القابضة على اللجام / سعيد نفاع

القابضة على اللجام / سعيد نفاع


شيء ما قبض على صدره أو انقبض في صدره، تطاول بلا حياء إلى الأعلى وبلا استحياء انحدر إلى الاسفل وراح بين حيائه واستحيائه يعلو جارحاً ويهبط جارحاً. كل ذلك حين حطّ الخيلاءُ مدججةً بكل أنواع السلاح القاتل غير آبهة بما حولها قابضة على لجام الفرس التي اقتحمت الميدان مزينة من أخمص حوافرها حتى ذروة عرفها.

الفرس متوترة تلهث، زينتها إمّا فرح عارم واما حزن طامر فَحَولها دموع وزغاريد، والقابضة على اللجام تعانق الأفق لا يبدو أنها تعير ما حولها اهتماماً، واثقة من مضاء سلاحها.

عرفها ولم يعرفها عرفته ولم تعرفه، ثم ابتلعتها الفرس المزدانة من أخمص حوافرها حتى أعلى عرفها، والتي ما زالت تلهث يعلوها التوتر. خال نفسه يرى القابضة على اللجام تبكي، أويبكي الفرسان؟ وخالها تضحك، أويضحك الفرسان؟ نعم يضحكون ويبكون واعذب البكاء بكاء الفرسان وأمرّ الضحك ضحك الفرسان !

كان لا بدّ أن يتقدم رغم خوفه، الفرس ما زالت مكانها تلهث والقابضة على اللجام متوارية، فاقترب من الفرس مخاطراً ليكتشف أعذب البكاء وأمرّ الضحك، لكن القابضة على اللجام لم تحقق له رغبته.

رغم فراسته حجبت عنه قطرات الندى المالئة المكان أن يكتشف إن كانت الفرس تنتظر فارسها أو أن انتظارها اياه مضى ولن يعود. القطرات المتلألئة رغم حر الشمس لم تنبئه الخبر أو أن ادعاءه الفراسة محض إدعاء. هل القابضة على اللجام أم الفارس تبكي فرحه أو تبكي الخوف من لا-عودته؟ رغم إنها مدججة بكل أنواع السلاح القاتل عن بعد الفتاك عن قرب، والقادرة أن تحميه. لم يعرف إن كان يجب أن يحمد ربّه، القريب من المكان، الذي لا يحمد على مكروه سواه، على أن لم تمكنه القابضة على اللجام أن يسبر غور التساؤلات أعلاه، لكنه تابع المسير واتخذ موقعه ينتظر احتدام المعركة.

دارت الرحى فاختلط الحابل بالنابل، دموع تطلق سهاماً وبسمات تطلق مثقفات، خشوع وتمرد، ايمان وكفر، مناجاة ومناداة ودمع وخفقان قلوب فرحة ووجيب قلوب دامية وموت ماض وولادة مستقبل وأكاليل. وهو لا يعرف كيف سيخرج من الساحة أطريح أم جريح ؟! فالقابضة على اللجام رصدته في موقعه وراحت تضرب حيناً بدموعها سهاماً اشد من الشهب، وحيناً بافترار ثغرها مثقفات أحدّ من اللهب. لم يستطع أن يحصي الضحايا أو لم يعرف اصلاً ان كان غيره ضحية تدلت على يسار قبضة القابض على صدره نبال تزاحمت ومثقفات تكسرت.

هدأ أوار المعركة فبكى من انتصر وبكى من انكسر، لكن لم يبقَ في الميدان ما يدل على على شدة سعيرها غير ذلك الجريح المدلاة على يسار القابض على صدره نصال حانية ونبال دامية. راح يجرجر نفسه خارجاً وغبار المعركة يكلله دون أن يدري إن كانت القابضة على اللجام جاءت تندب فارساً أو تزف فارساً، فالدنيا في ديارنا تمطر إن ارتحل الفرسان وتمطر إن اعتلى الفرسان. لكن المعركة انتهت على الأقل بفارس ابتلع جراحاً حتى الثمالة ولم تسعفه أو توقظه نسمات الجنوب التي تدحرجت على محياه حارة باردة. وظلت وقائع المعركة تملأ حناياه وطال انتظاره وألم الجراح يخبو رغم شدتها ولات تندمل.