أسيل.... كل تشرين واسمك وأسماء الشهداء بخير../ جميلة عاصلة*

أسيل.... كل تشرين واسمك وأسماء الشهداء بخير../ جميلة عاصلة*


"سيقولون إنهم قاتلوا. أنهم حموا وطنهم. إنهم ماتوا لسبب هام. أما أنا فأقول: إن لا شيء يستوجب الموت. ولكن أحيانا يصبح موتك الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الآخرين. ماذا أقول لأم فقدت ابنها، أو لأخت فقدت أخاها؟ أنا لا استطيع إعادتهم إلى الحياة مهما بذلت من جهود. لكن لدي القوة لاستحضار ذكراهم كي لا ننساهم".

هذه العبارات كانت فحوى رسالة أسيل عبر بريده الالكتروني لأصدقائه من بذور السلام قبل استشهاده. وذالك بمناسبة يوم الأرض الخالد سنة ثمانية وتسعين. حيث كان يعي جيدا أننا لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء لنسترجع شهداءنا، لكنه أشار إلى مهمة الأحياء في تخليد شهدائهم وإبقائهم في ذاكرة أبناء هذا الشعب.

نعم هكذا عشنا مع هذه الكلمات عشر سنوات بأيامها ولياليها. لكن ثمة أيام كانت تخرج عن المألوف. كان أخرها يوم الأرض الخالد. ذالك اليوم الذي استفقت فيه من حلم كنت أجد نفسي كلما دست على بلاطة هبطت تحت قدمي. وكلما نظرت إلى نافذة أغلقت، أو نجمة انطفأت. محاولاتي للنجاة من السقوط كانت متكررة. حيث كنت اشعر أن ثمة يد تمتد لتعترض طريقي ساخرة من قدمي الحافيتين. فكلما حاولت اللجوء إلى أحد كان ينقلب إلى شرطي يعترض طريقي. برق ورعد عصف بقلبي ليلتها. حاولت بعدها أن اخرج من ذلك الكابوس لكنني لم أجد الباب. حاولت أن أمشي فلم أجد قدمي. حاولت أن أصرخ فلم أجد لساني. فتحت النافذة على مصراعيها كالمجنونة فلم أجد الأفق. وهكذا تحقق الحلم بعد أن تجاوزت تلك الحالة وخرجت لأطمئن على ملامح القرية في صباح يوم الأرض. حيث الصدمة كانت أكبر من أن تحتمل. فمؤامرة السلطة تكتمل بمجيء المجلس المحلي ليزيل أسماء الشهداء ويستبدلها بأسماء أخرى بعد أن كانت المؤسسة قد محت أسماءهم من سجل الحياة.

نعم ها هي قضية الشهداء تدور دورتها الواسعة في هذه السنوات العشر. وها هي القيادات فد جلست وفي نيتها ترقيع مواقف كانت قد ملئت بالثقوب، هذا بعد أن ساروا مدة عشر سنوات في طريق كانوا قد رأوا فيها أزمة سير، لكنهم مع الأسف لم يروا ولم يعرفوا إلى أين نحن سائرون.

من هنا ومن منطلق الواقع المرير، كثيرا ما كنت احتضن قضية الشهداء كالأم الرؤوم وأذهب بها إلى كل مكان، وذلك خوفا من أن يلتقطها قيادي هنا أو رئيس مجلس هناك. فها نحن نراهم أكثر من أي وقت مضى وفي كثير من المناسبات يتراكضون إلى موائد الذل التي تنتهي بإجهاض معظم قضايانا قبل أن تتم شهرها التاسع.

سؤال اشغل بالنا كثيرا ألا وهو : كم يا ترى عدد هؤلاء ممن دخلوا إلى تلك الغرف المغلقة وخرجوا بعدها دون أقنعة واقية أو بقايا ضمير يلاقون به وجه ربهم يوم الدين؟

ولكي لا أبعثر الاتهامات جزافا. أقول: صحيح أن هنالك تفاوتا في المواقف. لكن من المؤكد أن هنالك من يسير وبيده سلة فارغة من القيم. ونحن ندري أيضا جيدا أن عصفورا صغيرا يدخل محركات طائره قد يعطل سفرها لبضع ساعات أو ربما يلغي رحلتها نهائيا.

عشر سنوات عانت خلالها قضيه الشهداء من تراكم الشعارات فوق بعضها البعض دون أي فعل أو حركة من أجل تحقيق العدالة، مما جعل هذه الشعارات أخطر من الشحوم على شرايين أبناء هذا الشعب.

من هنا كنت انصح في نهاية هذا العقد وهذه الذكرى أن لا تنام قضية الشهداء في حضن قيادي ليلتين متتاليتين، وذلك لأنهم أفقدوها بريقها ولأن كل واحد يبسط سجادته باتجاه ليصلي عليها. لكن ما يقلق في الأمر أن الجميع لا يصلون على سجادة واحدة. فذاك يصلي للشمال وآخر يصلي للجنوب.

عشر سنوات تنتهي وتنتهي معها لغة الكلام. أما أنا سأظل هنا انتظر إلى حين وصولي إلى الدار الآخره. وبالطبع سأعانق الشهداء لكنني لن استطيع أن أعدهم بأن القضية بأيد أمينة، لكني أذكّركم وأذكّر الشهداء بعد حين أننا نحن، وليس أحد غيرنا، سنبقى الصندوق الأسود الذي سيرجع إليه كل من يود معرفة الحقيقة.