عودة القطار إلى الخريطة ـ إلى محمود درويش مرة ثانية/ تيسير نظمي

عودة القطار إلى الخريطة ـ إلى محمود درويش مرة ثانية/ تيسير نظمي

إلى محمود درويش مرة ثانية

عرفنا في طفولتنا سكة القطار التي تمر غربي سيلة الظهر وتصل إلى جنوبي قرية العطارة الأقرب غربا إلى سواحل عكا وحيفا ويافا وعسقلان ..قبل أن نعرف القطار. لذلك ليس اكتشافا ما جاء به أخونا محمود درويش عندما اكتشف فجأة وبعد قرابة نصف قرن أن القطار سقط عن الخريطة. لكنه انتباه يشكر عليه دون أي جهد أكبر و نثري ليناقش عمق الدلالة عوضا عن ضياعها في تلك الغنائية المنبرية التي تستطيب الذهاب بالجمهور إلى مقاعده في الصالات المنبرية عوضا عن الذهاب عميقا في الطحين. و حكاية الطحين هذه أيضا لا توصل الانتباه لأيام الكراديش التي لا أظن مفردتها وردت مرة واحدة في شعر درويش بمجمله، لكنها على ألسنة كل القرى الفلسطينية التي عانت من تركة القطار الذي نفق وبقيت سكته، وتركة الأزمة الاقتصادية العالمية ما قبل الحرب العالمية الثانية ، التي أتت لنا بأولاد عمومتنا الضائعين بين محطات القطارات الحامية الهادرة في جميع أنحاء أوروبا. سكة الحديد لم تزل شاغرة على أي حال لغاية هذه اللحظة دون أدنى انتباه أيضا لكون الشارع المسفلت الذي حل محلها يرتقي سلسلة المرتفعات شرقي السكة ويعلو بأنفة على قريتي كفار لاوى اليهودية المنقرضة وعلى قرية السيلة الناشئة التي استمرت بالنمو متسلقة جبل القبيبات حيث بنات سيدنا يعقوب و صحراء العرب شرقا من ورائه والتي عزقنا إليها مرة عقب النكبة وأخرى بعد النكسة في الحافلات المتجهة شرقا وليس في القطار المتجه شمالا أو جنوبا لا قدر الله.

ومنذ الخمسينيات وقرية سيلة ظهر القبيبات تنمو لتصبح عشية حرب 67 بلدة ومديرية ناحية ورغم ذلك لم تتمدد غربا تجاه تلك النائية جارتها أو تلك المندثرة في التاريخ لاوى. بل ظلت تتمدد بما أضيف إليها من مستوطنة حوميش الصغيرة نحو الجبل شرقا حاملة وعود الضياع لأبنائها المسلمين ولأحفادها اليهود المستجدين الذين هم أيضا لن يهمهم مقام لاوي قدر ما يهمهم الورق : ورق العملات وورق التوراة ونسائم الصيف فوق الجبل المطل جنوبا على بلدة برقة باتجاه نابلس جنوبا و على جميع القرى في مدى البصر المحيطة بنابلس وجبل جرزيم شمالا وكذلك قرى شرقي طولكرم مثل بلعا وغيرها. لم نر القطار إذن طوال أكثر من نصف قرن يمر أو يهدر من بين دهاليز قرانا  وكذلك غيرنا من جيل الآباء لم يره أيضا قرابة نحو قرن منذ كف الأتراك عن تحميل القطار بغلة شقاء الفلاحين ومواسم حصادهم وجباية الضريبة. وهكذا هجر المحدثون سكة حديدهم نحو زفتة شارعهم النفطية بامتياز وإن لم يشهدوا القطار فقد أصبحوا يشاهدون السيارات من التاكسي لشاحنات البطيخ لعفريتة شرطة السير الأردنية تمر من الشارع الذي يصل جنين بنابلس وطولكرم جنوبا وجنوب غرب . بقي الشمال إذن مجرد ثلوج جبل الشيخ وبقي الجنوب مجرد الكنافة النابلسية والصابون وموز أريحا الفواح. عالم يخلو من قطار ويمتلئ بضوء الشمس الذي تحجبه غيمة فوق يعبد أو سحابة فوق عرابة أو خط أبيض في سماء زرقاء لطائرة مجهولة الهوية تمر ولا تلتف حول أجنحتها خيطان طائراتنا الورقية خير راصد لاتجاه الريح وخير واصل لأبصارنا بزرقة وبهاء السماء الملأى بطيور تنعق مهاجرة وخاصة طير أبي سعد ونعيق الطيور الراحلة. في مثل تلك الرومانسية الحالمة تشكل وعي الكثيرين بمنأى عن واقعية هدير القطار أو زعيقه و بمنأى عن الدخان المحترق من فوهة رأسه الكبير الصلد وبمنأى عن صلابة الحديد الذي نقرأ فيما بعد أن الكنعانيين أول مكتشفيه وأول مستخدميه في حروبهم.

وفي سرده الممتع في سداسية الأيام الستة يرصد اميل حبيبي كيف وصل بعض أبناء سيلة الظهر حيفا بسياراتهم دون انتباه لرمزية القطار و رمزية السيارات. فالسيارات خاصة والقطار عام. والسيارة مستحدثة والقطارات أقدم بالنسبة لقرانا على الأقل. والسكة لا تتغير بين عشية وضحاها والشارع يمكن تبديله بحاجز أو محسوم كل ساعة أو بطرق التفافية. لقد كان القطار بالنسبة لي على الأقل رمزا لشعب وظلت السيارة كما في خزان غسان كنفاني رمزا لضياع وموت. ولو قدر لناقد أن يجالس دون نفاق محمود درويش في عبدون قبل أو بعد الجسر الذي يصلها بالشميساني للفت نظره إلى هذا الخطأ الفادح والرمزية البليغة التي ربما لم يقصدها أو ينتبه إليها من طول معاشرته للمدن حيفا القاهرة بيروت باريس تونس و عمان الغربية. فما سقط أو جرى اسقاطه عن الخريطة ليس قطارا بقدر ما هو شعب سقط عن الخريطة بسقوط واقعيته وفصله عن القطار وعن السكة أيضا وبالتالي عن العالم. وبالنتيجة توجهه شرقا بناقلات اللاجئين إلى ما أصبح مخيماتهم وشتاتهم واستعبادهم. من الحديد إلى السراب كل القصة وملخصها المفزع. فهل انتبه المؤسسون للدولة العبرية لذلك الأمر أكثر مما انتبهنا ؟ وهل انتبه أحدنا لبلاغة الرؤية كون مسألة حل مشكلة المواصلات للشعوب العربية في الخليج عبر القطارات غير واردة ومدرجة على قائمة المخاطر التي تحدق بأنظمتها إن هي جمعت الناس والشعوب في قطار واحد لمجرد ليلة أو ليلتين سفر ؟ في الأردن يطرح منذ سنوات مشروع قطار للناس يصل الزرقاء بعمان لوجود سكة حديد جاهزة تستخدم للشحن ولأغراض عسكرية فقط ولا يلبث الحديث عن ذلك يتلاشى كما السراب المحيط بهذا البلد والممتد شرقا جنوبا وشمالا. هل للقطار الذي جاء بلينين من أوروبا إلى الثورة علاقة بذلك؟ أم للروايات التي للقطار بها دور هادر مكنوناتها الوجدانية؟ كلما صادفت مصريا من المنصورة كلما تواردت في ذهني سكة سندوب التي عبرتها ربيع 1984 تجاه منزل المسرحي محمد سعيد.لا أدري لماذا. واليوم عاد الشعب المصري بقوة إلى قطاره وسكته وإلى الخريطة ليشغلها . و عاد الشعب التونسي أيضا وستعود كل الشعوب التي سقطت عن الخريطة وليس قطار محمود درويش استثناء.ذلك الذي رآه يسقط عن خريطة فلسطين و ربما عن جسر عبدون أيضا. بعد خمسة أيام عيد ميلاده وبعد ثمانية أيام عيد ميلادي. لكن التواريخ مشكوك بها قدر شكنا بوسيلة اتصال مخاتير قرانا عندما أبلغوا عن أسمائنا وعن تواريخ ولادتنا. لا يليق الاحتفال بهما إذن. الاحتفال الحقيقي لا يقبل الشك قدر قبوله لليقين. وأن لنا أمهات فهذا يقين. أن يصنعن لنا قهوة أم شايا أم نبيذا فهذا ليس مهما لأن فلسطين هي أمنا جميعا ويقين أنها مثلما أعدت لنا قماطات الولادة أعدت لنا أيضا أكفان الرحيل فيها أو إليها كي نظل نولد كشعب هادر فوق حديد عابر للأرض والبلدان والجسد.

 

 

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018