أنا الطفل العربي / د. عواد أبو فريح

أنا الطفل العربي / د. عواد أبو فريح


لم أولد بعد... ولم أر النور... بل قل أي نور... لم أر الظلام... أي ظلام... لا أعرف أنور ينتظرني أم ظلام... لأنني لم أولد بعد... لكن الخطط ضد ولادتي وضد كياني قد ولدت... أين ولدت؟ في الظلام... ثم لمعت واختير لها الأسماء البراقة... وقالوا من أجل "حقوق الإنسان" ومن أجل السلام... كانوا يحيكون لي مستقبلي سقفاً قصيراً دون جدران... لكي لا أنمو ولا يزداد طول قامتي إلا بميزان "حقوق الإنسان"... وإن حدثت المعجزة ونما عقلي وفكري واكتشفت آية النور وسر الظلام... حاصروا جسدي وقطعوا رزقي... لأنني طفل عربي... هذا قدري.

كنت إنساناً حراً هناك في رحم أمي... كنت إنساناً حراً هناك في زمن عمر... فصرت الآن مجرد رقماً مغضوباً عليه... أنا الطفل العربي... أنا المقصود في حسابات الحكومة ومنظار الجنود... أنا الطفل العربي المذكور في عهود الوزير المقطوعة قبل الإنتخابات... وبعد تشكيل الحكومة وعند تمرير الميزانية السنوية أنا المقصود عندما يحسب الوزير النقود... كم يعطي لتهويد الجليل وكيف يتم تقليص المثلث في هندسة العالم الجديد... أنا الطفل العربي الذي يقلق علماء الإحصاء في الجنوب... أنا الرقم المطلق... أنا النسبة المئوية أنا الخطر... أنا القنبلة الزمنية.

عندما ولدت صرخت صرخة عادية... لأنني طفل لا أعرف فنون المسرحية... فسرعان ما وجدت نفسي في معركة يومية... وقالوا لي هذه الحياة... فأخذت دوري في الحياة... في صراع البقاء... آكل من حليب أمي وأشرب مع أبي الماء ثم أجلس مع إخوتي نقتسم الهواء...

فمشيت حتى أوقفوني في وسط الطريق وسلموني شهادة صفراء... مكتوب فيها... أنت طفل عربي... ممنوع أن تولد... ممنوع أن تعيش... ممنوع أن يكون لك قسيمة أرض ولا حتى سماء... ممنوع أن تشبع خبزاً ولا تكثر من الماء ولا حتى من الهواء...لأنني أنا طفل عربي صاحب إنتماء... قالوا إذا شئت أن تعيش فلا تحمل الهوية... يجب أن تذوب في عالم الأمم المتحدة والقوانين الدولية... لا تلبس ثيابك الرسمية ولا تغضب إله العلمانية والديموقراطية والتقدمية... هذا المنهج وعليك الإلتزام بالخطة العلمية... في هذا القفص إلعب واتعب والأفضل أن تنام نومة هنية... ثم قصقصوا لي ريش أجنحتي الزائد عن بعد القضية... ثم أحضروا لي معلماً يعلمني فن إقتحام السماء... وسرعان ما فهمت النظرية... أنا الطفل العربي المعجزة صاحب الهوية...

فجأة أصبح للخبز منطق وللماء لغة حتى الهواء صار يحمل هوية... فصرت أعرف حدودي ولا أمشي إلا تحت خط الفقر... ودون نسبة النجاح المطلوبة مع أب عاطل عن العمل وأم مغلوبة... تحمل في بطنها تهمة جديدة... أنا الطفل العربي أنا المقصود إذا هدم بيت أو دمر مسجد أو شكلت حكومة... أنا مدار حديثهم أنا القلق أنا الأرق... أنا الصغير الذي يخيف كبارهم... أنا الضعيف الذي يغيظ أقوياءهم... بمجرد وجودي... أنا الطفل العربي الذي كشف سر آية الوجود.


_______________________
د. عواد أبو فريح - رهط
مؤسسة النقب للأرض والإنسان