صــلاة بيـضــاء \ جودت عيد

صــلاة بيـضــاء \ جودت عيد

... يجول الحزنُ الدروبَ ما بين السماء والأرض... يتيه في تعريفات المستحيل! في زمن "ثقيل"، متثاقل يحمل في جعبته قصص شوارع، تمتد من القاع إلى القاع، حيث يغيب الضوء هناك في غياهب الضمير...
صور كثيرة تركناها هناك... على مقاعد الدراسة وما كنا حينها نعرف بعد أن الدنيا تحمل لنا الكثير الكثير... تاهت الصور في دهاليز ريحٍ تعصف لتحملنا كلنا من بُعدٍ إلى بعد، من يوم إلى يوم، من دوائر النهار إلى مشارف المساء...
ووجدتُني اليوم أمام وجع، يرثي النسرين والورد والزنبق... فتختلط الصور في بيت العزاء مع دموع احتبستُها، لكن عبثا... تختلط الصور مع رائحة قهوة مُرَّة، تمتزج مع لحظة فراق، أصوات المعزين هامسة... عيون ذابلة ووجوه واجمة تحاكي الذات... تحاكي الصمت الرهيب الأزلي... تحاكي الخلق... تحاكي الوجود دون كلمات!! تحاكي الناس... يتجمهرون حول قصة ثلاثة أبطال كانوا، وكان لهم أمس ويوم وليل وبيت وابن وزوج وأخٌ وَغَدٌ زاهر ونهار يحمل الشمس فوق كتفيه... لقد كانوا هؤلاء ها هنا بين كل الناس! ورحلوا، ببساطة اللحظة رحلوا! بموت اللحظة رحلوا! مع كل شيء. لقد كانوا هنا بين كل الناس وكانوا يفرحون ويغضبون، يمارسون حكاية الإنسان، يكتبون قصصهم وأيامهم فوق خمائل الورد ويعملون ويُحبطون وينتصرون ويتعبون ويحزنون ويبنون في بيوتهم "جدارات" للياسمين، ويجهّزون عائلاتهم كل صباح ليوم جديد وينطلقون إلى حديقة النهار بشغف الطيور والأزهار، ينطلقون للجديد ويصنعون الجديد... لأجل إنسان... لأجل عدل لأجل كيان...
كان الوجع سيد الموقف... والذهول يرسم معالم غدٍ في عيون لن تراكُم بعد اليوم... تحاول عبثا استحضار آخر صورة، آخر مشهد، آخر لقاء وآخر شيء وآخر شيء!! عيون تتوق للقاء، تتوق لتقول كلمة وداع أو كلمة اشتياق، كلمة إصرار وبقاء واستمرار... والحزن يعتصر القلوب، يخيّم على طرف الشارع، يلملم جراح الورد... حيث كان الموت هناك يلهو مع قاتل اختار الشارعَ مسرحا لجريمة يعبث بها، في حديقة يانعة تفوح عطرا وفكرا وعطاء وخدمة... حديقة جهدوا واجتهدوا ليزرعوها بالحب ويبنوا "جداراتها" بالأمل، ويزينوا مداخلها بالغد وبكل الحلم...
التفكير مُرهقٌ من التفكير... يحاول عبثا أن يفهم أو أن يدرك سيناريو المستحيل! كيف حدث ذلك؟ لماذا حدث ذلك؟ أهو الشارع! أهو الإنسان! أهو القدر! من كان بانتظارهم عند عودتهم تلك الليلة؟ ماذا كانوا يحملون للغد؟ ماذا كانوا يحلمون! هل ستنتظرهم شمس الصباح! هل ستفتقدهم جدران النهار والحديقة والناس غدا!؟ هل سيفيق الصباح بدونهم!؟ أسئلة تعصف بخلايا تفكيري الرمادية... تمتزج بريح الخريف التي بدأت تقرع زجاج النافذة وتتسلل إلى طاولتي المدججة بالورق فوق الورق والكتب فوق الأقلام المبعثرة... وأجدني أتعثر بها، أتلعثم وأنا اشتم الزمن والجهل والانفلات "واللاعدل" "واللامنطق" "واللا- حق" "واللا" "واللا" "واللا".... أبعثر كل الكتب والقواميس والشرائع في حالة الغضب وأبعثر ذاتي بينها، حتى ألوذ بصلاتي في زاويتي لارتفع إلى جبل مقدس... وأرفع كلماتي وحزني إلى السماء علها تمطر فوق "حواكير" الأرض خيرا... نرفع يا رب صلاتنا البيضاء بكل سلامها وطهرها، نسكبها بين يديك دمعا ملوّنا، نروي فيه ظمأ التراب للخلاص...
"أبانا الذي في السماوات"... كلّل دروب الأرض بالنسرين وزيّن وجه القمر وخيوط الشمس بعطر الزهر الأبيض الناصع، لينحدر من عندك، من هناك، من مرافئ الجنة ليفوح في الشوارع المجنونة... ارحمنا نحن الباقين في شوارع الغضب والموت، شوارع العتمة والاحتراب وإعدام الإنسان!... وجُد علينا بالسلام يا الله.
"أبانا الذي في السموات"... احفظ تلك الأزاهير التي بين يديك في سكينة قوارير الخلد... أسكنهم يا رب أثير الأرض... عطرا يفوح في غياهب النهار! وامنحهم راحة أبدية وسلاما في جنات طيبة.
أعطنا ربي، أعطنا الإيمان وامنحنا وامنح أهلهم وبيتهم الصبر والحكمة والسلوان!
حالة صمت.../ حالة خشوع...
* * *
خاتمة/ ينفجر البكاء في دروب لا تنتهي، يروي زهرة بيضاء تبقى هناك، تموت في الأرض نسرينا لتزهر عند مشارف الأفق عناقيد روح وذكرى لا تنتهي...

.