الأسرى حين يَضحكون.. وحين يَفرحون../ د.عدنان جابر*

الأسرى حين يَضحكون.. وحين يَفرحون../ د.عدنان جابر*

أكثر الناس ضحكاً أكثرهم ألماً، فماذا نقول عن الفرح؟!
أسوأ الناس، وأكثرهم تعاسة، من لا يَفْرَحون، ولا يُفْرِحون. الأسرى بشر لهم ضحكهم ولهم فرحهم. ربما أنهم، عندما يضحكون، يضحكون من قلبهم، لأن هذا القلب مفعم بالألم، وهم قادرون، وإن حملت أجسادهم شتى الأمراض والتشوهات، على إدخال المسرة إلى القلوب فقط بمعنوياتهم العالية، عندما يمتلكون هذه المعنويات، وحين يجسدونها، ولأن لديهم هذا الحزن الشفيف الذي لا يَكُفُّ عن الاتصال بفضاء الحلم، أو حلم الفضاء.

لقد لاحظت، ومعي زملائي الأسرى، أننا كنا نضحك في السجن أكثر مما نضحك خارج السجن, كما أن معنوياتنا في سجون العدو الصهيوني كانت أعلى مما هي عليه في دنيا العروبة أو في عالم الغربة. ربما لأننا لم نجد خارج السجن دنيا واسعة بل صندوق عجب، من يراه سيغني، بالجيم المصرية: عجبي! ، ولأننا لم نجد "أمة عربية واحدة" في الواقع، كما هي في القصائد والشعارات، ولأننا من الصعب، والنادر، أن نجد في ما يحيط بنا ما يُفرِح، وما يَسُر. هذا صحيح، ولكن الأمور أعمق من ذلك، والصعوبة تبدأ عندما ندخل في التفاصيل.

ببساطة، دون ادعاء، أو بطولة، في الأسر امتلكنا القدرة على الضحك والفرح لأننا أردنا ذلك، بقرار ذاتي وجودي، كي نستمر في الوجود بكرامة، وبتوازن إنساني، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، كي لا يشمت بنا العدو، لا تخوننا الروح إن خاننا الجسد، وكي لا يخوننا بحر الخيال إن خاننا بر التشابه.

أن تضحك وأن تفرح هو شكل من أشكال الدفاع عن النفس، في مواجهة السحق والخواء والبرود واللامبالاة وقلة الوفاء، تماماً مثلما تدافع عن نفسك عندما تكتب قصيدة، ترسم لوحة، تعزف، ترقص، أو تغني، على ليلاك!

سأحكي عن التراجيكوميديا، أو الضحك الأسود، لدى عبد الرحمن سميري من خان يونس، الذي أعرفه أسيراً "سابقاً" عندما كنت معه في الأسر في سجن بئر السبع، ولا أعرف إن كان الآن أسيرا "راهناً"، إن كان الآن فوق التراب أو تحت التراب، فمن يضمن من عندما يكون كل فلسطيني مرشح شهيد أو أسير في ظل احتلال، هو من أقبح وأسفل ما عرف التاريخ من احتلالات، والأعمار بيد الله.

عبد الرحمن السميري لم يكن "فاقداً للبصر" بل "نظره خفيف". في سجن بئر السبع عام 1973 عندما كان أحدهم يلعب الشطرنج مع عبد الرحمن كان يقول لعبد الرحمن من قبيل الدعابة: "يا عبد الرحمن، كيف بدك تغلبني وانت أعمى ما بتشوف". وعندما يفوز عبد الرحمن كان "يطنطن" بفوزه في الغرفة، حتى يسمع بقية الأسرى وهو يقول: " بضل يقول لي ما بتشوف.. هاي أنا غلبته".

في السجون، كان بعض الأسرى يقومون بتطريز أشياء معينة على مناديل ويهدونها أثناء الزيارة للأم، للزوجة، للأولاد، للخطيبة...

أراد عبد الرحمن أن يجرب "موهبته!" مع التطريز. في أحد الأيام، بدأ منذ الصباح الباكر في عملية التطريز. بعد جهد، تمكن من وضع الخيط في ثقب الإبرة، وضع المنديل على ركبة بنطاله، وشرع في ما قرر في ذهنه أن يكون هدية للأهل. بعد أكثر من 5 ساعات من العمل المتواصل أنهى عبد الرحمن المهمة، وأراد أن يرفع المنديل عن ركبته ليتأمل ما أنجزه، لكن المنديل أبى بعناد أن يغادر مكانه، لأن "قُطَبْ" التطريز كانت ملتصقة مع ركبة البنطال. لاحظ أبو العبد عوني فروانة, وهو والد الأستاذ عبد الناصر عوني فروانة مدير دائرة الإحصاء في وزارة شؤون الأسرى والمحررين في فلسطين حالياً، لاحظ ما جرى لعبد الرحمن وجاء إليَّ قائلا: " أنظر، أنظر إلى عبد الرحمن". نظرت إليه وكان يمسك رأسه بين يديه وينظر إلى المنديل الملتصق، بحسرة وحزن، لقد ذهب جهده وتطريزه سدى، تجمع عدة أسرى عند عبد الرحمن، وعلق أبو العبد فروانة وهو يضحك: " قلنا لك يا عبد الرحمن إنك ما بتشوف" ، أحد الذين كان عبد الرحمن يهزمهم في الشطرنج عدة مرات وكان "يتفلسف" ويقول في كل مرة بأن فوز عبد الرحمن هو "صدفة" وليس "ضرورة"، علَّق قائلاً: معلش يا عبد الرحمن أرسل البنطال بالكامل، آخر قال: أرسل "فردة" البنطال، ووجد أحدهم حلاً: " بسيطة، قص الركبة واعطيها لأهلك مع التطريز"، والكل يضحك، وعبد الرحمن السميري ينظر إليهم وإلى التطريز، ثم ما لبث أن انضم إليهم، وانفجر ضاحكاً.

في شهر آب من عام 2005،شهدت قرية النبي صالح شمالي رام الله مراسم خطبة المحكومين بالسجن المؤبد في السجون الإسرائيلية نزار التميمي، المنتمي إلى حركة فتح، وأحلام عارف، العضوة في حركة حماس. وفي قاعة وسط القرية، تقدم والد العريس لطلب يد العروس، ووزعت الحلوى والمشروبات مثلما يجري في أي خطوبة عادية. وقال والد العريس أن هذا الحفل "هو تأكيد على أن الشعب الفلسطيني مصر على الحياة ونحن نسعى إلى قتل الألم بالأمل". وعبر والد العروس عن أمله في أن "نحتفل بهما هنا وسط القرية عن قريب".

وأوضح والد العريس أن ابنه بعث له برسالة قبل أيام قال فيها إنه اتصل بأحلام، المسجونة في تلموند، بواسطة الرسائل من سجنه في عسقلان، وانه اتفق معها على الخطوبة. وحول ما إذا كانت هناك مشكلة في انتماء العروس إلى حركة حماس والعريس إلى فتح، قال والد العريس: " أعتقد أن ألم السجن أذاب هذا الفارق".

وكانت والدة العريس قتلت على أيدي مستوطنين بعد أن تعرضت للضرب بينما كانت في طريقها لحضور محاكمته عام 1993 .

(المصدر: موقع الإنترنت "عرب 48"، 27-8-2005)

الأسير وليد دقة من فلسطين المحتلة عام 1948، اعتقل عام 1986 ولا يزال حتى الآن في الأسر. منذ 20 عاماً وهو يتنقل بين السجون الإسرائيلية، وفي سجن نفحة الصحراوي عاش سوية في غرفة واحدة مع الأسير العربي اللبناني البطل سمير القنطار. يمضي حياته خلف القضبان، يتعلم، ويكتب، ويفكر في شعبه وقضيته، ويتطلع إلى المستقبل، كإنسان مناضل صامد وفعاّل ومتفائل، خاصة وأنه تربطه مع سناء، التي تنتظره خارج السجن، قصة حب غريبة ورائعة، سلاحه اليومي في السجن المطالعة والرياضة وكتابة الرسائل لحبيبته.

اتخذت سناء قراراً بالزواج من وليد وهو خلف القضبان، بعد أن تعرفت عليه من خلال اهتمامها بشؤون الأسرى ومناصرة قضاياهم. تقدما بطلب عقد قران في السجن وأن تسمح سلطات السجن بحضور المقربين من العائلتين وأن يحضر الحفل 22 أسيراً من أصدقاء وليد، وان يتم السماح بالتصوير بالفيديو والكاميرا العادية والسماح بسماع الموسيقى كأي عقد قران عادي. في البداية تم رفض الطلب ولكن جاءت الموافقة بعد ذلك بمساعدة وتدخل الدكتور عزمي بشارة، وكان وزير الأمن الداخلي آنذاك والمسؤول عن السجون "شلومو بن عامي"، وهو بروفيسور قادم من الجامعة يحمل آراءً متنورة وتقدمية.

كان ذلك قبل أحداث أكتوبر التي استشهد فيها 13 شاباً فلسطينياً من عرب 48 . تم الحصول على كل الطلبات باستثناء السماح لـ 9 أسرى فقط بالمشاركة وليس 22 كما طلب وليد، وتم عقد القران داخل سجن عسقلان يوم العاشر من آب (أغسطس) عام 1999بحضور الشيخ الذي استغرب الموقف قائلا أن هذا أغرب عقد قران يجريه في حياته. عقد القران شكل سابقة في تاريخ الحركة الأسيرة، وكان الأسرى في سجن عسقلان يجرون حفلة موازية لحفلة عقد القران داخل غرفهم، كانت لحظات فرح أبكت الكثيرين منهم.

بدأت سناء تزور وليد مرة واحدة كل أسبوعين لمدة 45 دقيقة، يفصل بينهما شبك حديدي، وكانت تتمكن من الإمساك بأصابعه خلال الزيارة، بعد ذلك صارت تزوره بوجود زجاج عازل قررت مديرية السجون وضعه بين الأسرى وأهاليهم. تقول سناء: إذا رزقنا بطفل في المستقبل سنسميه "ميلاد" لأنه سيشهد ميلاد الدولة الفلسطينية الجديدة.


(المصدر: موقع الإنترنت "فلسطين خلف القضبان"، 5 حزيران 2004 بقلم: عادل سالم)

تحولت فرحة عائلة الدمج في مخيم جنين بزفاف ابنها لحزن ودموع بعدما اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الشاب جميل محمود الدمج (30 عاماً) بعد أيام من زفافه.

وقالت العروس وهي تبكي: " لن أنسى أبداً هذه اللحظات. فالعالم يقول عن الشعب الفلسطيني أنه إرهابي ولكن الإرهاب هو الاحتلال الذي يصر على التنغيص علينا وسلبنا حتى الفرحة. فما ذنب زوجي الذي لم يكد يعيش لحظات الفرح التي يحلم بها كل إنسان حتى اقتحموا منزلنا وسط إطلاق الرصاص واقتادوه للمعتقل دون رحمة أو ذنب أو سبب؟ الاحتلال هو الإرهاب، فقد حرموني الفرحة التي تحلم بها كل فتاة عند زواجها..أي ظلم أكبر من ذلك؟ فلا زلت استقبل المهنئين والآن غمر الحزن حياتنا والفرح اختفى وحل مكانه الحزن والأسى على غياب زوجي الذي نقلوه لجهة مجهولة"..

جميل لم يكن مطلوباً للإسرائيليين ولم يصدف أن تمت مداهمة منزله خلال فترات الاجتياح السابقة، كما أنه لم يدرج اسمه في قوائم المطلوبين، ولم يسبق أن تم اعتقاله.
قال والد العريس لجنود الاحتلال وهم يأخذون ابنه: "إن جميل عريس وحرام عليكم.."، فقالوا له: "مبروك، ولكنه سيقضي شهر العسل في السجن" !!


(المصدر: موقع الإنترنت "أمين"، 1 كانون الأول 2005 بقلم:علي سمودي)

هكذا نحن الفلسطينيين، نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا، كما يقول محمود درويش. الاحتلال ينغص علينا حياتنا، ونحن لا نحاربه فقط لأسباب سياسية وقومية وتاريخية ودينية، بل كذلك لأسباب جمالية ونفسية. إذا أردنا أن نضحك ونفرح بسوية إنسانية، علينا أن نزيل الاحتلال، وإذا كان الاحتلال أكبر غم، فإن إزالة الاحتلال أكبر عرس !


* كاتب فلسطيني من مدينة الخليل، دكتور في الفلسفة، أسير سابق ومبعد. مقيم في دمشق...

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019