، قبل ايام احتفل بعيد ميلاده السابع والسبعين، الاحتفال بعيد ميلاد ابو حنا يستدعي الى الذاكرة الفلسطينية المتعبة احداثا ومواقف ورموزا عديدين في الفكر والادب الفلسطينيين، عاصرها شاعرنا الجميل الذي ما زال يكتب وينظم الشعر ويتابع ما يستجد من ابداعات فلسطينية وعربية وعالمية.

العام الفائت صدر لابي حنا اربعة كتب اشهرها الجزآن الثاني والثالث من السيرة الذاتية التي صدر جزؤها الاول تحت اسم ظل الغيمة، هنا حوار مع الشاعر عن حيفا التي عشقها وعشقته وعن الشعر والوطن والزمن ايضا.


* منذ فترة طولة لم نقرأ لك شعرا، هل هي هجرة ام ماذا؟

*** لا لم أهجر الشعر. في المطبعة الآن مجموعة شعريّة سمّيتها عرّا ف الكرمل ، وآمل أن ترى النّور خلال أقل ّمن شهر.

* تعيش في حيفا الناعمة مثل باطن قدم طفلة كيف تصف هذه المدينة كشاعر وكمواطن؟

*** جمال حيفا هذا مأساويّ عميق الجرح. فأنا الذي عرفت المدينة قبل النكبة، عندما كان يعمرها سبعون ألف فلسطيني ثم كانت النكبة فلم تُـبْقِ إلا ثلاثة آلاف واحتلّ بيوت مشرّديها غرباء، وهُدِّمت أحيـاء وغُيِّرت أسماء... أمـرّ بالبيوت فأتذكّـر أصحابها.. أتـذكّر الأصدقاء واللقاءات والندوات والمكتبات وشطوط السّباحة وأرى الكرمل والبحر والأفق الفنّان الذي يفتن بفيض إبداعه، فينـزف الجـرح. وتحوّم أسراب السّنـونو فأرى فيها أسراب مفاتيح فأقول:

مهبّ الخنـاجر هذي النّوافذْ
مفاتيح زوبـعها في الفضاء الحنـين
يزعـق من لَـهَوات السّنونو
تحوّم
تسأل عن مقلة البـاب
عن عتبات البيوت وحـوض الحـَبَق
هنالك من شارع الجـبل النّـشَجاتُ
ومن جادة الكرمل الحشرجات
تُـشَـلَّخُ أسمـاؤها
ويمحو الزّمان المـكان

شارع الجبل تحوّل اسمـه أولاً إلى شارع الأمم تقديراً لهيئة الأمم المتحـدة التي أصدرت قراراً بالتقسيم وإنشاء الدولتين/الدولة ! وعندما صدر قرار هيئة الأمم باعتبار الصهيونية عنصرية تحوّل اسم هذا الشارع ـ الذي ينطلق من جوار شارع اللنبي (المحتل البريطاني) متسلّقا جبل الكرمل في رحلة طويلة ـ فأصبح شارع الصهيونية .
أمّا جادة الكرمل فأصبحت جادة بن غوريون وقد أشرت إلى ذلك في قصيدة حديقة الصبر :

في جادة الكرمل ِ
حيث اغتيلت الأسماء
تحت عيون قـبّة البـهاء...
وأمّا حي وادي الصّليب فإن معالمه تُمحى
باستمرار ـ تُهدَم أو تزيَّف ملامحه وقد قلت فيه:
لقيتكِ تَسْـتَـنْـِبتينِ الدّموعَ بوادي الصّليبْ
رأيت البيوتَ تُـكَـمُّ
ويُـقعي السّكون دمـاً لـزِجـاً في الدّروبْ
تُعـمّي النّوافذ بالطّوبِ ينسج أكفانها عنكبوتْ
ويهرب ظـلّيَ منّي يحشرج بين سلوع البيوتْ
وتنفر ذاكرة العشب من تحت إبطِ الحجرْ
وساقِ الشـجرْ
وتغلق بذرة نرجسة كـفّها في التّرابِ
على خلَجـات المواسم
ودالية قوّضوا عرشها
تخـبّي الشّموسَ وبَوْحَ الحمائم
يقبّل خطويَ خـدَّ الأديم
وشوق الدّيار احتراق دمٍ وعتاب نبيّ
أنادي
ولكن صدايَ يعود إليّ
وأثقب من خرزات الدّموع قلاده
ومسبحةً للعباده
أرأيت كيف نكأت الجراح بنعومة باطن قدم طفلة؟

* في سيرتك المدهشة باجزائها الثلاثة نجد مختلف الانواع الادبية من شعر وقص وتشكيل وسينما، حدثنا عن دوافع هذا العمل الجميل

*** هو باقٍ / لأنه في القلبِ/ هذا الوطن
تنقّلت طفولتي في فلسطين من الجليل إلى أسدود فـنِجِد فالقدس فرام الله فجفنة فحيفا فالناصرة وعودة إلى الرّينه ثم القدس ثمّ طوافٌ بكلّ الأرجاء.
كان الوطن كبيراً والجرح الذي بدا كبيراً آنذاك تـقزّم في النكبة.
أردت أن أحتفظ بهذه الصّور ـ بالوردة وشوكها ـ لي أوّلاً ثمّ للأجيال لأنّ مقترفي الجريمة يسعون بكل ما أُتـيح لهم من قوّة ليمحوها!
أما الحكـم على فـنّـيّة الكتابة فأتركه للنّقاد والقرّاء.
وقد لحق بهذا الكتاب مؤخّـراً الكتابان: مَـهْر البومة و خمـيرة الرّمـاد.

* صدر لك مؤخرا اكثر من عمل معظمها يصب وينبع من وفي نهر التراث السؤال هو ما سر انشغالك بالتراث شعرا وتاريخا؟

*** لعلّ صلتي المتّصلة بنهر الأجيال ـ كمعلّم في الناصرة منذ 1947 وكمدير للكلية الأرثوذكسية العربية في حيفا ومحاضر في جامعة حيفا ودار المعلمين هنا ـ هي التي جعلتني مسكونا بهاجس تعريف هذه الأجيال بالتراث الثقافي الفلسطيني الذي حـرِموا منه.
في إطار التعليم في جامعة حيفا أدخلت مادّة الأدب العربي في فلسطين حتى 1948
من كشاجم الي ابراهيم طوقان وعبد الرّحيم محمود..
إن طاحونة الثقافة والأِعلام الصهيوني تحاول أن تمحو الوجود الفلسطيني المتواصل فأصبحنا مطالبين أن نثبت البدهيّات !!
بعد جهد عنيد أفلحنا أن ندخل تعليم الأدب الفلسطيني إلى منهاج الدراسة لامتحان اجتياز الثانوية.
وقد أصدرت في مجال إحياء التراث الثقافي الفلسطيني عددا من الكتب منها:

ـ ديوان الشعر الفلسطيني الذي يعرّف بأربعة شعراء من فلسطين ظهروا منذ القرن العاشر للميلاد وهم: كشاجم الرّملي وابن القيسرانيّ وأبو اسحق الغزّي والقاضي الفاضل العسقلاني.

ـ طلائع النهضة في فلسطين ـ خرّيجو المدارس الرّوسيّة الذي صدر مؤخراً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت.

ـ روحي علي راحتي اسم الديوان الذي جمعت فيه أشعار عبد الرحيم محمود مع دراسة لذلك الشعر.

ـ رحـلة البحث عن التراث .

ـ ثلاثة شعراء: ودراسات في شعر ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى).

ـ رواية مفلح الغساني الكتاب الذي يصف فيه نجيب نصار مطاردة السلطة العثمانية له إبان الحرب العالمية الأولى واختباءه في الناصرة وغيرها الى أن وصل الى السجن في دمشق. دراسة وتعليق.

ـ مذكرات نجاتي صدقي ابن القدس، أول مبعوث للدراسة في موسكو سنة 1925. وقد عاد الى فلسطين الى غمرة العمل السّرّي. سجن سنتين ثم أفلت ليتابع النشاط من باريس ثم بُعث الى اسبانيا أثناء الحرب الأهلية هناك... وقد صدر الكتاب عن مؤسـسة الدراسات الفلسطينية.

* حتى الان ما زال كتاب فلسطين عام 48 بلا نقابة كيف تشخص الازمة؟

*** عرفنا هنا أكثر من تنظيم في هذا المضمار، ولمعت تسميات مختلفة: اتحاد، اتحاد عام، رابطة، نقابة.. الخ. إن تقليد مثل هذا التنظيم شاع في أعقاب الاطارات التي أنشئت للكتّاب في الدّول الأشتراكية سابقا. وقد عرف هذا التقليد أيضا في اسرائيل فكان اتحاد الكتّاب العبريين ثم اتحاد الكتّاب العام الذي شاء له أصحابه أن ينتمي اليه كتّاب عرب.
تجربتنا كانت مريرة لأن الصراع الحزبي ـ الذي كان ضاريا جدا ـ انعكس على تلك الأطر ولا يحسن استذكار ما نتج عن ذلك من آثار.
من ناحية أخرى: إن مثل هذه الأطر يحتاج الى تمويل لضمان استمرار العمل الاداري وتطوير الفعاليات والنشر..الخ والبحث عن مصادر التمويل قد يؤدي الى مزالق.
إن منظمات الكتّاب لا تنشئ أدبا أو أدباء ولكن يمـــكنها أن تروّج للنشــاط ألأدبي والثقافي إلا أن التجربة عندنا هنا وفي المواقع الأخرى لم تسلم من الأِحَن والتقاطب.
إن الغيرة الثقافية الوطنية يمكن أن تحفز الغيورين الى القيام بنشاط مبارك لترويج الثقافة وإشاعتها دون أن يكون لذلك إطار محـدّد. هذه الغيرة كانت هنا المحـفّز لاقامة المهرجانات الشعرية في قرانا ومدننا في ظروف الحكم العسكري الغاشم، وقد تحدّثت عن ذلك في كتابي مهر البومة.
إن الظروف الفلسطينية الخاصة في الوطن والمهاجر تطالب المبدعين أن يشاركوا في المعركة الوطنية في ميدان الثقافة إلا أن الأبداع لا يُمـأسس أو ينمّط.
مؤخرا قامت هنـا حركة تنتمي الى تجمّع الأدباء والكتّاب الفلسطينيين لتتواصل في الأطار الفلسطيني العام وأتمنى لهذا التواصل أن يثمـر.

* انت أول من استقبل محمود درويش كصحافي ليعمل في مجلة الجديد الحيفاوية التي كنت ترأس تحريرها حدثنا عن محمود انذاك شاعرا وانسانا؟

*** (أقترح أن يعدّل نص السؤال الى: أنت من أوائل من استقبل محمود درويش حين جاء ليعمل في جريدة الأتحاد ومجلة الجديد ............)
ـ تحدّثت عن ذلك في فصل من كتابي خميرة الرماد (ص47 ـ 50) واقتبس هنا بعض فقرات: كان في عينيه ياسمين العشرين حريريا نفّاذ العطر حينما جاء الى حيفا، وكانت خصلة من شعره تنسدل على جبينه فيعالجها برفق مُـلِحّ.
كأنّما هبط بالمظلّة من عالم المدرسة الثانوية في كفرياسيف الي عالم الصحافة والسياسة، وفي يده باكورة شعرية سمّاها عصافير بلا أجنحة .
اسمه محمود درويش. ولد في قرية البروة التي لم يبق منها إلا آثار على التـلّة المشرفة على مفرق الطرق، انطلقت في فضائها ألسنة غريبة غيّرت حتى اسم الموقع. حملت النكبة عائلة محمود الى ما وراء الحدود، لكنّها عضّت على الجراح وتسلّلت من المنفى الكبير عائدة الى الوطن لتكون في دير الأسد .
جاء الى حيفا ليعمل مع هيئة تحرير الجديد وصحيفة الأتحاد .
خطيرا كان ذلك الأنتقال من عالم القرية الى عالم المدينة ومن مقاعد الدراسة الى مكتب التحرير حيث كهول متمـرّسون وحيث أجواء التصدى للقهر والاضطهاد وأحاديث عن قيم وفلسفات ومواقف. وقد حظي هذا الشاب بمحبة الجميع وتقديرهم ففيه ذكاء وكياسة وحس مرهف ورعاية للكرامة وجدّيّة وإبداع.
أحب يحيى هذا الطائر الذي أخذ الريش يقوى في جناحيه. رأي كيف تبرعم اللغة بين يديه في خلق جديد حتي وهو يكتب التقرير والتعليق. إن لـما يكتبه نكهة خاصة تمتاز بالأصالة.
وجد محمود ترحيبا في بيت يحيى وكان الحديث يدور عن المطالعات والشعر والفن، عن الفلسفة والعقائد. بعد التحية كان السؤال عادة: ماذا تقرأ؟ ثم ينطلق الحديث في آفاق تلك القراءات، استعراضا ومناقشة وتقويما. حينما التقى يحيى محمودا بعد عقود ـ أول مرة بعد ارتحاله ـ سأله كيف أنت والقراءة؟ قال: كالنملة.
أدرك محمود أن الثقافة العميقة القزحية التي تظل يدها على مجسّ نبض الزمن الحثيث ـ انما هي نسغ الدوحة الشعرية. (ص 47)
............
في عيد محمود الخمسين كتب يحيى خواطر جعل عنوانها: ايّهذا الجامح قال فيها:
أيهذا الجامح الذي لا تنفك البروق الساحرة تهمز جياد عربته الناريّة عبر الآفاق ليقطف ما وراء النجوم.
يا من عمّدته ربّة الشعر في نهر الأِبداع والخلود ـ ولكي لا تهفو هفوة ثـيـتس أمّ أخيل ـ عادت فحملته من موقع آخر وعمّدته ثانية.. .
ويظلّ دائما في قلب يحيى موقع خاص لمحمود. ( ص 50)

*ما موقفك من قصيدة النثر؟ بعض النقاد قالوا ان سيرتك الذاتية هي قصيدة نثر طويلة بامتياز؟

*** هناك الذهب وما يتزيا بزيّ الذهب. فالذهب مهما تتشكل صياغته يتألّق جوهره. أمّا ما يتزيّا فينكشف عند أقل حكّة. كذلك جوهر الشعر الذي ـ إذا وجد ـ لا يضيره التشكّل في صياغات مختلفة.
كتبت قصيدة النثر في رثاء الشاعر راشد حسين ( في قصائد من حديقة الصبر ) وأشهد أن ذلك التشكّل بعيد عن اليسر.
لكن كثيرا مما نقرأ تحت هذه التسمية هو مما يـتـزيّا.




زياد خداش
"القدس العربي"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018