مدارات: بطاقة سفر خارج "الحدود" / أدونيس

مدارات: بطاقة سفر خارج "الحدود" / أدونيس

- 1 -

نيويورك 8 أيار (مايو) 2004. خطواتي في مكانٍ وأفكاري في مكانٍ آخر. غَصّةٌ تمسك بأحشائي. أتنشَّق هواءً ملتبساً, وصعباً على الرئة. وما أوهنَ هذا الوقت العربي.

- 2 -

زجاجٌ يبدو كأنّه يأمرُ السماءَ لكي تتمرأى فيه.

فولاذٌ وبلاستيك. ضجيجٌ ودخان. غبارٌ وأنقاض. صورٌ ولافتاتٌ تحوّل الاسمنتَ الى غابةٍ من الملائكة.

سندويشٌ كونيّ.

- 3 -

تايم سكوير - أهو المكانُ الملائم لكي أرسم في ذهني خريطةً للأمكنة الأكثر اضطراباً في العالم؟

خِفْيةً, تقدرُ أن تضعَ اسم فلسطين بين هذه الأمكنة.

ربما, خِفْيةً كذلك, تنزل السماء في ثوبٍ رماديّ وتشدّ, صامتةً, على يدك.

- 4 -

بخارُ ماءٍ إلهيٍّ,

يَغْلي في قِدْرِ التاريخ, سابحاً بين الجدران العالية.

- 5 -

بياضٌ

كمثل جبلٍ عالٍ يصعد عليه السوادُ مُقْتدياً بسيزيف.

- 6 -

- كيف تستخدم وقتك؟

- آكل عندما أحِسّ بالحاجة الى النوم. أنام عندما أُحسّ بالحاجة الى القراءة.

- 7 -

ما هذه الآلةُ - الآلة؟

أكلّما ازدادتِ الأمكنة قداسةً, ازدادَتْ عُنفاً؟

- 8 -

الهوية في نيويورك مسألةٌ في المَعِدة.

- 9 -

وول ستريت -

حدثٌ كونيٌّ,

يتدرَّب العالم في جوفهِ,

على التهامِ اللحم النَّيء.

- 10 -

يسيلُ التّعب من عنق هذه الكنيسة,

كأنه يسيل من عنق التاريخ.

عِقْدُ ألفاظٍ يتدلّى فوقها محفوفاً بالكواكب,

ألفاظٌ تبدو كأنها أكثر قِدماً من اللغة!

- 11 -

أوه! هل أصبحتِ الحياةُ نفسها

مِلَفّاً رقمياً؟

- 12 -

فضاءٌ مفتوحٌ كالجرح.

كيف أواجه الزمنَ في هذا الجرح إلاّ بالزمن الذي يجلس اللّه على عرشه؟

ولن أقيسَ نفسي إلاّ باللانهاية.

- 13 -

أحبّ الآن, في هذه اللحظة,

أن أسأل الكتُب المقدّسة:

في أي مُنخلٍ

نَخَلْتِ كلماتِ الآلهة؟

- 14 -

عنفٌ يكادُ أن يكسرَ جذع اللغة,

وليس للوقتِ وقتٌ لكي يقتفيَ خطواتِ الموت.

- 15 -

هل تريد أن تُصبحَ الحقيقةُ واقعاً؟

إذاً, ليس عليك إلاّ أن تفتَرِضَها.

- 16 -

برودواي -

لم يعد للمخيّلة ما تتكئ عليه غير المعدة.

*

في حضن امرأةٍ يابانية

رجلٌ مكسيكيٌّ.

*

في داخل كلّ رغبةٍ, جُثّة.

*

ما هذا الزمن الذي لا يحضر إلاّ في شيءٍ غائب؟

*

نِساءٌ كمثل عرباتٍ تجرّها الفاكهة.

*

- 17 -

- "ما رأيك في ما يُسمّى, اليوم, باليقظة الإسلامية"؟

- دائماً, كان الإسلام يقظاً. ما نراه, اليوم, ليس "يقظة", وإنما هو أدْلَجةٌ لليقظة المتواصلة. وهو, إذاً, نوعٌ من تغطيتها وحجبها, والانحرافِ بها نحو اتجاهاتٍ سُلطويّة - عُنفيّة.

ما نراه من هذه اليقظة - الأدلجة, إنما هو نوعٌ آخر من التقنية اللغوية, تقابل التقنية المادية الأميركية. وهي تقنيةٌ تقوم على طمْسِ الذاتية الفردية (أو التضحية بها) من أجل الذات الجمعيّة الكبرى التي هي الأمة. تقوم كذلكَ على نفيِ الآخر المختلف, أو جعله شبيهاً أو تابعاً.

تماماً كمثل ما تفعل التقنية الأميركية - مشحونةً بالسياسة المشحونة بالدين والعلم.

ثمّة وحدةٌ في هذه الرؤية الوحدانية الى الانسان والعالم.

- الرؤية الوحدانية؟

- نعم. ولن تُفيدَ إعادة النظر في التقنية المادية شيئاً, إذا لم تقترن بإعادة النظر في "التقنية الروحية" التي تمارسها الوحدانية - منذ مؤسسها الأول أخيناثون الذي أسس لإبادة المختلف, ثقافةً وحياةً. ولقد فشلت الوحدانية, حضارياً, قبل فشل التقنية المادية. ولعل فشل الأولى أن يكون في أساس فشل الثانية. (...)

- 18 -

يزداد الدين في الولايات المتحدة تسارعاً في تحوّله الى سمكة تسبح في ماء السياسة, وذلك على رغم الاتجاهات العلمانية القوية فيها. كذلك الشأن في السياسة: تتحوّل الى سمكة تسبح في ماء الدين.

وهو تحوّلٌ يتجاوز النظر الى العمل.

تحوّلٌ يتجسَّدُ, ويتقعَّدُ, ويتمأْسس.

غير أن لهذا التحول بذوراً تاريخية, وهو لذلك نوعٌ من الاستمرار. فلقد قام الفكر الأنكلوسكسوني - الأميركي منذ تأسيس "العالم الجديد", على رؤية دينية خاصة, وعلى إيديولوجية دينية سياسية, أو سياسية دينية. كان هذا الفكر يؤمن أن المؤسسين الأول لهذا العالم "شعبٌ مختارٌ" آخر, وأنّ له, هو كذلك, رسالةً خلاصيةً للعالم: الحريّة والديموقراطية... الخ.

واليوم, تعمل الولايات المتحدة, بفعل هذا الفكر, لكي تصبح "شُرطيَّ" العالم, الساهر طبعاً على حرياته, وعلى الديموقراطية.

غير أن هذا السَّهر الشرطيَّ - الانقاذيّ, يكاد أن يدخل العالم, عملياً, في حالة من العبثية أو العدمية الإنسانية, لم يعرف التاريخ من قبل ما يُماثلها.

ومن الطبيعي ألاّ يكون الساسة العرب في عِداد الذين يهتمون بهذه الظاهرة, أو يقلقون منها - وإن كانت تستحوذ على اهتمام "أصدقائهم" من الساسة في أوروبا والعالم. فلكلٍّ من الساسة العرب مملكةٌ خاصةٌ تختصر الكونَ كلّه: أَعطوني كرسيّ الحكم, وخذوا ما تشاؤون.

هكذا لا تدخل السياسة العربية في ميزان التاريخ, ناهيكَ عن ميزان الواقع.

هل أقول, إذاً, يجدر بالفكر العربي أن يستنفرَ طاقاته لكي يقلق, ويحاول أن يُجابِه؟

لكن, ماذا يقدر أن يفعل فكرٌ يعمل هو كذلك لكي يُصبح سمكةً تَسْبحُ في ماء الدين؟

كلاّ, لا تمكن محاربةُ "دينٍ" بدينٍ آخر.

ثم إن الدين, كل دين, هو, تحديداً, ماضٍ, حتى "المستقبل" الذي يبشّر به ليس إلا "ماضياً".

والفكر, تحديداً, هو الفكر الذي يخلق المستقبل.

- 19 -

من تجليات "الرسالة الخلاصية" الأميركية, فكرة "الحرب الوقائية". فهي فكرة تُضمر احتقار الآخر, لحظة ادعائها انها تحميه وتحرره. وهي إعلان حرب على النية, أو على ما لا يُعرَفُ حقاً. وهي إلغاءٌ لكل قيدٍ أخلاقيّ, أو أيّ معيار أخلاقيّ.

وفي هذه الحرب يُصبح كل شيءٍ مسوَّغاً, ويصبح الكذب هو نفسه الحقيقة.

إن فكرة "الحرب الوقائية" هي اليوم من الأكاذيب الثقافية الاقتصادية الأميركية الكبيرة, إن لم تكن "الاكذوبة الكبرى".

- 20 -

الغرب, اليوم, وبخاصةٍ الأميركي, لا يُسيطر على "الشرق" بشعره, أو فنه, أو فلسفته, وإنما يسيطر عليه بالسوق وبالتقنية, أي بنوع من العنف.

إنها سيطرة تدعو الى هذا السؤال: هل الغرب في ذلك "يخون" الشرق و"يتملكه", أم انه يخون نفسه ويخسرُها؟

خصوصاً أنّ للغرب, منذ بداياته, رسالة تقوم على القول بمجتمعٍ كونيّ يتألّف من بلدانٍ متساوية. يعمُرها رجالٌ ونساءٌ متساوونَ وأحرار, بلدانٍ تنهض وتتقدّم بفضل العلم الذي هو في خدمة الإنسان أياً كان, والذي يُولّد الازدهار والنموّ بحيث تنتفي أسباب الحروب, وأسباب العدوان.

أفلا يحق القول, إذاً, إن مسألة الغرب, اليوم, لم تعد مسألةَ تدهورٍ حضاريّ, كما رأى شبنجلر, بِقَدْرِ ما أصبحت مسألة فقدان الهوية, وخسارة الذات؟

الغرب والشرق, اليوم,

يلتحفان معاً

الضوءَ والظلامَ

كأنهما خيطٌ واحد.

- 21 -

نهر الهدسون -

من جديدٍ, أصغي إليه يدحرج حصى الأزمنة. أكاد أن أرى بينها تلك التي لا تزال ترتسم عليها أجسام طيورٍ وغزلانٍ عاش معها الهندي الأحمر وعشقها.

لن تمحوَ هذه الرسوم, أيها النهر, مهما عركتَها بمائكَ - مُوحِلاً أو عذباً. وسوف تتّخذ أشكالاً تليق بهذا السَّفَر في أحشائك.

*

تُحبّ الحقيقة أن تخرج من بين شفتيْ هذا النهر الشيخ.

(عن "الحياة")